طوق النجاة .. في الاعتماد على الذات!!

د. عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي بات فيه من المعروف على نطاق واسع، أن السلطنة، كغيرها من الدول التي تعتمد بدرجة غير قليلة على عائدات صادراتها النفطية، واجهت على مدى السنوات الأخيرة، ولا تزال تواجه، تبعات انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ منتصف عام 2014.
ثم ازدادت تلك التبعات بفعل الآثار التي صاحبت فيروس «كوفيد-19» والمستمرة منذ أوائل هذا العام، فإن الأسابيع الأخيرة شهدت، ولا تزال تشهد، نقاشا متكررا من جانب وسائل إعلام مختلفة للأوضاع الاقتصادية للسلطنة وللتحديات التي تواجهها، وللاستراتيجية التي يتبعها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – للتطوير الإداري والاقتصادي، وفي حين أشادت كثير من وسائل الإعلام تلك بالخطوات التي اتخذها جلالة السلطان، باعتبارها خطوات ضرورية، فإن بعضها تحدث عن متطلبات أخرى، أو بالأحرى توقعها، أو أوحى بها في إطار رؤيته للتطورات في المنطقة وللسبل التي قد تسير فيها السلطنة ضمن تعاملها مع تلك التحديات والتغلب عليها.
ومع تفهم وإدراك وجهات النظر المختلفة، وحق مختلف الأطراف في طرح ما يراه من وجهة نظره بالطبع، إلا أنها افتقرت أحيانا إلى الفهم العميق للسياسات العمانية والأسس التي ارتكزت وترتكز عليها أمس واليوم وغدًا، وعلى نحو جنح بها وباستنتاجاتها بعيدا، وعلى نحو غير واقعي في بعض الحالات.
على أي حال فإنه بصرف النظر عن كل ذلك، وعن كل محاولات استقراء السياسات والمواقف العمانية بشكل مسبق، والمحاولات المتعمدة لتصدير صورة محددة لخدمة أغراض هذا الطرف أو ذاك أحيانا، وهو ما أثبت عدم صحته، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب التي تلقي المزيد من الضوء على ركائز ومنطلقات السياسات العمانية ولعل من أبرزها ما يلي:
أولا: أنه من حيث المبدأ فإن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – أكد على نحو واضح وبالغ الدلالة استمرار اتباع النهج الذي أرساه جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- داخليًا وفي علاقات السلطنة مع الدول الشقيقة والصديقة خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا، ومن ثم الحرص على الحفاظ على أفضل العلاقات الممكنة مع الأشقاء والأصدقاء، في إطار الثوابت العمانية المعروفة، وبما يحقق المصالح الوطنية العمانية، وبما يتوافق أيضا مع ما تراه القيادة الحكيمة محققًا لذلك، وفق مقتضيات كل مرحلة من المراحل.
وبالنظر إلى أن السلطنة عملت، وتعمل دوما، من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار لكل دول وشعوب المنطقة، في إطار الالتزام بقواعد القانون والشرعية الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتجنب الاستقطاب والمحاور بكل أشكالها، فإن تلك الأسس لا تتغير، وتأتي المواقف العملية للسلطنة لتترجم ذلك عمليا في الظروف المختلفة، بعيدا عن الانحيازات المسبقة أو المبدئية حيال هذا الطرف أو ذاك.
وعندما أشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أكتوبر من العام الماضي عقب زيارته للسلطنة إلى أن «بوصلة السلطنة ثابتة» وأن السلطنة لا تبيع ولا تشتري بالقضية الفلسطينية، فإنه كان يقرر واقعًا راسخًا للسياسات العمانية، وهو واقع لا يقتصر فقط على ما يتصل بالقضية الفلسطينية، ولكنه يمتد إلى مختلف القضايا الخليجية والعربية والإقليمية والدولية، فالسلطنة تبذل جهودها وتقوم بما تراه مناسبًا ومحققًا للمصالح المشتركة للأشقاء والأصدقاء دون أن يكون لها أجندة خاصة أو مصالح ذاتية ضيقة تسعى لخدمتها على حساب طرف أو أطراف أخرى، وقد أكسبها ذلك ثقة واحترام كل الأطراف في الواقع، بغض النظر عن عدم تطابق المواقف أحيانا إزاء مسألة أو تطور معين. وفي ضوء ذلك فإن كل الأطراف، خليجية وإقليمية ودولية، باتت على قناعة واضحة وملموسة، بأن السياسات والمواقف العمانية تسير في طريقها لبناء أفضل العلاقات الممكنة مع الأشقاء والأصدقاء، دون الارتهان أو الارتباط المباشر، باستثمار هنا أو قرض أو مساعدة من هناك، ومعروف أن السلطنة وطنت نفسها على ذلك منذ عقود عديدة، وتتحمل مسؤوليتها بقناعة ورضا، وهو ما ينسحب في الواقع على الحاضر والمستقبل أيضا.
ثانيا: إنه مع اليقين بأنه لا توجد دولة في العالم يمكنها الاعتماد على نفسها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل احتياجاتها، خاصة مع اتساع الاعتماد المتبادل بين الدول في عالم اليوم، إلا أنه من المعروف أن السلطنة، سعت ومنذ وقت مبكر، إلى الاعتماد على الذات بقدر الإمكان لتحقيق أكبر قدر ممكن من متطلبات تنميتها في مختلف المجالات، مع تهيئة اقتصادها ليوفر أفضل فرص الاستثمار للمستثمرين من داخل المنطقة وخارجها أيضا، وفي إطار الأولويات التي تحددها السلطنة وفق استراتيجيتها التنموية في كل مرحلة من المراحل.
وفي هذا الإطار فإن السلطنة لم تنجذب، ولم تدخل في أي منافسة ولا تسابق من أي نوع، لا في مجال التسلح، ولا في مجال المشروعات المظهرية، ولا في مجال تسجيل المواقف حيال تطور أو آخر، وذلك لسبب بسيط هو أنها تسير بخطى محسوبة ومدروسة، وفي إطار استراتيجية وطنية لا تخضع للمقارنة مع الآخر، ولكنها تستجيب لمتطلبات التطور والتنمية المستدامة للسلطنة وفق كل مرحلة من المراحل، وهنا فإن مبدأ الاعتماد على الذات تحول في الواقع إلى برامج وسياسات عملية، وإلى خطط تنموية خمسية في الصحة والتعليم والبنية الأساسية والصناعة والسياحة وتنويع مصادر الدخل وغيرها، وقد جاءت الاستراتيجية المستقبلية «عمان 2040» لتواصل ترجمة هذا المبدأ أيضا خلال السنوات القادمة.
وبالنظر إلى أن السلطان الراحل -طيب الله ثراه- قد اعتمد هذا المبدأ، وعمل على تطبيقه بالنسبة للتنمية العمانية بقطاعاتها المختلفة، كسبيل لاستثمار الإمكانات المتاحة على الصعيد الوطني من ناحية، وكسبيل أيضا لتحصين وتأمين مسيرة التنمية العمانية، والسير بها بخطوات تتوافق مع متطلبات وإمكانات الوطن من ناحية ثانية، دون قفز أو اندفاع في هذا البعد أو ذاك، فإنه ليس مصادفة أبدا أن يعتمد جلالة السلطان هيثم بن طارق هذا المبدأ ويواصل السير عليه، خاصة أن جلالته كان قريبا من السلطان الراحل ومشاركا في صنع القرار الوطني في أكثر من مجال على مدى سنوات عدة قبل توليه مقاليد السلطة خلفًا للسلطان الراحل -طيب الله ثراه.
ثالثا: إنه مع الوضع في الاعتبار أن مبدأ الاعتماد على الذات، الذي تتبناه السلطنة بالنسبة لمختلف قطاعات التنمية الوطنية، يعطي الأولوية للاستفادة القصوى من الإمكانات الوطنية المتاحة، بشرية ومادية، وتوجيه القروض وأي مساعدات إلى خدمة أهداف التنمية الوطنية وفي إطار أولوياتها المحددة، فإنه ليس من المبالغة القول بأن الاعتماد على الذات بالنسبة للسلطنة هو بمثابة طوق النجاة لمواجهة التحديات الراهنة والقادمة أيضا، خاصة في ضوء ما يتصل بتذبذب أسعار النفط في الأسواق العالمية، واستمرار فيروس كورونا، وغيرها من تحديات التنمية في الحاضر والمستقبل، ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الإمكانات العمانية المتاحة، في مختلف قطاعات الاقتصاد العماني، وبالنسبة للإمكانات البشرية المتمثلة في الشباب العماني الطموح والقادر على الإسهام الإيجابي في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، تحتاج فقط إلى أساليب وطرق استخدام وتوظيف لهذه الإمكانيات على نحو يحقق أفضل استخدام لها لمصلحة للمجتمع والدولة والمواطن العماني اليوم وغدًا، فضلًا عن أنه يتطلب جسارة وحسمًا في تطبيق الخطوات المراد أو المقرر الأخذ بها، مع ضرورة بذل الكثير من الجهد الإعلامي والثقافي للتعريف بالخطوات التي يتم اتخاذها وشرح أبعادها وإيضاح المصالح المرتبطة بها والمترتبة عليها للمواطنين، وعلى نحو كافٍ ومتجدد ومتواصل ليتحول المواطن العماني إلى داعم وإلى منفذ واعٍ لهذه السياسات، وهي جوانب على درجة كبيرة من الأهمية، اليوم وغدًا، خاصة أن الأمر يتطلب قدرا من التضحية والصبر.
وفي هذا الإطار جاءت قرارات جلالة السلطان المعظم بإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، والشركات الحكومية، بما في ذلك إعادة تشكيل الحكومة وضم عدد من الوزارات، ومنح مزيد من السلطات والمرونة في تنفيذ أولويات التنمية الوطنية للوزارات والمحافظين، كما جاء المرسوم السلطاني السامي رقم (121/ 2020) الصادر يوم 12/ 10/ 2020 بإصدار قانون ضريبة القيمة المضافة وتحديد موعد بدء التطبيق العملي لهذه الضريبة بعد 180 يوما من تاريخ نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، ليشكل خطوة أخرى في إطار مبدأ الاعتماد على الذات لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة. ومع الوضع في الاعتبار أنه تم خلال الأيام الماضية تناول قانون ضريبة القيمة المضافة وإيضاح جوانبه المختلفة وخاصة ما يتصل بإعفاء الرعاية الصحية والتعليم والمواد الغذائية الأساسية وبعض الخدمات المحددة الأخرى ذات الصلة المباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، من الخضوع للضريبة التي حددها القانون بنسبة 5% فقط، إلا أنه تظل هناك حاجة للاستمرار في شرح القانون بجوانبه المختلفة وبأهميته لدعم المالية العامة للدولة، وإيضاح أن السلطنة هي من بين عدة دول عربية التي تطبق هذه الضريبة بنسبة 5% فقط، في حين أن دولا عربية وأجنبية عديدة تضاعف تلك القيمة مرات عدة أحيانا.
والمؤكد أن الوضوح والشفافية والتناول الموضوعي، تظل عناصر بالغة الأهمية بالنسبة لهذه الخطوة وللخطوات الأخرى، حتى يكون الاعتماد على الذات، بقدر الإمكان، طوق النجاة الآمن والملائم لتخطي التحديات الراهنة والسير بخطى حثيثة نحو تحقيق حياة أفضل للمواطن والمجتمع العماني، وهو ما أكد عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – والأمر يتطلب تعاون كل القطاعات وكل المواطنين والمقيمين أيضًا لأن النتائج الطيبة ستنعكس بالضرورة على الجميع اليوم وغدًا.