عن خطة ماكرون لمحاربة «النزعات الانفصالية» في فرنسا

د. عبد العاطي محمد –

يتحدث الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون عن نزعات انفصالية في بلاده يرى أنها تهديد خطير لقيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية. ويشير صراحة إلى أن المقصود بأصحاب هذه النزعة الانفصالية هم المسلمون الفرنسيون. ودفاعا عن الجمهورية فإن لديه خطة من أربعة عناصر تهدف إلى محاربة ما سماه النزعات «الانفصالية الإسلامية»، وهى في جوهرها إعادة صياغة النظرة للإسلام والمسلمين داخل فرنسا بما يؤدى إلى تغليب أو تعميق العلمانية، فبهذا المدخل وحده وفقا لرؤيته تتخلص البلاد من المشكلات التي يسببها الظهور المتزايد للمسلمين الفرنسيين في الساحة السياسية واتنامى تأثيرهم في الحياة العامة.

ولأن الخطة جاءت سلبية في توجهها العام تجاه الإسلام والمسلمين واتسمت مفرداتها بالحدة والصرامة والاستفزاز أيضا حتى أنها زايدت على ما يرد مرارا في خطاب اليمين المتشدد الفرنسي، فقد أثارت جدلا وقلقا مشروعا وصل إلى حد الغضب في ردود الأفعال عليها سواء من داخل تجمعات المسلمين الفرنسيين اللذين يفوق عددهم الستة ملايين نسمه من السكان، أو داخل المنطقة الإسلامية بوجه عام والتي يصل عدد أبنائها إلى نحو 2 مليار نسمة. ولكن ظهر جليا أن ردود الفعل المستهجنة لم تزد عن كونها تسجيل لمواقف مبدئية لا أكثر، ولن تغير من الحال شيئا حيث أن ما عبر عنه ماكرون لم يكن مجرد وجهات نظر شخصية تقبل المراجعة، وإنما تعبير عن توجه فكرى وسياسي مؤثر في الأوساط الفرنسية لم يعد ينظر لاندماج المسلمين الفرنسيين بمقترب التعايش مع التعددية والاختلاف، وإنما بمقترب الذوبان في الطبيعة العلمانية الشديدة للمجتمع والدولة في الجمهورية الفرنسية. ومن الطبيعي في ظل هذا التوجه أن تأتي ردود الأفعال قلقة ومتخوفة مما يحمله المستقبل من تداعيات، ومن الطبيعي في نفس الوقت أن يتم التعامل مع الأمر على أنه تحول حقيقي على أرض الواقع بغض النظر عن رفضه أو تأييده مبدئيا، تحول من شأنه أن يحدث تغييرا قويا في أوضاع المسلمين بفرنسا. وتتحدث تقارير تابعت تصريحات ماكرون بهذا الصدد عن أن الخطة لم تكن مفاجئة، بل هي حصيلة مناقشات ودراسات جرت على مدى عدة أشهر سابقة ركزت على كيفية التعامل مع المشكلات التي تتسبب فيها الضواحي أو الأحياء الفقيرة في البلاد والتي تعد عمليا جزرا منفصلة، ومن داخلها بظروفها الصعبة وحرمانها من ثمرات الرفاهية والتطور، ينشأ التطرف والإرهاب، ومن ثم هي المنطلق لفهم ما تتعرض له الجمهورية الفرنسية من تهديدات. ووفقا لما وصلت إليه الدراسات التي ظل الرئيس الفرنسي يتابعها جاءت الخطة الصادمة وعلى لسان الرئيس نفسه. بما يعنى أنها جادة وحقيقية، ولذلك أقامت الدنيا ولم تقعدها فور إعلانها.
وقد كان من الوارد أن تمر الخطة مرور الكرام، أو أن لا يلتفت إليها أحد، من منطلق كونها شأنا داخليا محضا، وهى تبدو كذلك بالفعل لأول وهلة ومن الناحية العملية أيضا، على أساس أنها تخاطب الجمهور الفرنسي وتعالج مشكلاته السياسية والاجتماعية والأمنية، كما أنها تعد جانبا من المشهد السياسي العام في البلاد، حيث التنافس بين قوى اليمين معتدلة أو متشددة على قيادة حاضر ومستقبل البلاد، وفي القلب من ذلك تحديد المواقف من الأقليات وأبرزها الأقلية المسلمة، ومسألة الهجرة وتدفق اللاجئين غير الشرعيين، والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وفي كل ذلك تتصارع الأحزاب والقيادات البارزة على مغازلة الشارع والمزايدة على بعضها البعض. ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تتصدر قضايا المسلمين الفرنسيين أجندة النقاش السياسي في البلاد. ويضاف إلى ذلك وهذا هو الأهم – أن الهواجس الأمنية تصاعدت في البلاد خلال السنوات الأخيرة إلى حد مخيف بدءا من تأثر بعض الفرنسيين بأفكار تنظيم «داعش» واندماجهم فيه، إلى وقوع العديد من الأحداث الإرهابية كان من أبرزها الهجوم الذي تعرضت له صحيفة شارلي ايبدو ذات التوجه اليساري والتي دأبت على توجيه إساءات للإسلام وذلك في بداية يناير 2015، وقد راح ضحيته عشرات القتلى والمصابين، وكان له رد فعل غاضب جدا ليس داخل فرنسا وحدها بل في الخارج أيضا، وأقلق الشارع الفرنسي بشدة حيث خرجت مسيرات مليونية تندد بالإرهاب. وتم النظر للحدث على أنه علامة قوية على ما تتعرض له فرنسا العلمانية داعية الحرية والاستنارة من تهديدات لتغيير هويتها التي تحققت بفعل الثورة الفرنسية منذ القرن التاسع عشر. وقبل أن يعلن ماكرون خطته كان وزير الداخلية قد أعلن أن البلاد تعرضت لنحو 35 عملية إرهابية خلال السنوات الثلاث الأخيرة بواقع عملية كل عام تقريبا. وفي كل هذه الأحداث كان الإسلام والمسلمين حاضرا بقوة في النقاش العام بالنظر إلى أن المتطرفين الإسلاميين هم من كانوا وراءها. وبالمقابل لا يفوتنا التذكير بأن الساحة الفرنسية ذاتها شهدت ولا تزال كثيرا حالات من الاعتداء على الرموز الإسلامية وعلى المسلمين الفرنسيين أنفسهم.
ومما يذكر تأكيدا للطابع المحلي للخطة أنها تقوم على أربعة عناصر هي، تحرير المساجد والمدارس من التأثيرات الأجنبية، والتنسيق بين ممثلي مسلمي فرنسا، ومكافحة ما يعد مظاهر انفصالية في المجتمع الفرنسي مثل الصلاة في النوادي وممارسة السباحة في أماكن منفصلة، وعدم المساواة بين الفتيات والفتيان، وأخيرا إعادة تثقيف الضواحي الفقيرة بعروض تعبر عن علمانية الجمهورية. والمتحمسون للخطة يرون أن المزيد من العلمانية يحفظ وجود أبناء الديانات كافة بمن فيهم المسلمون، ومن ثم لا يرون سببا للقلق من التوجهات الجديدة.
وكل ما سبق له قدر من الحقيقة ولا يمكن إغفاله عن تأمل الأسباب وراء خطة ماكرون وكذلك استشراف ما يمكن أن تؤول إليه من نتائج، ولكن ما ورد في الخطة من أفكار وما تم صكه من مصطلحات والأسلوب الذي اتسمت به، ينقل الأمر إلى ما هو أبعد من كونه شأنا داخليا ويضعه على صعيد أوسع هو الموقف من الإسلام ذاته، ويربطه بالمقولات التي تكررت مرارا داخل فرنسا وعواصم أوروبية أخرى وتصر على ربط الإرهاب بالإسلام. (ويأخذ على الرجل أنه من الذين يكررون دائما لفظ «الإرهاب الإسلامي»)، كما ينقله إلى تناقضات الساحة الداخلية في أكثر من صعيد غربي فيما يتعلق بطرح رؤى تناقض بعضها بعضا حول الإسلام والعلمانية، وتعميم الأحكام والتقديرات بشكل متسرع وسط غياب للمثقفين الغربيين الجادين ممن يعلمون حقيقة الأمور. وفي هذا الإطار لم يكن غريبا أن يطال الأذى الإسلام والمسلمين داخل وخارج فرنسا. ومن الصحيح أن ماكرون حدد أهدافه في التعامل مع أوضاع المسلمين الفرنسيين، وهو أمر لا يجادله الحق فيه أحد، وله ما يريد بالنسبة لشعبه، ولكن المصطلح الذي صكه بتعبير «النزعة الانفصالية أو الانعزالية الإسلامية» عند مسلمي فرنسا يظل اجتهادا فكريا يجسد معتقداته الفكرية بالأساس ولا يستند لدلائل عملية خاصة وأنه يربطه بما سماه «الانفصال الشعوري»، والأخير تعبير عن نظرة فلسفية لا عن واقع سياسي. كما أن هناك من الشخصيات الفرنسية البارزة فكريا من يؤكدون أن مسلمي فرنسا ليس لديهم هذا الشعور ولا يوجد ما يؤكد حقا تعبيرهم عن النزعة الانفصالية حيث اندمجوا إلى حد كبير في طبيعة المجتمع الفرنسي واحترموا قيمه حتى ولو تعارضت مع القيم الإسلامية. وللحق تعد هذه هي المرة الأولى التي يرد فيها وصف كهذا لموقف الأقلية المسلمة الفرنسية مع أنها أقلية ضاربة بجذورها في عمق المجتمع الفرنسي على مدى عقود طويلة. ومن الصحيح أيضا أنه قال بأن خطته تستهدف كل النزعات المتطرفة ومن يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية الفرنسية، أي زحزحتها عن قيمها العلمانية وإضفاء الطابع الديني عليها، ولكنه خص الإسلام والمسلمين تحديدا بمشروعه الجديد. يقول: «إن مشروع القانون المرتقب لا يستهدف ديانة بعينها، بل يستهدف جميع الأديان أو المجموعات التي تشجع على عدم احترام مبادئ العلمانية». ويقول: «ليس المقصود من الأمر وصم دين ما، ولا يتعلق بخطة ضد الإسلام». ولكنه عندما أراد أن يؤصل لخطته لكى يقنع الفرنسيين بها مس الإسلام بما يعد لونا من الأذى أو التجني عليه حيث قال: «إن الإسلام ديانة تعيش اليوم في أزمة في كل مكان في العالم»، مفسرا ذلك بأن الإسلام أصبح في غربة عن ثقافة العصر. وواضح أنه عمم ما يأتي من جماعات التطرف الإسلامية وتلك الداعية منها إلى العنف، على الأغلبية الغالبة من المسلمين الذين يرفضون هؤلاء ويدعون العالم كله لمحاربتهم، وهم أكثر الناس تعرضا للأذى من جانبهم. ومن جهة أخرى فإن تعبير الأزمة عنده يربطه أساسا بإما أن تكون مع العلمانية تماما وإما أن تكون ضدها فتصبح في أزمة!!. ولو اعتمدنا هذا التفسير فلا معنى إذًا لمبادئ الاختلاف والتعددية، بل إنه تفسير يتعارض بالأساس مع طرح العلمانية بقواعد 1905 التي ارتضاها الفرنسيون المؤسسون وتقضي باحترام التعدد والاختلاف. وبوجه عام فإن العالم المعاصر يشهد أزمات تتعرض لها كل الأفكار والتوجهات الكبرى للمجتمعات المعاصرة، لأسباب مختلفة يطول شرحها وليس هنا مقام توضيحها، بما فيها الليبرالية والرأسمالية ذاتها التي تقوم عليها المجتمعات الغربية.
وليس من الواضح أن يتحول ما يجرى في فرنسا إلى تيار عام في العالم الغربي، ولكن وزن فرنسا الثقافي ودورها الرائد في تصدير الأفكار والفلسفات الكبرى إلى خارجها وخاصة الدائرة الغربية ووجود قاعدة سياسية واجتماعية قوية تؤازر ذلك، من شأنه أن يجعله تيارا عاما بمرور الوقت. ولكن منع وجود هذا التيار يتوقف من جهة أخرى على قدرة التجمعات الإسلامية في العواصم الغربية على احتواء هذه التطورات وتحقيق التوازن بين خصوصياتها التي تجد مبررها في مبدأ الاختلاف بين الشعوب وقيمها الدينية المستنيرة، وبين ضرورات الواقع، وكذلك نجاح الدول الإسلامية في مواصلة حوارات الحضارات والأديان وتعزيز كل الجهود في هذا المجال.