ثورة الدفء ٢

أمل السعيدية

أفكر كثيراً في أوقات الطقس الحار بقراءة رواية عن الشتاء، لذلك أحب الروايات الإسكندنافية، أذكر أنني مرة وفي فورة حماسي عند حديثي عن الروائي النرويجي كارل اوفه كناوسغارد مؤلف سداسية “كفاحي” علق صديق لي، بأن كناوسغارد يملك كل الوقت للكتابة، فالنرويج والسويد -حيث انتقل للعيش- باردة جداً، ويكاد شتاؤها لا ينقضي، يختبئ الناس داخل بيوتهم طوال الوقت، ولذلك أيضاً تحدث الناس في النرويج عن روايات كناوسغارد كثيراً، حتى تسبب ذلك بسن قانون للتعامل مع النمائم المتعلقة بكفاحي في أماكن العمل الرسمية. ربما يكون هذا صحيحاً، نتوق في المناطق الحارة لرؤية ندف الثلج، لدينا تصورات بعيدة عن قوامه، وعن ملمسه، وعن الآثار التي يمكن لأقدامنا أن تطبعها عليه، وكذلك الحال بالنسبة لمن هم في المناطق الباردة، الذي يعتبرون يومًا مشمسًا يومًا جديرًا بالعيش، وتمنحهم خيوط الشمس هبة التنزه والرحابة والفرص الجيدة.
أجمل ما في البرد هو أننا نقاومه بصورة جلية، مثلما نفعل عندما نتعامل مع غرفة قبل أن ننظفها، لهذا أثر بالغ على النفس، فالمكافأة والإنجاز يصبحان شيئاً ناجزاً بمجرد أن ينقضي العمل الذي لن يستمر لأكثر من بضعة ساعات في أسوأ الأحوال، أتذكر بهذه المناسبة، سهرات طويلة قضيتها وأنا أشاهدُ أفلاماً تصورُ في مناطق باردة، حيث تتعلقُ المنازل في أعلى التلال المدفونة والمتوحدة تحت الثلج. في رواية جون فانتي “ملحمة آرتورو بانديني” وفي جزئها الأول “انتظر حتى الربيع يا بانديني” نقرأ عن هذا الرجل وعائلته خلال فصل شتاء طويل وقارس، والذي يفقد فيها الأب عمله، تدور كل أحداث القصة في هذا الفصل الشتوي، ونكاد نجوع معهم ويدفننا الثلج أحياء.
عندما كنا صغاراً وكان رمضان يحلُ في البرد، وبعد الإفطار، نتلحف بأغطية ثقيلة متمددين أمام شاشة التلفاز نتابع قناة تلفزيون عمان مع العائلة، لسعةُ البرد كالإبر، وكل ذلك الدفء العائلي، كان هوية ذلك الماضي العذب. وبالحديث عن الاجتماعات العائلية، الروائية البريطانية آلي سميث، كتبت رباعية هي الأخرى عن كل فصول العام، تُرجم للعربية منها عملان: الخريف والشتاء، بترجمة جميلة لميلاد فايزة، تتحدث الرواية التي اعتبرت من أولى روايات “بريكست” أي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي عن ظلال هذا التحول في الحياة الاجتماعية للناس في المملكة المتحدة، في الرواية يأخذ شاب يدعى أرثير فتاة، تدعى لاكس تعرّف عليها في محطة القطار، لبيت عائلته في ليلة عيد الميلاد بعد ثلاثة أيام من تعارفهما مقابل صفقة، أن تدعي لاكس أنها شارلوت صديقته، لأنه لا يمكن أن يكون فاشلاً ويذهب لبيت والدته دونها وقد تعرف على شارلوت قبل ثلاث سنين ويشاركها كل شيء، هذه الرواية المكثفة عن ضياع مستقبل بريطانيا، أو عن الخراب، والتي تشبه رثاءً على الرغم من نعومة لغته إلا أنه قاس وناقد بطريقة عنيفة، تتعلق الشخصيات فيها بماضٍ معين، كل شيء تغير في بريطانيا، العديد من التضحيات التي دفعها الشعب مقابل لا شيء، عندما يكونون على طاولة عيد الميلاد أخيراً تقول الفتاة برفقة ارثير انها ليست شارلوت، فتجيب الأم، اذن ما اسمك؟ تقول اسمي لاكس! وبدلاً من أن تبدي الأم ردة فعل نتوقعها في هذا الموقف، تقول لتكمل إيقاع القصة العنيف: أوه لاكس مثل رقائق الصابون كم كانت جميلة كانت تذوب في الماء وتجعله ناعما وزلقا هل تتذكرون؟
أليس هذا هو الشتاء؟ أليس هذا هو البرد، كل هذا التجاهل أو الإنكار أو العيش في فقاعة، أو الادعاء ببساطة أن شارلوت ليست سوى لاكس التي تُذكرُ باسم ماركة صابون؟