ترامب يخسر «حربه الباردة» الجديدة مع الصين

روبرت زولَيك- نيويورك تايمز –
ترجمة:قاسم مكي –

عندما تولَّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة أعلن أنه سيُنهِي عجزَها التجاري مع الصين. لكن العجز الذي بلغ 346 بليون دولار في عام 2019 كان مساويا تقريبا لحجمه في عام 2016.
إلى ذلك، يميل الاتجاه العام (للتبادل التجاري) نحو الصين. ففي هذا العام وحتى شهر أغسطس ارتفعت الصادرات الأمريكية إليها بنسبة 1.8% فقط في حين قفزت مبيعات الصين إلى الولايات المتحدة بنسبة 20%.
أسوأ من ذلك، ارتفع العجز العالمي في التجارة والخدمات من 481 بليون دولار في عام 2016 إلى 577 بليون دولار في عام 2019 والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى أن بعض صادرات الصين (المنتجة في الصين) تحولت ببساطة إلى بلدان أخرى وليس لمنتجي الولايات المتحدة.
فشلت اتفاقيات ترامب التجارية في تحقيق مراميها. فقد اختارت الإدارة الأمريكية «التجارة التي تديرها الدولة» بدلا عن تحقيق تغييرات في حواجز وقوانين الصين التجارية. لكن مع انقضاء ثلاثة أرباع هذا العام أوْفَت الصين بأقل من ثلث صفقة ترامب «الوهمية». إلى ذلك لم تشمل الصفقة 40% تقريبا من الصادرات الأمريكية. وفي الواقع هبطت مشتروات الصين من تلك السلع بحوالي 30%.
وكما كشف مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، تخلى ترامب عن العقوبات المفروضة على شركات التقنية الصينية عندما عرضت الصين العودة مجددا إلى شراء المنتجات الزراعية الحساسة سياسيا. حتى مع ذلك أجبرته نزاعاته التجارية على إنفاق 28 بليون دولار لتعويض المزارعين الأمريكيين. كما ألزم ترامب الأمريكيين بسداد «فاتورة ضرائب سنوية أعلى»ع لى مشتروات بقيمة 350 بليون دولار من الصين. وفي العام الماضي قدَّرت شركة موديز آناليتيكس أن حرب ترامب التجارية مع الصين ترتب عنها فقدان فرصة 300 ألف وظيفة جديدة في الولايات المتحدة.
خوف الإدارة الأمريكية من الصين دفعها إلى تقليد بكين وتقويض القوة الأمريكية الرئيسية والمتمثلة في أسواق عادلة ومبتكرة وتنافسية وخاضعة لحكم القانون. وتبعث الألاعيب التي أحاطت بتطبيق «تيك توك» برسالة إلى العالم فحواها أن ترامب يريد السيطرة السياسية على الشركات والاستثمارات بحيث ينبغي على الرؤساء التنفيذيين دفع مقابل سياسي للحصول على «نِعَم» البيت الأبيض.
ويخاطر سيل التهديدات التي يطلقها ترامب عن العقوبات وضوابط الصادرات وفحص الاستثمارات والقيام بالأعمال الاقتصادية في الخارج والتأشيرات وسلاسل الإمداد بإخفاء سياسة التهديد والوعيد وراء قناع مبررات الحفاظ على الأمن القومي. وهي تهديدات تتردد أصداؤها في تحذيرات المدعي العام ومكتب التحقيقات الفدرالي.
سياسات ترامب الأمنية تتلاءم مع تعثراته الاقتصادية. وعلاقته غير المستقرة مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون تؤكد افتتانه بالشكل على حساب المضمون. ترامب يعظِّم المستبدين الأقوياء ويزدري القادة الديمقراطيين. وهو يهدد بإنهاء تحالفاته مع كوريا الجنوبية واليابان ما لم يستجب هذان البلدان الحليفان لأهوائه. وهو يتعامل مع جنود أمريكا كمرتزقة للإيجار. ويحوِّل المخصصات الدفاعية لتمويل جداره الحدودي ضد المكسيك بدلا عن استثمارها في التقنيات والأسلحة الجديدة لحرمان الصين من مجالها البحري إذا نشب معها نزاع.
كما لا يستطيع ترامب إدراك الكيفية التي يمكن أن تعزز بها العلاقاتُ الاقتصادية الأمنَ. إنه يقلل من أهمية «شراكة عبر المحيط الهادي» التي كان في مقدورها تقوية الروابط الاقتصادية مع 11 بلدا صديقا وفي ذات الوقت دعم القواعد والضوابط الاقتصادية التي يتوجب على الصين احترامها. أيضا ترامب ليس لديه اهتمام بحقوق الإنسان. ويعتقد مرؤوسوه أن طرد الصحفيين وإغلاق قنصلية وفرض عقوبات على المسؤولين الصينيين يكشف عن قوة. لكن الولايات المتحدة تظهر بذلك خوفا وضعفا.
لا يمكن للصين منافسة جاذبية أمريكا كمجتمع مفتوح. الولايات المتحدة يمكنها أن تنجح في منافسة الصين التي تواجه مشاكل اقتصادية وسكانية وصحية وبيئية ضخمة. «فتنمُّر» الصين على الصعيد الدولي يتيح فرصا للدبلوماسية الماهرة وليس الخرقاء. فمثلا أفضل طريقة لتحدي تهديد الصين في هونج كونج ستكون فتح «باب الحرية» لشعبها.
القدرة التنافسية للولايات المتحدة تبدأ في الداخل. فهي عليها أن تكون مركزَ جذبٍ للناس والأفكار والابتكار والتجارة. وقضايا الجدل الداخلي في الولايات المتحدة مثلا حول حركتي «وأنا أيضا» و»حياة السود مهمة» تشعل جدلا على الصعيد الدولي. وحين تتغلب أمريكا الديمقراطية على المشاكل فإنها تضيء كالمنارة.
على الولايات المتحدة دفع الآخرين للانحياز إلى جانبنا بإبداء الاحترام والحث على السعي وراء المصالح المشتركة. ويجب ألا يعني شعار «أمريكا أولا» أمريكا لوحدها.
تريد البلدان في منطقة الإندو- باسيفيك (المحيطين الهندي والهادي) من الولايات المتحدة المنافسة مع الصين وليس التظاهر باحتوائها. وفي حين تعمل الصين داخل المنظمات الدولية لخدمة مصالحها الوطنية تسعى الولايات المتحدة إلى فك ارتباطها بها وأحيانا تبتعد عنها في ضيق وغضب. يجب أن تكون الولايات المتحدة قائدةَ العالم في الأمن البيولوجي ويشمل ذلك النموَّ الاقتصادي والسلامة البيئية والأمن السبيراني وخصوصية البيانات والفرصة الرقمية وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وتعزيز المجتمعات الحرة.
في مقدور تلك الأجندة إعادة بناء تحالف الأطلسي. ويمكن أن يشكل الجمع بين ثِقَل أمريكا وأوروبا قوة دافعة (حائط صدٍّ) ضد الصين.
لكن يوجد أيضا مجال للتعاون معها. لقد تخلى ترامب عن القتال وانسحب عنه من خلال (سياسة) فك الارتباط مع الصين وتبني التجارة المُدارَة من الدولة. لكن يجب أن تصر الولايات المتحدة على المعاملة بالمثل عبر قواعد وضوابط. مثلا تُصدِر محاكمُ الملكية الفكرية الجديدة في الصين أحكامها لصالح الأجانب في معظم الوقت. لكن العقوبات ضعيفة جدا.
الصين بحاجة إلى تعزيز التكاليف. وأفضل حل للنقل الإجباري للتكنولوجيا سيكون إنهاء المستلزمات الصينية للاستثمار المشترك. وسيتضح أن الشركات الصينية المملوكة للدولة هي الخاسرة اقتصاديا. لكن على باقي العالم الإصرار على قواعد الحياد التنافسي والمعززة بإجراءات انتقامية.

ترامب وأعوانه يطيلون الحديث عن حرب باردة جديدة. لكنهم يجهلون جهلا مريعا الكيفية التي نجحت بها الولايات المتحدة في الحرب الباردة (الأولى) وكيف أن الصين تختلف عن الاتحاد السوفييتي. لقد انساقوا وراء استراتيجية تقود إلى خسارة كلا الطرفين. يمكن للولايات المتحدة والصين إيذاء كل منهما الأخرى. لكن لأي هدف؟

  • الكاتب الممثل التجاري للولايات المتحدة ونائب وزير خارجيتها سابقا ومؤلف كتاب»أمريكا في العالم: تاريخ دبلوماسية الولايات المتحدة وسياستها الخارجية».