« المرأة العمانية شاعرة وروائية وقاصة » .. إصدارات غزيرة وخصائص فنية عالية وثورة على القوالب الشعرية وخطاب ثقافيّ واعٍ

د.عزيزة الطائية: المرأة العُمانية عرفت الشّعر، وتعاملت معه منذ عقود بعيدة


د. فوزية الفهدية: تمتلك الأعمال الروائيّة التي أنتجتها العمانيّة خصائص فنيّة عالية


مازن حبيب: الجيل الجديد استفاد من الثورة الرقمية وتجاوز الإشكاليات التحريرية والإجرائية

كتبت – بشاير السليمية

تحتفل المرأة العمانية اليوم، السابع عشر من أكتوبر “بيوم المرأة العمانية”، وتقديرا لإسهاماتها في الأدب سنخصص السطور القادمة للحديث عن هذه الإسهامات الأدبية في الشعر والرواية والقصة القصيرة، مسلطين الضوء على المسيرة الأدبية للمرأة العمانية، والخصائص التي تتميز بها الكتابة الإبداعية لدى المرأة العمانية في فروع الأدب الثلاثة آنفة الذكر.

إسهام المرأة العمانية في مسيرة الشعر

تعدّ الدكتورة والناقدة عزيزة الطائية دراسة عن شعر النثر في عمان، فسألناها حول تقييمها لإسهام المرأة العمانية في الشعر فقالت في حديثها الذي الذي عرجت ضمنه إلى: متى بدأت العمانيات نظم الشعر؟، الشاعرات قبل عصر النهضة وبعدها، خصائص النظم النسائي العماني في البدايات وبعدها.

متى بدأت المرأة بنظم الشعر؟

قالت الدكتورة عزيزة الطائية في حديثها عن البدايات: “إن الحديث عن إسهام المرأة العُمانية في الشّعر قضية جديرة بالالتفات. فإذا سلّمنا أن المرأة العُمانية عرفت الشّعر، وتعاملت معه منذ عقود بعيدة أدركنا أهمية هذا الطّرح؛ ناهيك عن الإرث الشّفوي الذي خلده العُمانيون، وإسهامات المرأة وتجلياتها الشّعرية في هدهدات الطّفل، وأغنيات الشاويات، ووترنيمات البدويات بين السهول والجبال، وأغنيات النّساء عند عودة البحارة واستقبالهم كل ذلك يحيلنا إلى نظم الشّعر النبطي والفصيح معا. علاوة على بعض الفنون كالمساجلة والميدان وغيرها من أنماط شعرية نظمت فيها الأمهات والجدات بلغة ثرية عميقة تارة، وبسيطة وسلسة تارة أخرى. أبرزت حضور المرأة في الشعر العُماني. مما أسهم في تطوير الأشكال الشّعرية، وبقيت في عمق الإنسانية فقد أطلقت أمهاتنا أصواتهن الشعرية لتحتفظ بها الأجيال، وصرنا كمجتمع عُماني نتداولها جيلا بعد آخر حنينا وعشقا وملاذا يعيدنا إلى إرث عظيم نتغنى به في حلنا وترحالنا، صباحنا ومسائنا. هذا الإرث الذي يحيلنا إلى إرثنا الشعري، ومخزونه الثقافي مما دعانا كنساء جيلا بعد آخر أن نتمثل هذا الإرث، ونسعى إلى تطويره لتأسيس مدونة شعرية عظيمة تسير مع نسق التطور الذي يسير فيه العالم أجمع من خلال تطور بنية الشعر النبطي فنيا، وتأسيس مسارات متنوعة للشعر بأنواعه البنائية: فنجد شعرا عموديا، وشعرا قائما على التفعيلة، وشعرا آخر تتأسس بنيته من أنواع السرد. ومع هذا الحراك الشعري عند النساء وما حملته طبيعة حياة الماضي وانعكاسها على الواقع المعيش من قسوة وشظف، أظهرت مجموعة ملامح تؤكد لنا أن مسيرة الكتابة النّسائية الشّعرية في عُمان كانت تعتمد على السّليقة والدليل ذلك الموروث الشّفاهي، وما به من مخزون ثقافي يروي لنا حياة أجدادنا الغابرة”.

الشاعرات قبل عصر النهضة وبعدها

وتشير الدكتورة عزيزة الطائية إلى أن: “الحديث عن الشاعرات قبل عصر النّهضة يحتاج إلى درس وتوثيق فهناك العديد من الشاعرات اللواتي لم يتركن لنا ديوانا شعريا وإنما قصائد متناثرة -هنا وهناك- وقد وثقت بعض أسمائهن في كتاب شقائق النّعمان للمؤرخ الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي أمثال: عائشة الحارثية، وحسينة الحبسية. ومع بزوغ فجر نهضة عُمان للأب الروحي لها جلالة السلطان قابوس بن سعيد –رحمه الله- بدأت المرأة العمانية مع مسيرتها التعليمية تلتفت إلى ضرورة حضورها القلمي والشّعري مع الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية فكان أول ديوان عام 1986، وما بين الدكتورة سعيدة وأسماء نسوية أخرى حاضرة اجتهدت في إبراز النّص العُماني حوالي عقد من الزمان، أذكر على سبيل المثال: هاشمية الموسوية، وتركية البوسعيدية، وفاطمة الشيدية، بدرية الوهيبية، ونورة البادية، وحصة البادية، وعائشة الفزارية، ونصرى العدوية، وذكريات الخابورية”.

خصائص النظم النسائي في عمان

وتضيف الدكتورة عزيزة الطائية: “من هذا يتضح لنا أن مسيرة النّظم النسائي لم تكن سهلة في البدايات، فهي لا تجرؤ التعبير عن ذاتها، أو الجهر بالخصوصية الأنثوية؛ إنها اللحظة الصّفر في الكتابة عند المرأة العُمانية. ومع بدايات تعلمها شرعت الشّاعرة في التعبير عن كل ما حولها (التفاصيل والأشياء) وحضورها وخصوصيتها النّوعية؛ فهي المرحلة الأقوى التي عبّرت فيها عن ذاتها ومعانتها. بحيث تمكّنت من الثّورة على القوالب الشعرية التي قد تقف أمام إبداعها. ونستطيع أن نقول إنها المرحلة الأقوى التي كتبت فيها المرأة في الألفية الجديدة، وبرزت أسماء متنوعة أخذت من القوالب الشعرية التقليدية والحديثة متكأ لإبراز قضاياها، بل الخروج عن السياق الثقافي (تاريخي ومجتمعي). كبدرية البدرية، وعائشة السيفية، وفتحية الصقرية، وشميسة النعمانية، وهلالة الحمدانية، ومريم المخينية، وريم اللواتية، وأمل السعيدية، وأميرة العامرية، فاطمة إحسان، وملك عبدالله والقائمة تطول. كما بزغت أسماء استطاعت المزج بين الشعر الفصيح والنبطي كبدرية البدرية، وميثا الغافرية، وهاجري البريكية، وسماح البلوشية. وهناك من أخلصت للشعر النبطي كمنال رعيدان، وشفيقة الجابرية، وليلى الكثيرية، ونجاة العوادية، وأصيلية السهيلية، وموزة الحراصية، وبدرية العريمية، وصالحة المخينية. وفيض هذه الأسماء بتنوع تجاربها الشعرية يدل على مسيرة النظم النسوي وتنوعه شكلا وفنية، وأن المرأة استطاعت التحليق في الحياة العامة، والتخلص من أشكال القمع المجتمعي من أجل إثبات الذات والدفاع عن حق مواطنتها.
لقد مرّ الشّعر النّسوي، كما مرّت المرأة وقضاياها بمراحل متعددة، متنامية ومطردة في الصعود والارتقاء نحو الإبداع والنظم، حيث تبدع بندّيّة، وتفوق دون خوف من الاسم والنسب والقبيلة والذكورة، وسلطة المجتمع ولم يثنها في هذا أيّ معوق حياتي عن ممارسة الإبداع والتعبير الفني والجمالي؛ فأسهمت في إثبات الذّات والدّفاع عن حقوقها الكاملة، والمساهمة الفعلية في تمنية المجتمع وتطويره بالتّخلص من كلّ أشكال ومظاهر التّمييز الجنسي والجسدي”.

المرأة العمانية والرواية

وفي الحديث عن إسهام المرأة العمانية في الرواية، سألنا هذه المرة الدكتورة الناقدة فوزية الفهدية عن تقييمها لإسهام المرأة العمانية في الرواية. فاستطردت حديثها بقولها: “دخلت المرأة العمانية مضمار الحياة العمليّة في عمان متسلّحة بالعلم وصقل مهاراتها التي تهيؤها لأن تكون الإنسان الفاعل في مجتمعها بل والمؤثّر فيه بقوّة. هذا الاهتمام الكبير بما وصلت إليه المرأة العمانيّة إنّما يقف وراءه قائد مختلف، وعين ترى المستقبل بوعي وبعد نظر، وعقليّة تدرك ما للعصر من مطالب استعدادا للمستقبل القادم، هذا القائد الذي تحالف مع شعبه وشاركه مهمّة البناء والإعمار، لم يبنِ القائد الأبنية والناطحات أوّلاً بل عمل على بناء الإنسان، وإكرام منزلته، ورعاية كرامته، والعماني يستحقّ ذلك بجدارة. كفل النظام الأساسي للدولة حقوقاً كثيرة للمرأة العمانيّة عل أساس أنّها مواطنة تحصل على الحقوق نفسها التي يحصل عليها الرجل؛ فالمادة السابعة عشرة من الباب الثالث للنظام الأساسيّ للدولة والمعنيّ بالحقوق والواجبات العامّة تنصّ على أنّ: “المواطنين جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامّة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللّون أو اللّغة أو الدّين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي.” .

الجماعات والمسابقات الأدبية ونقطة الانطلاقة

وتقول الدكتورة فوزية الفهدية في حديثها حول البدايات: “لا ينفصل إنتاج الأعمال الأدبيّة عن هذه الأدوار التي بدأت المرأة العُمانيّة في ممارستها، فهي المشارك الذي أضاف إليها، فبرزت العمانيّة في الكتابة الأدبيّة، وبدأ يظهر اسمها في تسعينيّات القرن الفارط حين بدأت زهرات من طالبات جامعة السلطان قابوس المشاركة في جماعات الأدب، والمسابقات الأدبيّة المحليّة والإقليميّة، ثم مارست دورها في الانضمام إلى المؤسّسات الثقافيّة في السلطنة والتي تظهر من خلالها هذا الجانب، وتغذّي بها توجّهاتها الثقافيّة والفكريّة بما يخدم تفوّق الكتابة الإبداعيّة لديها، فظهرت لدينا أسماء لعمانيات لامعات كتبن القصّة وما لبثن أن دخلن عالم الرواية بآفاقها الواسعة، فعرفنا: بدرية الشّحية، وعزيزة الطائية، وجوخة الحارثية، وبشرى خلفان، وشريفة التوبية، وزوينة الكلبانية وغيرهن ممن ما زالت تظهر لنا إبداعاتهن في هذا الجانب المهم من الكتابة الإبداعيّة”.

خصائص الأعمال الروائية التي أنتجتها الكاتبة العمانية

وحول خصائص هذه الأعمال تقول الدكتورة فوزية الفهدية: “تمتلك الأعمال الروائيّة التي أنتجتها العمانيّة خصائص فنيّة عالية، وتتّسم بخطاب ثقافيّ واعٍ يوظّف التراث الثقافي العماني بصورة تعرّف بدور المرأة العمانيّة ويكتب خصوصيّتها في التّعاطي مع الحياة وقضايا مجتمعها عبر تاريخ عطائها على الأرض، ويمارس دوره في نسج الخيوط الرمزيّة والأسطوريّة لذلك الإنسان الذي عاش على هذه الأرض القصيّة من شبه الجزيرة العربيّة”.

“مان بوكر” وتتويج الرواية العمانية

وأضافت: “يُعدّ فوز رواية سيّدات القمر للكاتبة الدكتورة جوخة الحارثية مؤخرا بجائزة المان بوكر انترناشيونال العالمية لعام ٢٠١٩ تتويجاً لهذا التميّز والإسهام الفاعل في مجال الرواية، فقد لفتت الأنظار إلى وجود أصوات روائية مبدعة يمتلكها العربي بصورة عامّة والعمانيّة على وجه الخصوص.
وإنّنا نسجّل في هذا المقام فخرنا واعتزازنا بهذا المنجَز الثقافي والفكريّ ونرجو للعمانيّة الماجدة مزيدا من العطاء والإنتاج في هذا الشأن (الرواية) الذي يُعدّ ديوان العرب والعالم في عالمنا المعاصر”.

الكاتبة العمانية وفن القصة القصيرة

ناقش الكاتب القاص مازن حبيب مسيرة القصة القصيرة العمانية في ورقة ألقاها في النادي الثقافي في مارس عام ٢٠١٨ بعنوان “ملامح بانورامية عن القصة القصيرة في عُمان، واستقينا منها بعض ما أورده حبيب فيما يخص تجارب القاصات العمانيات.
وقبل أن نخوض في تجاربهن نبدأ بمدخل حبيب عن القصة العمانية الذي قال فيه: “لا تختلف القصة في عُمان عن نظيرتها في أي مكان في العالم من هذه الناحية التي سبق ذكرها. ذلك أن رغبتها الحقيقية بأن يكون لها شأنها الخاص بها، وسؤالها الذي يُعبِّر عن هويتها وكيانها ليمثل انعكاساً لنبض كُتَّابها ورؤيتهم لمجتمعهم وتصوراتهم الفكرية. فهذه النظرة تجدُ مداها في التباين الكمي والنوعي للكتابات منذ الخمسينيات وإلى العقد الثاني من هذه الألفية الثالثة، أي خلال فترة سبعين عاماً”.
وكأمثلة من بعض التجارب القصصية ضمن المشهد العماني التفت حبيب إلى تجربة “سبأ” لخولة الظاهرية والصادرة عام ١٩٩٨، والتي أشار إلى أنه “بفوزها ونشرها ضمن منشورات أندية فتيات الشارقة وقتها قد لاقت قبولاً خليجيا وعربياً هاماً، بالإضافة إلى كونها المجموعة التأسيسية الأولى لكاتبة عُمانية من عُمر تجربة قصصية قصيرة عموماً في عُمان”.
وفيما طرحه حبيب عن التجارب القصصية في العقد الأول من الألفية الأولى أشار إلى أن “اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية عام 2006 شكل مرحلة هامة في ثقافة النشر الكتابي في عُمان. وانعكست تلك الحماسة على قصاصي هذا العقد (ومن سبقهم حتى ممن كانوا يكتبون وينشرون، لكن لم يصدروا)، من خلال تمكينهم وتشجيعهم على تجاوز تردد الإصدار الأول و تخطي صعوبته الفنية والنفسية ما أنتج عن نشر ما يقارب العشرين مجموعة قصصية، وإن لم تكن كلمها ضمن منشورات التراث والثقافة، لكنها أسست الحالة النوعية الضرورية للحضور القصصي في عُمان ورسخت معيارًا جديداً لما يمكن أن يتوقعه القارئ كماً ونوعاً من كتابه”. ملتفتا إلى تجربة الكاتبة هدى حمد التي “بدأت قاصة في ثلاث مجموعات، اهتَّمت بتجربتها الروائية في ثلاث روايات أيضاً”.
وعن القاصين الذين اشتركوا في أنهم أصدروا بشكل أبرز في هذا العقد -منوّها إلى أنهم ليسوا بالضرورة من ذات الجيل-، ذكر منهن: بشرى خلفان، وجوخة الحارثية، ورحمة المغيزوية، وزوينة خلفان، وحنان المنذرية.
أما عن تجارب العقد الثاني من الألفية الثالثة رأى حبيب ضرورة التريث في توصيفها، مع إشارته إلى استفادة هذا الجيل من الثورة الرقمية وتجاوزه الإشكاليات التحريرية والإجرائية التي واجهت جل الأجيال التي سبقته والتي كان يتزامن نشر أعمالها في الدوريات والملاحق الثقافية مع إصدارات الكتب الورقية والمشاركة في اللقاءات المختلفة، وأشار إلى بعض من قاصي هذا الجيل، مشيرا إلى أن التراكم الكتابي لديهم خوّلهم إلى إصدار مجموعاتهم القصصية الأولى، ومنهم الكاتبة نوف السعيدية “من بين آخرين غيرهم، سينبغي قراءة أعمالهم بتأمل في سياقهم الزمني والفني”