انتهت الوظيفة وانتهت معها الصداقات

مع منتصف هذا العام بدأ الكثيرون ينسحبون من سوق العمل، طواعية أحيانا، وإجباريا أحيانا أخرى، مع ما صادف هذا الانسحاب من مشاعر متناقضة، استطاع البعض تجاوزها سريعا، وبقي البعض عالقا في مشاعر من الألم والقلق والخوف مما يحمل المستقبل، ولعل أكثر الشكاوى التي نسمع هي شكوى فقدان الأصدقاء والمقصود بهم الزملاء هنا، وفي هذا خلط كبير، زملاء العمل ليسوا بأصدقاء، وهم ليسوا عائلتك رغم العقود الطويلة التي قضيتموها معا، إلا إذا كنت من القلة التي استطاعت عمل صداقات حقيقية مع زملاء في العمل، وهذا أمر طبيعي جدا، فحياتك لها طاقة استيعابية محددة، لا يمكن أن تتسع لكل إنسان مر في حياتك، أنت مثلا لم تحمل زملاء الدراسة معك، رغم أنك صادقت الكثيرين ربما، لكنها مرحلة ومرت بكل حلوها ومرها.
زملاء العمل فرضتهم عليك الوظيفة، وكثير منهم كانوا مضطرين للتعامل معك بحكم مشاركتك المكان، والمهام الوظيفية، تضحكون معا، وتتشاركون في حوارات جميلة، وتشاركون الأفراح والأتراح، لكن من غير المنطقي أن نطالب الزملاء بالاحتفاظ بذات الود بعد التقاعد، لأنه ببساطة غير ممكن، وكثير ما أسمع من متقاعدين عبارات مثل: (ما فيهم خير) و(نسوا العشرة) و(أنكروا الجميل) وإنكار الجميل هذا نسمعه أكثر من المسؤولين، تجاه مرؤوسيهم، وهم يعددون أفضالهم عليهم من مثل: أنا الذي وظفته، ورقيته، وأعطيته بعثة، وكم كنت داعما ومحفزا، متناسين بأن كل هذه الأمور هم كانوا وسيلة لها، فأنا إن كنت كمسؤول فعلت كل هذا فلأنه واجبي المهني، الذي تم تعييني من أجله، ولقد أخذت رواتب وحوافز ومميزات طوال هذه السنون من أجل تنفيذ هذه المهام، وأنا أيضا كان لي مسؤولون طوال فترة عملي، فعلوا الشيء ذاته معي، بالتالي ليس من العدل، ولا المنطق أن أطالب الزملاء بأن يمضوا طوال حياتهم في رد (الجميل) لأنه لم يكن جميلا ببساطة.
نحن نطالب الناس بالمستحيل، ونحملهم فوق طاقتهم، لأن ذاكرة الناس لا يمكن أن تتسع لكل من مر بهم، والحقيقة الأهم هو أنك إذا اكتشفت بأنه لم يعد يسأل عنك أحد بعد خروجك، فلربما آن الأوان لأن تعترف لنفسك، بأنك فشلت في ترك بصمة في حياة زملائك، وأنك فشلت في احتلال مكان في قلوبهم.
أقفل الصفحة، بكل ذكرياتها الجميلة، واحتفظ بالود الذي كان في قلبك، ولا تحمل الناس أكثر مما يطيقون، الحياة حلوة، وكل مرحلة تأتي بعلاقاتها التي تشبهها، وتتناسب معها.

حمده بنت سعيد الشامسية
hamdahus@yahoo.com