نوافذ: الـ “كمامة”

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

أجزم إلى حد كبير؛ أن لفظ “كمامة” لم يكن متداولا كثيرا بين أوساط العامة إلى عهد قريب، وربما، يجهل معناها الكثيرون أيضا، كما لم يشع ارتداؤها إلا في أوساط بيئات عمل خاصة جدا، كالوسط الصحي، وبعض الصناعات التي لها تأثيرات جانبية على صحة العاملين، وكذلك من يكون حاضرا في مواسم الحج، قد يشاهد الكثيرين يتكممون لوقاية أنفسهم من كثير من التلوث الذي تحدثه المجموعات الغفيرة ممن يحضر مواسم الحج، أما غير ذلك فيكاد لبس الكمام نادر جدا، وهو غير حاضر لدى الذاكرة الجمعية بالصورة المتوقعة.
تأتي جائحة (كرونا – كوفيد19) اليوم لتؤصل كل ما يتعلق بـ “الكمامة” لباسا ومعنى، وتؤسس مفهوما جديدا لأهمية هذه الأداة في حاضر الناس وواقعهم، إلى درجة اعتمادها مكونا مهما من مكونات اللباس في اليوم، وارتقاء اختياراتها، وتصنيعها كأي قطعة ملبس نقر أهميته طوال يومنا، ووصل الأمر لأن تطعم برسم أعلام الدول، وبالعلامات التجارية للشركات، وبعض المنتوجات أيضا، بل تجاوز الأمر أبعد من ذلك عندما قُيّمت الـ “كمامة”وأصبح لها تشريعا ولو مؤقتا ينزلها منزلة تحديد عقوبة ما، لمن لا يرتديها، متجاوزة بذلك أي قطعة ملبس لأي فرد، ذكرا كان أو أنثى، وبشمولية طاغية تتقصى كل بلدان العالم بلا استثناء، فمن كان يدور بخلده، أن قطعة صغيرة من القماش تحظى بكل هذا الاهتمام، وينظر إليها بعين الرقيب والمراقب، وتنزل هذه المنزلة المباركة عند كل الشعوب؟
عندما رجعت إلى مجموعة من معاجم اللغة، عن طريق المعلم “جوجل” وجدت أن لـ “الكمامة” معاني كثيرة؛ منها الستر، والغطاء، والغلاف، وقد تذهب إلى معان أخرى جانبية مثل ما يقال: “ورجل كَمْكام: غليظ كثير اللحم. وامرأَة كَمْكامةٌ ومُتَكمكِمة: غليظة كثيرة اللحم”، وفي جمعها يقال: أكمة، وأكمام، وأكاميم”.
هذا الواقع اليوم لحاضر الـ “كمامة” تؤرخه مقاربات ليست حديثة، وهي ماثلة على ألسنة الناس منذ زمن بعيد، وإن كانت صورة الـ “كمامة” التي نلبسها اليوم ليست حاضرة بذلك التجسيد التي تسللت منه مجموعة من المقاربات منذ ذلك التاريخ البعيد، فـ “تكميم الأفواه” وهو عدم القول، هو مصطلح سياسي بالدرجة الأولى، ليس غريبا على الذاكرة الجمعية، فممارساتها حاضرة، وقوية، وفاعلة، وتمارسه الأنظمة القمعية على نطاق واسع، كما يمارسه الفرد صاحب أية سلطة، سواء سلطة إدارية، أو سلطة جهوية، أو سلطة أبوية، ويأتي استعمالا؛ بصورة كثيرة؛ “كم القميص” وهو مدخل اليد ومخرجها، ومحيطها الرصين الذي لا يتيح فراغات يمكن النفاذ منها إلى داخل الجسم، وقد توظف الصورة هنا في كثير من الاستعمالات الحياتية، فالمداخل والمخارج تحتمل الكثير من الدلالات والمعاني، والتوظيفات وهي المستوحاة من “كم القميص” سواء في الجوانب الآمنة للممارسات، أو في جانب التوظيف السلبي لهذه الممارسات، وتسترسل المعاني المنبثقة من الـ “كمامة” إلى جانب كتم الأسرار، والحفاظ على خصوصيات الناس، وإلى وضع حدود سواء للقول، أو للفعل، عند مستويات معينة فقط، بحيث لا يسمح بعدها بتجاوزها، خوفا لاستجلاب الضرر، أو تقليلا من معززات الأمان، فما بعد الكمامة، يجب أن تبقى منطقة لـ “الظل” لا يصح النفاذ إليها.
ومما قرأته في هذه المقاربات أيضا؛ من خلال صفحة الـ “واتس أب” النص التالي: “تزوجها فلم يتفق، سألوه: ما السبب؟ قال لا أتكلم عن عرضي، طلقها فسألوه: ما السبب ؟ قال: لا أتكلم عن امرأة خرجت من ذمتي”.
في حياتنا الكثير من المقاربات والدلالات المرتبطة بالأشياء التي نتعامل معها، ونوظفها، وإذا كانت الـ “كمامة” واحدة من التي جرَّت كل هذه المعاني والدلالات، فإن للغتنا العربية الرائعة الكثير الذي لا يحصى منها، فقط لو نتوقف قليلا، ونعيش جمالياتها الرائعة.