حتى أنت؟

أذكر أنني نفذت حلقة عمل لموظفي المؤسسة، حول التغلب على الخوف، ومن بين الحضور كانت منسقة مكتبي، في المحاضرات كما في عمودي هذا أعكس كثيرا من تجاربي الشخصية، إيمانا مني بأن الكثيرين من حولي أكثر معرفة واطلاعا مني، وأصادف كثيرا شبابا قرأوا كل الكتب التي قرأت وأكثر، لكن ربما ما يميزني أنني أغلف المعرفة بالتجربة.
في تلك الحلقة تحدثت عن مخاوفي، وأذكر أن عيني التقت بعين الفتاة، فلحظت نظرة دهشة في عينيها، بعد العودة للمكتب، جاءتني وهي في حالة صدمة، لماذا قلت ما قلت أمام الموظفين عن خوفك، أجبتها لأنها الحقيقة، نظرت إليّ باستغراب، وهي تقول ولكنك الأستاذة!
مرت سنون على ذلك الموقف لكنني لم أستطع تجاوزه، ربما لأنه دائما ما يتكرر بشكل أو بآخر، فعندما أشارك في دورة تدريبية، أجد الحضور ينظر إليّ باستغراب، والبعض لا يكتفي بنظرة الاستغراب، فتأتيني أسئلة مشابهة، كيف تشاركين في دورة كهذه، الجميع يتعلم منك.
أجد هذه الصورة التي رسمها الناس لي غير واقعية، وأعترف بأنني أتحمل الكثير من المسؤولية، فلعلني من خلال كتاباتي وصفحاتي على منصات التواصل، صورت لنفسي صورة مثالية دون أن أدرك، وعذري أنني سئمت من الكآبة من حولي، والشكوى والتذمر، وأخبار المآسي والحروب، فأردت أن أظهر جوانب الحياة الأخرى الأكثر إشراقا، وهي الأكبر والأكثر، لكننا بسبب تركيزنا على الجانب المظلم بتنا لا نرى غيره.
ساهم ارتباطي بالتنمية البشرية أيضا في هذه الصورة النمطية، فتصور البعض أن حياتي مثالية، وأنني مثالية، وهو خلاف للواقع تماما، فأنا مثل أي إنسان آخر لدي عيوب كما أن لدي مميزات، وأنا أيضًا أمر بلحظات صعبة في حياتي مثل الآخرين، حياتي ليست مثالية، وأنا لست هادئة وحكيمة طوال الوقت.
ولكن ربما لأن صفحاتي على شبكات التواصل لا تظهر لكم سوى الجانب المشرق من شخصيتي ومن حياتي، وهذا أمر طبيعي.
كما ذكرت غالبية الكتاب من حولي يناقشون قضايا ومشاكل مجتمعية واقتصادية وسياسية، أنا قد لا أفقه فيها شيئا من جهة، فلا أحب مزاحمتهم عليها، ومن جهة أخرى أريد أن أكون من 1% ممن ينظرون للجانب المشرق من الحياة.
الحياة جميلة فعلا، لكن بالتركيز على الجوانب المظلمة سيكون من الصعب رؤية جوانبها المشرقة، ليس لأن لا وجود للمشاكل والمآسي، وإنما لأن في الجانب الآخر يوجد كثير من الأمل والبهجة، نحتاج لأن نركز عليها فقط، فتتضاءل في عيوننا حجم مشاكلنا، وتصغر عيوبنا ونواقصنا، نبقى بشرًا فينا الخير والشر والجمال والقبح.

حمده بنت سعيد الشامسية
hamdahus@yhoo.com