مبدأ ما فوق الثقافة

خميس بن راشد العدوي –

تعددت تعريفات الثقافة إلى درجة يكاد أن يكون لكل مرجع تعرفيه، ورغم ذلك.. فإن هذه التعريفات ليست مستقلة أو مفارقة لبعضها بعض، وإنما كل تعريف يعالج وجهًا من أوجه الثقافة، فالاختلاف غالبًا؛ إما في اللغة المستعملة، أو في الزاوية التي ينظر منها الكاتب، والمقال لا يُعنى بالتحقيق في التعريف، وإنما يكتفي بأن يقدم مدخلاً مفهوميًا للثقافة، يقارب ما يتطرق إليه.
فالثقافة.. هي المنتَج الإنساني الذي دعت إليه الحاجة لنظام الحياة، فاكتسب مع مرور الأيام خاصية التكرار والانتشار، وأصبح مؤثرًا في حياة الناس؛ حاجةً أو معتقدًا أو مزاجًا نفسيًا، أو نحوه.
فالحياة.. هي نظام متكوّن من منظومات ثقافية، وكل منظومة تتشكل من عناصر، فالمنظومة السياسية تتكون مثلًا من: الحاكم والشعب والدستور والقوانين، فهذه كلها عناصر ثقافية في بنيتها المجردة، وأقصد بذلك أن شخص الحاكم ليس عنصرًا ثقافيًا، وإنما منصبه هو العنصر، ونص مادة القانون ليس عنصرًا وإنما فكرة المواد وما تعالجه هي العنصر، إلا إذا أصبحت هذه المادة متكررة ومنتشرة في منظومات القوانين، كأن يكون نص المادة: الحرية مكفولة للناس جميعًا.
والمنظومة الدينية تتكون من عناصرها الثقافية كالإله والمعبد والطقوس والقرابين، والمنظومة العمرانية تتكون من عناصرها، وهكذا بقية المنظومات، التي تشكل نظام الحياة في أي مجتمع من المجتمعات.
وقد دأب المفكرون على تقسيم الثقافة إلى ثقافة مادية كالأبنية والملابس ونظام الري والأدوات الحربية، وثقافة غير مادية كالغناء والقصص الشعبي وهيئات الجلوس. وقد عُنيت المؤسسات الثقافية بحصر المكونات الاجتماعية وفق هذا التقسيم للثقافة؛ المادي وغير المادي، وربما جرى تفريع الثقافة إلى فروع أخرى، لكن هذا التقسيم غالبًا هو مرجعها.
وهذه العناصر هي الجانب المرئي من الثقافة.. بيد أن هناك جانبًا غير مرئي منها، وهو ما أسميه «مبدأ ما فوق الثقافة»؛ أي الأسس العليا التي تحكم الثقافة، بل وقد تكون هي المنشئة لعناصرها. نعم.. لقد تقرر في التعريف السابق أن الثقافة هي منتَج إنساني دعت إليه الحاجة، لكن حتى الحيوان لديه حياة داعية، إلا أنها بيولوجية وليست ثقافية، ومن هنا علينا أن نبصر مبدأ ما فوق الثقافة، لأنه غالبًا لا يلتفت إليه المنظِّرون للثقافة.
مبدأ ما فوق الثقافة.. هو الروح الدافع للإنسان لكي ينتج ثقافته، وهو روح؛ إما أن يكون ناشئًا من البُعد الإنساني، وهذا أمر يشترك فيه كل البشر، فمثلًا الإيمان بالله شأن إنساني عام، لأنه نابع من الروح الإلهي الذي نُفخ في الإنسان، فكثير من العناصر الثقافية التي أنتجها البشر لا يمكن أن تقول إن الحاجة وحدها هي الدافع إليها، ما لم يكن وراءها هذا الروح، وهذا كما يظهر في التأله؛ فإنه يظهر في العناصر الثقافية المدفوعة بالجمال كالموسيقى أو الحب كالتصوف أو التأمل كالخلوة.
أو أن العناصر الثقافية تعود إلى الدين بوصفه تمظهرًا جماعيًا للإيمان، كالصلوات والأدعية والزيارات للأضرحة، أو أشكال التعبد والتقرب للمعبود، أو طقوس الدفن.
وهذا البُعد الديني يختلف عن البُعد الإنساني الذي ذكرته سلفًا، فالأخير هو مشترك بين جميع البشر، فعموم البشر بأصلهم يؤمنون بالله، ويعشقون الجمال، وتعانق قلوبهم المحبة. أما العناصر التي تعود إلى تمظهر الدين فيحكمها المشترك الديني بين الناس، فالثقافة المسيحية تختلف عن الثقافة الإسلامية، والثقافة اليهودية متمايزة عن الثقافة الهندوسية.
وقد يكون مبدأ ما فوق الثقافة هو روح الجماعة أو القبيلة، فمعظم ثقافة الحروب والدفاع عن النفس في أصلها ترجع إلى هذا الروح الذي يدفع بالفرد أن ينتظم في جماعة ما لكي يتمكن من العيش في ظل الصراع المتواصل بين البشر، وإلى هذا المبدأ يرجع كثير من التقاليد والعادات، فلربما رصدنا عنصرًا ثقافيًا لم نعد ندرك أصل نشأته، أو لم تعد له حاجة داعية، إلا أن روح الجماعة هو من يقف خلفه، كمثل «المناشدة عن العلوم والأخبار» في المجتمع العماني.
وقد يتشكّل مبدأ ما فوق الثقافة من الروح الوطني للأمة، كوحدتها في الملبس مثلًا، أو نمط العمران، أو استعدادها للتضحية لأجل تراب الوطن الغالي، أو التسامح في المعتقدات بين الناس، وعنصر التسامح بالذات يقف وراءه روح الوطنية أكثر من غيره، وربما فاق فيه روح الدين؛ مع قوة هيمنة الدين على النفس، وذلك عندما تعيش الأمة بأديانها المختلفة في وحدة واحدة.
إذاً.. لا يكفي ونحن نرصد الثقافة في المجتمع أو الدولة أن ننظر إلى المنتجات الثقافية؛ سواءً أكانت مادية أو غير مادية، وإنما علينا أن نرجع هذه العناصر إلى مبدئها الأول، فالمثقف غالبًا -ومثله المؤسسات الثقافية- عندما يعالج الشأن الثقافي لا يذهب بعيدًا عن العناصر الثقافية الظاهرة، وهذه مجرد أعراض لمبدأ ما فوق الثقافة، وهو مبدأ حاكم لهذه العناصر، بل مهيمن عليها.
إن دور المؤسسات الثقافية هو الحفاظ على العناصر الثقافية في المجتمع، ورصدها، وتبويبها، وتشجيع حركتها ونموها، سواء المادية منها أو غير المادية، بمختلف أطيافها: الاجتماعية والأدبية والعمرانية والتراثية وغيرها، كما أن على هذه المؤسسات أن تحتضن المثقفين بتنوع توجهاتهم، فمثلًا إعداد المهندس المدني من واجب التعليم الجامعي، أما تحويله من راسم خرائط إلى مثقف عمراني؛ فهذا يدخل في إطار الثقافة، وعلى المؤسسات الثقافية أن تقوم بدورها في إيجاد نمط متميز للعمران نابع من ثقافة المجتمع وتحولاته المدنية؛ للإسهام في إعداد هذا المهندس ليحمل روح الثقافة في مجتمعه، بحيث يظهر في نمط الخرائط التي ينشئها. وهكذا قل في سائر أوجه الثقافة وعناصرها.
بيد أن هذا لا يكفي؛ فلابد أن تُعنى الأمة أو الدولة بإيجاد المفكرين في الشأن الثقافي، بل وتبذل جهدها لصناعة الفلاسفة في ذلك، ولن يوجد هذا المفكر أو الفيلسوف إلا إذا تمكن من فهم مبدأ ما فوق الثقافة.
إن الاشتغال على هذا المبدأ ليس ترفًا ثقافيًا، ولا فضولًا اجتماعيًا، ولا بحوثًا أكاديمية صماء، وإنما هو غوص في النفس الإنسانية، وفي روحها؛ روح الفرد، وروح الجماعة.
هناك الكثير من العناصر الثقافية التي قد نلحظ تغيّرها، ولكن -في حقيقتها- لم يتغير منها إلا شكلها الخارجي فحسب، فالمتغيّر عَرَض أما الجوهر فقائم؛ لأن مبدأ ما فوق الثقافة لا يزال يعمل عمله في الاجتماع البشري، نلحظ مثلًا أن غطاء الرأس قد تبدل في شكله، فهذا التبدل لم يكن تخليًا عن ثقافة متأصلة بمبدئها الفوقي، وإنما لأن الغطاء.. بدلًا أن يحكمه مبدأ روح الحاجة، حينما كان الإنسان محتاجًا أن يغطي رأسه اتقاءَ الحر والبرد والأتربة، أصبحت الغلبة لمبدأ آخر، مبدأ نابع من روح الجماعة مثلًا، وهكذا في بقية التحولات الثقافية.
ولذلك.. لأجل دراسة الاجتماع البشري ومزاجه النفسي، ولرصد التحولات الكبرى في المجتمع، سواءً أكانت سياسية أو دينية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية؛ فإنه ينبغي تتبع الجذور الأولى للثقافة، وتحليل أصولها العليا، وصولًا إلى مبدأ ما فوق الثقافة، فرصد الظواهر وحده لا يكفي في فهم الإنسان وشبكة علاقاته بأخيه الإنسان، ما لم تُجرَ دراسات في هذا الجانب، ولا يقوم بذلك إلا الفلاسفة؛ خاصة فلاسفة علم الاجتماع، إن غياب البُعد الفلسفي عن تفكيك الثقافة الاجتماعية والوقوف على كنهها، وتحولاتها عبر الزمن، وعن معرفة مياكنيزم عملها، يجعل المثقف يعمل في منطقة غير مُبصَرة، كما لا تتمكن المؤسسات الثقافية من وضع استراتيجياتها وخططها وبرامجها بصورة صحيحة، وبالتالي قد تفشل في رصد تأثيرات الثقافة على الأفراد والمجتمع والدولة.