بيروت التي في القلب

إميل أمين كاتب مصري –

تبقى بيروت «ست الدنيا» مالئة قلوب العرب وشاغلة عقولهم، ولهذا كانت موجة التعاطف الإنساني والوجداني من المصريين نخبة وعواما، مع الانفجار الذي ضرب مرفأ بيروت قبل أزيد من شهرين تقريبا غير مسبوقة، سواء من حيث الشكل أو الموضوع.
والشاهد أنه حين تضاء أهرام مصر الخالدة بعلم لبنان الساكن القلوب، فإن المشهد يعبر عن عمق تلك العلاقة التي بدأت باكرا جدا، ومنذ عصور التنوير والحداثة العربية في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، والمساهمات الكبيرة في كافة مجالات الحياة المصرية من قبل اللبنانيين الذين أسهموا بمساهمات خلاقة في تشكيل البنية الحداثية لمصر المحروسة.
حين نقول إن الانفجار كان «أبوكاليبسي» الطابع، فإن ذلك يعني أمرًا مؤكدا، وهو «كشف الحجاب» أو «الرؤية» في اللغة العربية، وعليه فإنه إذا كان قد كشف عن ما كان غائبًا أو مخفيًا أو مستترًا عن عيون اللبنانيين، فإنه في جانبه الإيجابي والخلاق، قد أوضح ما كان قائما في قلوب وعقول العرب من محبات لبيروت الرمز، وللبيروتيين خاصة، ولعموم اللبنانيين خاصة، من محبات راسخة.
ما جرى في الشارع المصري حقا جهة بيروت مثير، فقد كان الشباب ربما أكثر من الشيوخ تعاطفا بل وثورة تجاه من تسبب في هذا الأذى الكبير للبنان ومرفأه، على الرغم من أن هذه الأجيال الصغيرة عمرا، حكمًا لم تعش سنوات الازدهار والتعاون الفني والثقافي، كما كان حظ أبناء منتصف القرن العشرين، وقبل أن تحاول الأيادي الشريرة اختطاف الأرز من أهلها.
لماذا بقي لبنان في القلب أبدًا ودومًا من مصر والمصريين على هذا النحو الذي تجلى في ردات فعل أبناء الكنانة شبابًا وشيبًا مسيحيين ومسلمين، أغنياء وفقراء؟
باختصار غير مخل، لأنه كان عبر عقود طوال رمزًا للحضارة العربية في طبعتها المنقحة والمصححة، بلد التجانس والتناغم، بين كافة الملل والنحل، الطوائف والأعراق، المنفتح مبكرًا على أوروبا والمنافح والملاقح لثقافة الغرب، من دون إحساس بالدونية أو النقص.
صدّر لبنان للعالم العربي القومية العربية، بهدف إنهاء أزمة الانتداب الأوروبي.
عرف العالم بيروت المتألمة اليوم، مثالًا للحداثة في خمسينات وستينات حتى أوائل سبعينات القرن العشرين، من غير أن يقتضي ذلك تخليها عن أصالتها وتراثها العروبي، فمثلت عن حق سويسرا الشرق، وحفرت بآدابها وفنونها، بمسارحها وجامعاتها أمكنة في قلوب العرب، والمصريون في المقدمة منهم.
قصة اللبنانيين في مصر، قصة ذات مذاق عالٍ وغالٍ، من الرقي والأناقة الفكرية، من التأصيل لمساقات تقدمية على طريق تحرير الإنسان العربي والمصري عبر كافة دروب النهضة.
يدرك المصريون وبقناعة كبيرة، أن معظم إن لم يكن كل اللبنانيين الذين أقاموا بمصر ردحا طويلا من الزمن، إنما كانوا من المتعلمين تعليما عاليا، والمثقفين ثقافة عضوية متميزة، وقد ساهمت الجاليات اللبنانية في رفاه مصر الثقافي والمالي خاصة خلال عهد أسرة محمد علي والتي انتهت بثورة 23 يوليو 1952.
عرف المصريون لا سيما المثقفون منهم بيروت من خلال إشعار جبران، وكتابات مطران، وهاموا عشقا بها من خلال كلمات الرحباني وأغاني فيروز، ورسخ في قلوبهم إنتاجها الأدبي، ووجدوا في صحافتها مساقا رحبا، لا سيما حين انسدت بهم مسارات الحريات الصحفية في فترات بعينها، فكانت بيروت الملجأ والحاضنة للكثير من الأقلام المصرية التي تعرضت للقصف والعسف، ولهذا بقت بيروت المدينة الساكنة أسوار المخيال العربي، على حد تعبير المفكر الراحل الكبير محمد اركون، لا سيما وأنها لم تغب يوما عن الذاكرة عبر مقاهيها ومسارحها، شوارعها وأزقتها، جبالها ودروبها، سهلها ووعرها، وباختصار غير مخل كانت بيروت ولا تزال حالة وليس مدينة، حالة من التمثل الجمالي والنسق الابداعي لكل ما هو حديث ومثير، شيق وفتان بشرا وحجرا.
حين وصف الراحل «سمير قصير» بيروت بأنها «جمهورية الآداب العربية»، فإنه لم يكن يغالي، ولعل هذا هو الإرث الغالي الذي بقى على الرغم من الخسائر الجمة التي أحدثها الانفجار الشائن في بنيتها العمرانية، إذ إن هناك ما لا يمكن أن يمحى من القلوب والعقول والصدور، إنه ذكرى عباقرة لبنان، الذين حفروا أسماءهم في ذاكرة المصريين والعرب عموما.
أفضل تعبير يمكن أن يقال عن العلاقات الثقافية المصرية اللبنانية، أنها كانت ولا تزال علاقات تنافسية تكاملية في الوقت ذاته، صبت في نهاية الأمر في رافد الحضارة العربية، وشكلت أساس النهضة العربية الفنية والثقافية الحديثة.
يذكر المصريون بكل الخير هذه الفتاة الصغيرة ذات الظروف الاجتماعية الصعبة، والتي سيقدر لها لاحقًا أن تكون ركيزة من ركائز الصحافة المصرية، فاطمة اليوسف، أو روز اليوسف، وأن تنسى جماعة المثقفين المصريين عبر أحداث التاريخ شخوصًا أدبية لبنانية بعينها، فإنها لا تسقط أبدا من أوراقها الأديبة اللبنانية الرائعة «مي زيادة»، وصالونها الأدبي الشهير، وعشق العقاد لها، وقصائده التي بث فيها غرامه إليها.
الحفر عميقا وفي جذور التاريخ يكشف لنا أن العلاقات المصرية-اللبنانية أقدم كثيرا جدا مما يخيل للناظر المعاصر، فهي أنموذج للتفاعل الإيجابي من اتجاهين، وهذا ما تسجله الرسائل المكتوبة على جدران معابد تل العمارنة، في محافظة المنيا، جنوب القاهرة في صعيد مصر، فقد حفرت سطور عن علاقة المصريين القدماء أو الفراعنة مع الفينيقيين وتحديدا مع القاطنين مدينة جبيل والعلاقات التجارية التي ظلت قائمة على مدى قرون طويلة، حيث كانت مصر تحصل على خشب الأرز، بينما كانت تحصل لبنان من مصر على كتان أخميم المغزول الذي لم يكن يضاهيه نسيج في العالم.
كتابات الشباب المصري على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بعد الانفجار الحزين، فاجأت الجميع، وأدهشت المراقب الذي خيل له أن لبنان لم يعد مقصدا سياحيا بمذاق أدبي لأجيال حديثة، فقد حكى الكثير منهم حكايات تهيم عشقا بمدن لبنان من بنت جبيل، مرورا ببعلبك، بيروت وجزين، جونيه ودير القمر.
وفي الوقت عينه وجدنا ردود من شباب لبناني سهر الليالي سيرا عبر أزقة القاهرة العتيقة، وتغنى بالشعر على شواطئ الإسكندرية كما فعلت فيروز «شط إسكندرية»، ومنهم من شد الرحال إلى سيناء أرض الفيروز، وهناك اكتشف عالما من سحر البادية، أرض الأنبياء والرسل، وثقافة سبعة آلاف سنة.
حالة العشق المصري للبنان نظمها أمير الشعراء أحمد بيك شوقي في قصيدته الرائعة «يا جارة الوادي»، والتي غناها موسيقار الجيلين، محمد عبدالوهاب، وفيروز من بعده.
ثم ماذا بعد ذلك الانفجار؟ الشاهد أن المشهد الأليم يمكن أن يقرأ على أكثر من نحو، والبداية من عند لبنان الذي بات رهن قوى راديكالية لا علاقة لها لا من حيث الشكل أو المضمون مع تكوينه الليبرالي الحر، ولا بعالم الابستمولوجية الواسع والفسيح، قوى منقطعة العلاقة بالتعددية والتنوع التي زخر ويزخر بها لبنان من زمان وزمانيين.
ثانيا: يمكن اعتبار الانفجار الابوكاليبسي الأخير بمثابة إعلان بانتهاء أزمنة الضباب التي خيمت على بيروت، وبانقشاع السحب، وظهور شمس الحريات البنانية من جديدة.
ليس خافيا أن ما قدمته مصر للبنان خلال أزمة ليس مساعدات مادية أو لوجستية، وإنما قلوب عاشقة ومحبة، وأيادٍ ممتدة بصدق لإعادة استنهاض لبنان من وهدته التي طالت والعمل يدا بيد مع أبناء شعبه لإعادة زمن الأمجاد التليدة.