أزهار أحمد: الطفل لديه عالم مختلف آخر غير العالم الذي يعيشه، وذاكرة يجب أن تُملأ بكل ما هو مدهش

  • صاحبة العصفور الأول في مثلث الرواية والترجمة والكتابة للأطفال
  • أزهار أحمد: الأدب الهندي ليس بعيدا عنا بقدر ما كانت الترجمة بعيدة
حاورتها: بشاير السليمية

قبيل حوارنا هذا بدت أزهار أحمد منشغلة بأعمال النادي الثقافي، تطقطق على لوح مفاتيح حاسبها الآلي وتصفّ الأوراق الكثيرة على الطاولة. لكن ما أن بدأت الحديث حتى وقف عصفور على أحد الأغصان الصغيرة خارج المكتب، فبادرتها بسؤال عن الطفولة:

– ما هي ملامح الطفولة التي عشتها؟ كيف تصفينها؟
“لا أتذكرها بشكل جيد، فذاكرتي ضعيفة جدا”. – هنا بالتحديد تداعى أمامي حصانها الذي فقد ذاكرته –
وتابعتْ: “لكن ما أذكره بالتحديد أنها طفولة عادية، رغم أنها منعزلة نوعا ما، طفولة قضيتها في البيت، بين أهلي وأخوتي ومدرستي. التأثير من والدي كان كبيرا فكان يصر أن يقرأ لنا ونقرأ له، ووجود المكتبة في البيت جعلتني أقرأ الكثير وأنا صغيرة، وهذا تكوين مهم. في المرحلة الابتدائية والإعدادية كنت غارقة في الأنشطة المدرسية، محاولة الاستحواذ على النشاطات الثقافية كالصحافة المدرسية والإذاعة. وفي فترة من الفترات أحببت حصة التحضير المنزلي وأشغالها اليدوية. أعجبني جدا الانغماس بأشياء جديدة كليا. ونتيجة لتأثري بعوالم قصص الأطفال، كنت كثيرا ما أختبئ في “الضاحية” لقضاء بعض الوقت وحيدة ثم أعود للبيت. وبشكل عام أستطيع أن أصف طفولتي بالهادئة، هذا الوصف الأمثل لها”.

– ما الذي تعنيه الطفولة لأزهار أحمد المشتغلة في الكتابة للطفل؟
الطفولة تعني لي الفضول والخيال والحرية والعوالم الساحرة. وهذا المعنى تكوّن لدي من خلال حكايات والدي، ومن أبيات الشعر التي يرددها كل مساء، ومن الكتب والقصص الخيالية، ومن الرحلات المستمرة التي كان يباغتنا بها والدي، ومن الحكايات التي أسمعها خلسة، ولاحقا كان لمسلسلات الأطفال وبرامج التلفزيون تأثير آخر.
من كل تلك الأشياء، ومن العوالم التي تكتنز بالغموض والسحر والغرائبية والجمال والألوان، ومن رغبتي الدائمة إخراج الحكايات التي بداخلي، انجذبت للكتابة للأطفال. وهناك ثمة شيء أساسي بالنسبة لي، وهو من الأشياء التي دعتني للكتابة للأطفال، إيماني بأن الطفل لديه عالم مختلف آخر غير العالم الذي يعيشه، وذاكرة يجب أن تُملأ بكل ما هو مدهش، لذلك لا بد أن نوفر له ما يحفز بداخله الفضول الذي هو من أساسيات الرغبة في الانطلاق من العالم الواقعي إلى عالم آخر. لذلك حاولت أن أكتب أشياء تنطلق من واقع الطفل العادي إلى عالم أوسع، مؤمنة أن السحر كله في الخيال وهو ما يحقق لنا الحياة التي نتمناها وأفضل.

– قلت في حوار سابق إن الصحافة راقت لكِ، ألا تتفقين مع من يقول إنها محرقة وتؤثر على اللغة الإبداعية لدى الكاتب؟
تجربة الكتابة الصحفية كانت رائعة، أحببتها وتمنيت الاستمرار فيها. ورغم ما يشاع عن تأثيرها في اللغة الإبداعية إلا أنني أرى أن اهتمام واعتناء الكاتب بلغته وتركيزه على صقلها لن تفقد بسهولة حتى لو تزامنت مع أعماله الصحفية. بل أن العمل الصحفي من وجهة نظري فرصة لتراكم الأفكار والخبرات، وفي النهاية فإن موهبة الكاتب وإرادته هي الحكم.
من تجاربي الصحفية، كانت بداية عبر قراءات لكتب وأفلام في ملحق شرفات في جريدة عمان، ثم طورتها إلى مقالات أسبوعية مترجمة عن “أشهر وأجمل المكتبات في العالم”، و”1000 لوحة ولوحة يجب أن تراها قبل أن تموت”. إضافة إلى تجربتي في جريدة الشبيبة عبر عمود أسبوعي عنونته “أجراس صغيرة”، كتبت فيه مقالات عن الحياة الواقعية، وعن تجارب تحدث لي وللناس من حولي، تلك الأشياء كنت أسمعها وأصيغها على شكل مقالات. كتبت أيضا في جريدة الزمن، كانت لدي صفحة أسبوعية للأطفال أسميتها “فراشات” خصصتها للأطفال الموهوبين في الكتابة والرسم. كما نشرت بشكل متقطع في مجلة الثقافة العالمية، ومجلة الدوحة ومجلات أخرى خليجية. ربما التأثير السلبي الذي جعلني أترك الكتابة الصحفية كونها التزاما يوميا أو أسبوعيا، لم أكن مستعدة له وقتها بسبب ارتباطاتي الكثيرة. لكنني أؤكد أن العمل الصحفي حفزني للعمل الإبداعي ووسع من مخزون أفكاري.

– هناك الكثير من الروائيين الذين أطلق عليهم “أصحاب العمل الواحد”، منهم آنا سويل التي كتبت رواية واحدة فقط وكانت تقول إنها لم تعتزم أن تكون روائية. بعد مضي أكثر من عشر سنوات على “العصفور الأول” لمَ بقيت أزهار أحمد برواية واحدة؟
“عندما كنت في الثالثة عشرة قرأت رواية “حول العالم في ثمانين يوما” للكاتب جون فيرل، في ذلك اليوم بالتحديد قررت أن أكون أعظم وأشهر روائية في العالم، وكان هذا قرارا أكتبه في دفاتري كل عام، وفي كل مكان، وفي كل رواية جيدة أقرؤها. لم أكن أعي أن كتابة الرواية عمل مرعب ومغامرة خطيرة، حتى كبرت ونسيت أو تناسيت حلمي. عندما قررت كتابة “العصفور الأول” بدأ ذلك الرعب المجهول في داخلي، لكنني صممت معتقدة أن كتابة رواية ستساعدني في تخطي خوفي وفي أن أطلق العصفور الأول، الذي ستنطلق معه أزهار. وهكذا صدرت روايتي الأولى، التي واجهت بعض الإحباطات من تسويق وغيره. ثم توقفت حتى أكتب روايتي الحلم التي أتمنى كتابتها منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري. وربما كتابة القصص القصيرة، والكتابة للأطفال والترجمة ألهتني وأبعدتني عن الرواية.

– ترجمتِ الرواية الهندية “ما حكاه الصوفي” عبر لغة وسيطة وهي اللغة الإنجليزية، ما مدى صعوبة أن يترجم مترجم ما نصا عبر لغة وسيطة؟
الترجمة عبر لغة ثالثة تجعلك في شك من إبداع المترجم الذي نقلها عن لغتها الأصلية، ولكن بالنسبة لـ”ما حكاه الصوفي” اعتمدت على المؤلف ووثقت في رأيه بالترجمة الإنجليزية، التي كان يعتبرها ترجمة جيدة، ولو لم أكن أعرف المؤلف معرفة شخصية لما ترجمت رواية “ما حكاه الصوفي” رغم إعجابي بها. فقد ساعدني في شرح المصطلحات والعبارات التي وضع المترجم للإنجليزية كما هي. فكان لا بد لي أن أشرحها، كونها من ثقافة هندية قديمة، فكان عليّ نقلها بشكلها الصحيح. ولا أعتقد أنني سأكرر تجربة الترجمة عن لغة ثالثة إلا لو توفرت لدي العناصر نفسها، كأن أعرف المؤلف بشكل مباشر، أو أن العمل من الهمية بحيث تصبح ترجمته ضرورة.

– هل تتفقين بأن هناك قصورا في معرفتنا بالأدب الهندي وكتّابه؟
“الأدب الهندي عظيم وواسع ومختلف، لكن المسألة تكمن في الترجمة، ولو أن لدينا مترجمين يعملون على ترجمة الأدب الهندي لوصلنا أفضل الأعمال الأدبية. فعلى غرار الرواية التي ترجمتها “ما حكاه الصوفي” للكاتب الهندي كي بي رامانوني من ساحل الملبار في جنوب الهند ومناطق أخرى وأماكن أخرى أيضا اشتهر أدباء كثر، ناهيك عن الذين انتقلوا من الهند وأصبحوا يكتبون باللغة الإنجليزية، ثم إن ثقافتنا والثقافة الهندية بينهما تاريخ مشترك وحضارة مشتركة وهي ليست بعيدة عنا بقدر ما كانت الترجمة بعيدة عنا”.

– ما الذي يميز الرواية الهندية عن غيرها برأيك؟
يميزها الكثير، أولا مواضيعهم الحياتية والواقعية مختلفة تماما بحكم تاريخهم العريق، وتعدد لغاتهم وثقافتهم ودياناتهم، والجغرافيا الواسعة التي تمتد إليها الهند. لذلك فاحتواء هذه العناصر في رواياتهم وأدبهم بشكل عام له تأثير على الخصوصية والتميز. وثانيا اعتمادهم على اللغة الشعرية البسيطة والتي لمستها من الأعمال الأدبية التي تسنى لي قراءتها. ولا ننسى التأثير الكبير للمكان والزمان الذي يسبغ على الأدب الهندي سحرا أسطوريا.