الــغـضــب.. وخــطــورتـه عــلــى الــفــرد والمجــتـمــع

شيطان المشاعر –
يحيى بن سالم الهاشلي –

«الغضب يعد أحد أسباب ارتكاب الجرائم المتعلقة بالتعدي على الغير كالسب والاقتتال بل قد تصل إلى إزهاق الأرواح، وتقع هذه الجرائم في كثير من الأحيان لأسباب تافهة ولكن الغضب يصل بها لنتائج كارثية كحال بعض قائدي المركبات الذين يسيطر عليهم الغضب لمجرد تجاوز مركبة له فيصل به الغضب والعناد لوقوع حوادث مميتة، كما أن الغضب سبب رئيس لكثير من المشاكل الأسرية كحالات الطلاق وعقوق الوالدين وغيرها من المشاكل الأسرية، إذ يكون الغضب والنزاع هو السائد في جو الأسرة فيطغى على باقي المشاعر من محبة بين الأزواج والحنان والرأفة بين الآباء والأبناء».

تتعدد الانفعالات النفسية التي يعبّر بها الإنسان عن مكنونات نفسه، فالفرح والضحك والتبسم تعبّر عن المشاعر الإيجابية، كما أن الحزن والبكاء والضيق من المشاعر السلبية النفسية، ولقد جاء التوجيه الرباني للعباد بضبط انفعالاتهم النفسية على كل حال فلا إفراط ولا تفريط فقال تعالى: (إِنَّ الإِنسَـانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعا، وَإِذَا مَسَّهُ الخَیرُ مَنُوعًا)، فالإسلام جاء بالوسطية والاعتدال في كل جوانب الحياة، فلا تخرج حال الفرح الإنسان إلى فعل المنكرات بدعوى الاحتفال بفرحه، كما لا يوقعه الحزن في القنوط وإيذاء النفس.
ويعد الغضب من أخطر الانفعالات النفسية التي تصدر عن الإنسان، وليس من المبالغة لو اصطلحنا عليه أنه شيطان المشاعر، إذ الغضب عند حصوله يطغى على باقي المشاعر، وقد تصل حدته فيزيل بصيرة المرء وعقله فلا يدري ما يصدر عنه من قول وفعل، وكغيره من الانفعالات النفسية حرص الإسلام على تقويمه وتهذيبه، فتعامل الإسلام مع الغضب كطبيعة فطرية في الإنسان فسعى لتهذيبه بما يكون فيه الصلاح ودرء المفاسد، بل نجد أن الشرع قد قسم الغضب إلى محمود ومذموم، والتفرقة بين الغضب المحمود والمذموم بما يؤول إليه من نتائج، فالغضب المحمود هو ما ينتج عنه الصلاح والإصلاح، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يغضب لنفسه بل يغضب لله، إذ قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل))، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحوّل طاقة الغضب إلى ما فيه الخير والصلاح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المواقف التي تستدعي ذلك، وغضبه صلى الله عليه وسلم يكون علامة على عظم الحدث الذي أغضبه، وهنا نوضح نقطة مهمة أن غضب النبي صلى الله عليه وسلم ما كان هياجا وصرعا يفقده عقله واتزانه بل كان لا يتعدى أن يكون عتابًا وإظهار كرهه للفعل أو القول الذي أغضبه، فلا يصدر منه مستهجنا من قول أو فعل، وكل ذلك إنما هو الغضب لله ومحارمه، أما إن كان الأمر يخص النبي صلى الله عليه وسلم في شخصه كوقوع خطأ عليه من أحد من الناس فقد كان يسبق حلمه غضبه ولا يزيده زيادة الخطأ عليه إلا حلمًا وهذا مشهور عنه، بل كان ذلك علامة من علامات نبوته كما روي من أمر الحبر اليهودي زيد بن سنعة الذي اختبر حلم النبي صلى الله عليه وسلم ليتثبت من نبوته، وغيرها الكثير من الوقائع الدالة على حلمه، فالمسلم لو كان غضبه كمثل حال غضب النبي صلى الله عليه وسلم في حال انتهاك محارم الله ووجه طاقة الغضب للإصلاح وفق ضوابط الشرع كان هذا الغضب محمودا منه.
أما الغضب المذموم وهو أكثر ما يقع من الناس هو ما تترتب عليه مضار بدنية ونفسية ومفاسد اجتماعية، وواقع الناس شاهد على ذلك، فكثير من الناس كان الغضب سببا في إصابتهم بأمراض عضوية ونفسية سببها حالات الحدة والهيجان التي ترافق الغضب الذي يتلف البدن ويتعب النفس، يذكر منها الأطباء ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والإجهاد العصبي والأرق والقلق، إذ تستجيب لانفعال الغضب أعضاء الجسم بردات فعل قوية إذ طبيعة الجسم تستجيب لدواعي الخطر بالتحفز لمساعدة الشخص للنجاة مما هو واقع فيه، وعند تكرر هذا الأمر كثيرا في الشخص الغضوب الذي يغضب من كل شيء ولأي شيء ينهك صحته البدنية والنفسية.
كما أن الغضب يعد أحد أسباب ارتكاب الجرائم المتعلقة بالتعد ي على الغير كالسب والاقتتال بل قد تصل إلى إزهاق الأرواح، وتقع هذه الجرائم في كثير من الأحيان لأسباب تافهة ولكن الغضب يصل بها لنتائج كارثية كحال بعض قائدي المركبات الذين يسيطر عليهم الغضب لمجرد تجاوز مركبة له فيصل به الغضب والعناد لوقوع حوادث مميتة، كما أن الغضب سبب رئيس لكثير من المشاكل الأسرية كحالات الطلاق وعقوق الوالدين وغيرها من المشاكل الأسرية، إذ يكون الغضب والنزاع هو السائد في جو الأسرة فيطغى على باقي المشاعر من محبة بين الأزواج والحنان والرأفة بين الآباء والأبناء، فتبدأ المشاكل بينهم لأتفه الأسباب وتصل إلى تفكك الأسر فيقع الطلاق لنقصان رشة ملح في الطعام أو زيادتها وغيرها من التوافه، وكذلك الحال في العلاقات المجتمعية بين الجيران وأهل الحي الواحد قد تقع خصومات بسيطة بينهم يصل بها بتملك الغضب بأطرافها لمآلات قبيحة، فكم من جيران بسبب عراك أبنائهم في اللعب تخاصموا وتدابروا وقد يقتتل كبارهم عندما يتملكهم شيطان الغضب، وهناك الكثير والكثير من المفاسد التي يسببها الغضب، فكيف عالج الإسلام الغضب؟
ينطلق الإسلام في علاجه للغضب بداية إلى علاج مسبباته، ففي كتاب الله نجد توجيهًا ربانيًا للعباد إلى قطع كل ما يؤدي إلى وقوع النزاع والشقاق بينهم فقال سبحانه: (وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا الَّتِی هِیَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّیطَـانَ یَنزَغُ بَینَهُما إِنَّ الشَّیطَـانَ كَانَ لِلانسَـانِ عَدُوّا مُّبِینا)، فالمسبب الأول لكل نزاع وشقاق وما ينتج عنه من غضب وشحناء هو ما بكون من جفاء في القول وغلظة فيه، فإن الكلام إما أن يكون مفتاحًا للخير وجالبًا للألفة والسلام أو مفتاحًا للشر وجالبًا للشر والخصام، لذا نجد التوجيه النبوي يرشد إلى حسن اللقاء بالغير ولو بالابتسامة فجاء في الحديث: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق)، بل جعل ذلك في باب أعمال البر إذ ورد: (تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة)، كما أرشد الإسلام إلى أن كظم الغيظ وعدم الغضب والعفو عن الخطأ من الفضائل التي تصل بصاحبها لدرجة الإحسان وأنها من سبيل المسارعة لثواب الله العظيم، فقال سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغفِرَة مِّن رَّبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَـوَ اتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِینَ، الَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَـاظِمِینَ الغَیظَ وَالعَافِینَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ یُحِبُّ المُحسِنِینَ)، فمن هنا يوجه الإسلام الأفراد إلى تهذيب نفوسهم بالحلم والعفو وألا يتركوها فريسة لهوى الغضب وشيطانه، فالغضب طبيعة بشرية ولكن ينبغي للإنسان أن يهذبه وألا يجعله مسيطرا عليه، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ليس الشَّديد بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغَضَب))، وكان كثيرا ما يوصي أصحابه بالابتعاد عن الغضب كفضيلة وعمل بر يفضي لثواب الله، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله، دلَّني على عمل يدخلني الجنَّة. قال: لا تغضب))، كما ورد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:((يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغضب))، وورد كذلك أنَّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني قال: ((لا تغضب، فردد مرارًا، قال: لا تغضب)).
كما سلك الإسلام في علاج الغضب -إضافة لما تقدم- بأمور نفسية وبدنية يقوم بها المرء حال وقوعه في الغضب، إذ الغضب كانفعال نفسي لا بد أن يقع من الإنسان، والناس ليسوا سواء في تحكمهم بأفعالهم ويأتي التحكم بالغضب بعد مجاهدة وصبر، لذلك كان لا بد من وجود وسائل تعين الشخص على تدارك غضبه وإطفاء شرارته، فمنها ابتداء طلب العون من الله والتعوذ به من شر الشيطان الذي قد يكون من الوسواس الداخلي أو الخارجي بقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد روى سليمان بن صرد أنه استبَّ رجلان عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسبُّ صاحبه مغضبًا قد احمرَّ وجهه، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنِّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقالوا للرَّجل: ألا تسمع ما يقول النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون))، فالتعوذ بالله هنا يقع في النفس بتذكيرها بالله تعالى وطلب العون منه بحفظ النفس من الانزلاق في هوة الغضب وما ينتج عن ذلك من شر وضرر قد يلحقه بنفسه وغيره، وإلى جانب هذا الأمر المعنوي يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفعال ظاهرية يقوم بها الإنسان تعيد إليه اتزانه وتسكن ثورة غضبه، فورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع))، كما ورد عنه: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)، فهذه الأفعال الظاهرية تعين الإنسان على الخروج من حال الغضب وتسكن من ثوران نفسه وتعيد إليه بصيرته فلا يقع فريسة للغضب وما قد ينتج من مفاسد عند غيابها.