لـمـاذا نعـيـد خلافـات الـمـاضـي وجـراحـاتـه؟

عبد الله العليان –

منذ عدة أسابيع تحدث الرئيس الفرنسي ماكرون في أحد خطبه في باريس وقال: «إن الإسلام يمر بأزمة في كل مكان في العالم الآن». وفي الشهر المنصرم، أثناء زيارته للبنان، بعد قضية التفجيرات في ميناء بيروت، رد فيه على سؤال عن إعادة الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم) من مجلة «شارلي الفرنسية»، التي أثارت ضجة كبيرة واسعة، عندما نشرت هذه الرسوم في المرة الأولى منذ عدة سنوات، فقال الرئيس ماكرون: «إن الناس في فرنسا لهم الحق في التجديف»!.

وأثارت هذه العبارات في الأوساط الدينية والفكرية العربية والإسلامية، استغرابًا من أن الرئيس الفرنسي ينساق إلى هذه السياسة التي لا تجلب للشعوب والثقافات، إلا التوتر والاستفزاز، وإعادة مخلفات القرون الماضية في الصراع الذي تحدث عنه منذ عدة عقود البروفيسور الأمريكي صاموئيل هنتنغتون في أطروحته الشهيرة في (صدام الحضارات)، فماذا تستفيد الرئاسة الفرنسية من إثارة الخلاف والسجالات السياسية والفكرية بين الإسلام والغرب؟ التي كان الافتراض العقلاني والرؤية السياسية الحصيفة، أن تبتعد عنها النخب السياسية على وجه الخصوص؛ لأن الإساءة للأديان والرموز الدينية، سواء للمسلمين أو غيرهم من الأديان، خطأ وخطر، لأنها تثير العداوات التي مرت قبل قرون بظروفها وإشكالياتها، واستعادتها مرة أخرى لا شك أنها سلبية ومرفوضة.
والأغرب أن الرئيس ماكرون خص الإسلام كديانة، وهذا أمر لافت وغريب، أن يتم اتهام ديانة عالمية، يتبعها عشرات الملايين في فرنسا، وفي كل دول أوروبا ويحملون جنسيتها، بل الإسلام يعتبر الديانة الثانية في كل أوروبا الغربية، مع أغلب دول أوروبا الشرقية «بأنه يعيش في أزمة»، وهذه الإشارة الموجه للإسلام، أثارت الاستغراب وعلامات الاستفهام، وكان ممكناً أن يقول الرئيس الفرنسي، بعض المسلمين أو أن المتطرفين يعيشوا في أزمة، لكان الأمر مقبولاً، مع أن التطرف والتشدد والتشدد، تعيشه أمم كثيرة في هذا العالم، ولا يقتصر على المسلمين وحدهم.
والإشكال في أن ما قاله الرئيس الفرنسي عن حق الناس في التجديف، أنها ضمن حرية الصحافة في أن تفعل ما تريده، وهذه هي الحرية ! طيب: لماذا لم تشمل هذه الحرية في التجديف، فيما كتبه المفكر المسلم رجاء جاوردي؟ الذي حوكم بتهمة التشكيك في محرقة اليهود في ألمانيا في ظل النظام النازي، بعد نشره كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية)، وهذا يعتبر ازدواجية في المعايير في مسألة الحريات التي يجب أن تكون عامة، دون تمييز، ولا تقتصر على ثقافة بعينها، ويتم حجب بعضها، وهذه تعني أن هناك نظرة أخرى مسبقة تجاه الآخر المختلف.
لكن البعض يرى أن هذه التصريحات من الرئيس الفرنسي، هدفها استجلاب أصوات اليمين الفرنسي، ومحاولة دغدغة مشاعر هذه الكتلة السياسية في الانتخابات المقبلة، لكن السؤال لماذا يحصل هذا من النخبة السياسية الكبيرة؟ من خلال إثارة الكراهية والتوتر في المجتمع الفرنسي الذي يعتبر متعدد الثقافات والهويات الفكرية والسياسية.
والملاحظ أن فرنسا أكثر دول أوروبا توترًا تجاه المسلمين الفرنسيين، أو المهاجرين منهم، وهذه الحملات التي يحمل لواءها اليمين المتطرف، وبعض الأوساط السياسية المقربة منه، وتتوجس من انتشار الإسلام. وهذا ما جعل بعض النخب تتحدث عن مخالفة العلمانية، أو عدم الاندماج في الثقافة الفرنسية الخ: والبعض الآخر يرى أن الظروف الاقتصادية، جعلت الأزمات تزداد، وهذا ما جعل البعض يحمّل المهاجرين من العرب والمسلمين، منافسة الفرنسيين في الوظائف بفرنسا، لكن هذا الرأي ليس هو السبب الأهم في التوتر وإثارة الكراهية من اليمين خاصة، بل أن العلمانية الفرنسية أكثر تشددًا، وليست متسامحة كثيراً عند الاختلاف مع العلمانية وليست القوانين والأنظمة، ولها رؤية مختلفة عن العلمانية في أمريكا وبريطانيا وأغلب دول أوروبا التي تعتبر العلمانية أكثر تسامحًا واقترابًا من الدين، ونتذكر ما قاله الأمير تشارلز قبل سنوات في إحدى محاضراته عن تقديره للإسلام ودوره الفكري والقيمي، فيقول انه «يتعلم من الإسلام مضامين القيم الثقافية التي حافظ عليها» ومما قاله الأمير في هذه المحاضرة: «إن الثقافة الإسلامية جاهدت للحفاظ على الرؤية الصحيحة المتكاملة للعالم، وعلى نحو افتقدناه نحن خلال الأجيال السابقة في الغرب. وهناك الكثير مما يمكن لنا أن نتعلمه من رؤية العالم الإسلامي في هذا المضمار. وهناك طرق شتى لبناء صرح الفهم والتقدير المتبادل، ولعلنا نستطيع على سبيل المثال أن نبدأ بزيادة عدد المعلمين المسلمين في المدارس البريطانية. إننا نحتاج إلى أن يعلمنا معلمون مسلمون: كيف نتعلم بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا».
وهذا الرأي الإيجابي والمنصف، تجاه الإسلام والمسلمين، هو الذي خفف الكثير من التوتر والاحتقان في المملكة المتحدة، وفي غيرها من الدول الغربية، وهذا بلا شك يسهم في التقارب والتفاهم بين الثقافات، بدلاً من التوجس والاحتقان.
وللأسف أن التوجس حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، حتى لا يقال إنها ردت فعل على هذه الأحداث من بعض المتطرفين من الجانبين، فالمواقف لم تتغير للأسف في واقعنا المعاصر في النظرة للإسلام والمسلمين وردات الفعل من بعض المسلمين المتطرفين التي يرفضها الإسلام، لكن الإشكالية في اتهام هذا الدين بأنه يدعو إلى العنف والتطرف والإرهاب، أو أنه يظلم حقوق المرأة إلى آخر قائمة الاتهامات التي بلا شك أسهمت الأقلام المعادية للإسلام، وكذلك الاستشراق قبل ذلك في تغذية هذه الأفكار والتهم.. إلخ.
قد يقول البعض: إن التراكمات الفكرية النفسية التي أوجدها بعض المستشرقين واليهود أسهمت في ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ. لكن القضية ليست بهذا التبسيط المخل، بل إن هناك مؤثرات قديمة، لا تكف عن الادعاء بالخطر الحضاري الإسلامي منذ منتصف هذا القرن، وحتى الآن وقتنا الراهن. ففي عام 1952 قال دبلوماسي فرنسي: «ليست الشيوعية خطرًا فيما يبدو لي، فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة. وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي وعسكري فقط، ولكنه ليس خطرًا حضاريًا تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديدًا مباشرًا وعنيفًا هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي. فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة. فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد من دون حاجة إلى الاستغراب، أي من دون حاجة إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية العربية».
ولا شك أن ثمة اختلافات دينية وفكرية قائمة، وهذه من سنن الحياة في اختلاف بين الديانات والثقافات، وإنما لا بد من الاعتراف بهذا الاختلاف، في إطار ما هو واقع، لكن تبقى المشتركات في التعاون والتفاعل، ومن هذه المنطقات، لابد من التقارب بما تتطلبه المعايير العادلة بين الحضارات الإنسانية، دون استدعاء التاريخ، وأرشيف الذكريات الأليمة التي مضت، وبدون توظيف المقولات المتبادلة في أزمان مختلفة، إذا ما أردنا لصعوبات الحوار أن تتلاشى بالصيغة المقبولة والإيجابية من كل الأطراف المتحاورة، شريطة أن يكون الغرب منصفًا للعرب والمسلمين، ولا يتهموا بالإرهاب بصورة تعميمية ومستفزة في الوقت الذي تنعت أعمال أخرى، بأنها دفاع عن النفس، وهى أو غيرها من التبريرات غير المنطقية، فالتوجس ليس له مبررات تذكر، إذا ما قسنا بالتقارب والتفاعل الذي يقدمه العدد الأكبر من المواطنين العرب والمسلمين في الغرب ومن فرنسا بالأخص، ولذلك من المهم أن يكون الاقتراب أكثر من هذه الجاليات أو الأقليات المسلمة، حتى يمكن إبعاد التوجس والإسلاموفوبيا التي بدأت تطل برأسها في الغرب، وبعضها نتيجة استفزاز ودعوات للكراهية، وساهم اللوبي الصهيوني -كما أشرنا آنفًا- في تغذيتها لأهداف لا تخفى على المتابع الحصيف..
لكن الحوار والاقتراب من هؤلاء ضرورة سياسية وفكرية، بهدف إزالة الكثير من الأفكار العالقة في أذهان البعض من المتوجسين ومن أصحاب الأفكار المسبقة.