التوازنات المتغيرة في الولايات المتأرجحة ومصير الانتخابات الأمريكية

د.صلاح أبونار –

ما أن نبدأ في مطالعة تحليلات الانتخابات الأمريكية حتى يظهر مصطلح «الولايات المتأرجحة»، مقرونا أحيانا بمصطلحين بديلين «الولايات المتعادلة» و«ولايات الصراع». وسنجد هذه المصطلحات في سياق مصطلحات أخرى مكملة:«الولايات المؤكدة» أو «الآمنة»، و«الولايات المرجحة»، و»الولايات المحتملة». ماذا تعني تلك المصطلحات؟ تشير لنظام تصنيف الولايات، بين «المؤكد» بدرجة عالية فوز أحد الحزبين بأصواتها، وأخرى من «المرجح» فوز أحدهما بها، وثالثة من «المحتمل» فوز أي منهما فيها. ثم تأتي الفئة الرابعة وتشير لولايات تتسم بصفتين أو إحداهما: التأرجح المتكرر والمتقارب زمنيا في التصويت لأحد الحزبين، ووجود درجة من التوازن والمتغير بينهما الأمر الذي يحولها إلى ساحة للصراع. وتحتل هذه الفئة مركز اهتمام المحللين الآن وتشكل بؤره اهتمامنا، ليس لمجرد ميولها غير المؤكدة، بل أيضا لأن بعضها مثل فلوريدا يمتلك وزنا انتخابيا فارقا.
والحاصل أن الانتخابات تجري في سياق يجمع بين درجة من اليقين ودرجة من الاحتمالية. يكمن اليقين في وجود قطاع من الولايات، يتبع نمط تصويتي شبه ثابت أو على درجة بارزة من الثبات وعلى مدى زمني متوسط قد يصل لعقود، تبعا لعوامل تجمع بين خصائص المكان الديموغرافية وقدرته على توفير هياكل مساندة وتجذر للنفوذ الحزبي، وقوة الهياكل الحزبية وقدرتها على التقاط المتغيرات وتجديد برامجها وقياداتها وقنوات اتصالية. ولدينا نماذج بارزة لتلك الاستمرارية. عرفت فترة 1968 – 1988 ما دعي «الحائط الأحمر»، ويشير إلى كتلة من 21 ولاية تضم 191 ناخبا في المجمع الانتخابي، كانت تصوت للجمهوريين على مدى خمس انتخابات رئاسية. ولكن في 1992 تمكن كلينتون الديمقراطي من انتزاع 9 ولايات من هذا الحائط تضم 118 ناخبا، منها أربع ولايات أساسية هي كاليفورنيا وايلينوي ونيوجيرسى وفيرمونت. وبانتصار كلينتون تكون «الحائط الأزرق» الديمقراطي من 18 ولاية، تمتلك 242 ناخبا في المجمع الانتخابي صوتت للديمقراطيين في الانتخابات الست حتى 2012. ولكن بعد 1992 كانت الاستمرارية التصويتية أوسع نطاقا من ذلك. وفقا لموقع كوك بوليتيكال ريبورت خلال الفترة 1992 – 2016 وعلى مدى 7 انتخابات، صوتت 18 ولاية تمتلك 196 ناخبا للديمقراطيين و13 ولاية تمتلك 102 ناخب للجمهوريين في كل الانتخابات، وصوتت خمس ولايات تمتلك 55 ناخبا للديموقراطيين وخمس ولايات تمتلك 56 ناخبا للجمهوريين في ستة انتخابات من السبعة، وصوتت ولايتان تمتلكان 12 ناخبا للديموقراطيين وست ولايات تمتلك 48 ناخبا للجمهوريين في خمسة انتخابات من السبع. كيف يبدو وضع الفئات التي رصدناها وعلى الأخص المتأرجحة بينما تفصلنا عن الانتخابات أسابيع قليلة؟. لدينا عدة تقييمات ترتكز على تتبع لقياسات الرأي العام، مع اهتمام استثنائي بقياسات الولايات حرصا على تجنب أخطاء 2016، وتستعين بموارد تحليلية أخرى متنوعة لترشيد مادة القياسات. وسنستعين بدرجات متفاوتة بين تحليلات عدة مواقع، أهمها الايكونوميست والبي البي سي وفايف ثيرتى ايت وكوك بوليتيكال ريبورت وريل بوليتيكس.
تستخدم الايكونوميست نموذج الفئات الأربع، محددهة احتمالات النجاح في الولايات الآمنة بنسب أعلى من 99%، والولايات المرجحة جدا بنسبة 85 – 99 %، والولايات المرجحة بنسبة 65- 85 %. ويستخدم كوك بوليتيكال ريبورت نفس التقسيم الثلاثي ولكن بأسماء مغايرة: «الولايات الراسخة»، وتليها» «الولايات المرجحة»، وبعدها «الولايات ذات الميول»، بنفس المعنى تقريبا ولكن بدون ذكر نسب النجاح لكل فئة. ووفقا لهذا التقسيم تمنح الايكونوميست بايدن 14 ولاية آمنة يصل إجمالي ممثليها في المجمع الانتخابي إلى 182 ناخبا، ويمنحه كوك ريبورت فى الفئة الموازية نفس ولايات الايكونوميست علاوة على نيو مكسيكو ومقاطعة مين الأولى بإجمالي 188 ناخبا. ويمنح الايكونوميست ترامب في نفس الفئة 15 ولاية إجمالي ناخبيها 95، بينما يمنحه كوك ريبورت 13 ولاية جميعها في قائمة الايكونوميست، فيما عدا ولايتي يوتا وانديانا اللتين نقلتهما إلى الفئة التالية، بإجمالي 77 ناخبا.
وإذا انتقلنا للولايات «المرجحة جدا» سنجد الايكونوميست تمنح بايدن 7 ولايات بإجمالي 61 ناخبا، ولكن كوك ريبورت يمنحه في نفس الفئة 4 ولايات فقط منها 3 تحتويها قائمة الايكونوميست بإجمالي 30 ناخبا. بينما تمنح الايكونوميست ترامب 5 ولايات بإجمالي 40 ناخبا، بينما يمنحه كوك ريبورت7 ولايات بإجمالي 48 ناخبا نجد 4 منها لدى الايكونوميست. ماذا بشأن الفئة الثالثة « المرجحة» بلغة الايكونوميست؟. تمنح الايكونوميست بايدن 65 ناخبا موزعين على 4 ولايات، بينما يمنحه كوك ريبورت 90 ناخبا موزعا على 7 ولايات. بينما تمنح الايكونوميست ترامب 62 ناخبا موزعا على 3 ولايات، ويمنحه كوك ريبورت نفس عدد الناخبين موزعا على الولايات ذاتها.
وعلينا جمع شتات هذا التحليل. وفقا للايكونوميست يحصل بايدن في الفئات الثلاث على 308 ناخبين، وهو نفس العدد الذي حصل عليه وفقا لكوك ريبورت. ويحصل ترامب على 197 وفقا للايكونوميست و 187 وفقا لكوك ريبورت. وننتقل بالانتقال إلى «المتأرجحين».
وفقا لتقديرها للولاية المتأرجحة بكونها التي تقل فيها نسبة فوز أي طرف عن 65%، رأت الأيكونوميست وجود ثلاث هي اريزونا وجورجيا ونورث كارولينا، بإجمالي 42 ناخبا. ويحصر كوك ريبورت المتأرجحين في نفس الولايات الثلاث. ولكن هذا النوع من التحليل لن يفيدنا كثيرا، لأن قياسات الرأي العام داخل مجمل الولايات المعتاد وصفها بالمتأرجحة، واتساقا مع الطبيعة التوازنية والصراعية داخلها، تتغير في بعضها بمعدلات تدفع لتقادم معلوماتنا عنها. والخلاصة يجب توسيع نطاق التحليل ليشمل ولايات أخرى، تبدو الخطوط فيها متقاربة ويؤهلها تاريخها التصويتي لتحولات فجائية، وهو ما يعني درجة من تقاطع حتمي مع الفئة الثالثة المحتملة. سنجد في أقصى الجنوب وضمن ولايات الحزام الشمسي: أريزونا وفلوريدا ونورث كارولاينا وتمتلك 55 ناخبا. لأريزونا 11 ناخبا في المجمع، ومنذ عام 1952 لم تصوت للديمقراطيين سوى عام 1996، ومنذ عام 2000 يفوز الجمهوريون بهامش كبير وحقق ترامب 3,6 % أقل هوامشهم. وحاليا تميل الولاية للديموقراطيين، وتشير القياسات لتقدم بايدن باستمرار ولكن بهامش بسيط معرض للتلاشي، ففي 22 سبتمبر حقق 47% مقابل 45% لترامب وفي 25 سبتمبر تساوى الاثنان وأصبحا 47%. ولنورث كارولاينا 15 ناخبا، وتصوت للجمهوريين مند عام 1972 فيما عدا 1976 و2008، وكان الجمهوريون يفوزون بها بهامش 2 أو 3%، وفى 2008 كسبها اوباما بهامش 0,4% فقط، والآن يتقدم بايدن ترامب بهامش يتراوح بين 1% و4%. ولفلوريدا وضع شديد الأهمية. لفلوريدا 29 ناخبا، وهي متقلبة ففي انتخابات 2000 و2004 اختارت الجمهوريين، لتختار في الدورتين التاليتين الديموقراطيين، لتعود للجمهوريين عام 2016. وتخبرنا قياسات الرأي العام فيها بأمرين: الأول أن بايدن يتقدم ترامب باستمرار بهامش يتراوح بين 1 % و5 %، والثاني أن هذا الهامش معرض للتآكل والانقلاب.
ننتقل الآن إلى ولايات الغرب الأوسط الشمالية: أوهايو وميتشيجان وويسكونسون ونيو هامبشير. تمتلك اوهايو 18 ناخبا، وتتأرجح بين الحزبين منذ 1992. ففي انتخابات 1992 و1996 صوتت للديمقراطيين، وفي انتخابات 2000 و2004 للجمهوريين، لتعود في انتخابات 2008 و2012 إلى الديمقراطيين، وفي 2016 اكتسحها ترامب بهامش8,1%. وتشير قياسات الرأي الأخيرة إلى حدة التنافس وتغيرية التوازنات، ففي الأول من سبتمبر تمتع ترامب بهامش خمس درجات، وفي 29 سبتمبر سنجد نفس الهامش ولكن لصالح بايدن. وتمتلك ميتشيجان 18 ناخبا. ولا يمكن اعتبارها متأرجحة بالمعنى الدقيق، ففي الفترة 1872 -1988 صوتت دائما للجمهوريين،ومن عام 1992 أضحت جزءا ثابتا من الحائط الأزرق، وفى 2016 انتزعها ترامب بهامش 0,2% فقط. وحاليا يتفوق بايدن بهامش جيد لكنه يشهد تغيرات حادة توحي بإمكانية انقلابه، ففي 8 يونيو كان 11 درجة وانخفض في 27 يوليو إلى 4 درجات ثم ارتفع في 19 سبتمبر إلى 8 درجات. وتمتلك ويسكونسين 11 ناخبا، وهي ديمقراطية من 1988 حتى انتزعها ترامب بهامش 0,7% فقط. ويتفوق بايدن فيها بمعدل آخذ في التناقض، ففي 12 سبتمبر كان 5 درجات وانخفض في 28 سبتمبر إلى 3 درجات، ويمكن أن يواصل الانخفاض على مدى أكتوبر والعكس صحيح. وتمتلك نيوهامبشير 4 ناخبين. وفيما بين 1972 – 1988 صوتت للجمهوريين، وانتقلت للديمقراطيين في 1992 – 1996، لتعود في 2000 للجمهوريين، ثم انقلبت ديمقراطية من 2004 حتى 2016، ولكن هامش كلينتون في 2016 كان 0,4% فقط. وحتى 29 سبتمبر يبدو بايدن متفوقا بهامش مرتفع وشبه ثابت، فلقد أصبح 9 درجات وكان في 29 أبريل 8 درجات.
وهناك مجموعة أخيرة من الولايات المتأرجحة أهمها جورجيا وبينسلفانيا. لجورجيا 16 ناخبا، وهي ولاية جمهورية مزمنة وكانت انتخابات 1992 آخر عهد الديمقراطيين بحكمها. وتبدو نقاط الخصمين في قياسات سبتمبر متقاربة، فنجدهما متعادلين في 23 سبتمبر، ثم يتفوق ترامب بعد ثلاثة أيام بدرجة واحدة، وبعد ثلاثة أخرى يتخطاه بايدن بثلاث نقاط. وتمتلك بينسلفانيا 20 ناخبا. ولقد كانت جمهورية في الفترة 1980-1988، ثم انضمت للحائط الأزرق في 1992، لينتزعها ترامب في 2016 بهامش0,7% فقط. ويبدو بايدن حتى الآن متقدما بهامش متزايد، كان 6 نقاط في 23 سبتمبر وارتفع بعد أسبوع إلى 10 نقاط.