عبثية التاريخ في أفلام «كونتين تارنيتنو»

سليمان الخليلي –

«كونيتين تارنتينو» من المخرجين القلائل الذين لابد أن تستمتع بلمساته السحرية في أفلامه، ولعل كل من يعشق أعماله يبرر كثرة العنف والموت والدم، بل حتى العبثية التاريخية والإسقاطات في تغيير مسار الأحداث الحقيقية.
هكذا هو «تارنتينو» كل عمل بحد ذاته تحفة سينمائية، وفق مسيرته صنع عددًا من الأفلام التي لا تُنسى، لها مكانها المرموق في تاريخ السينما، وكلها تشترك في العنف والموت والدم، تلك السمة السائدة في كل أعماله حتى ذات طابع الكوميديا السوداء، كحال فيلمه الأخير «حدث ذات مرة في هوليوود»، الذي جمع بين فنانين كبيرين في هوليود «ليوناردو دي كابريو» و «براد بيت» معا، ويمكن وصف الفيلم بأنه كوميديا درامية هادئة، مشاهده طويلة وإيقاعه بطيء، كثيرٌ من التفاصيل وقليلٌ من العنف، والدقائق العشر الأخيرة مجنونة تختصر جميع أفلامه، ومن لا يعرف «كونتين تارينتيو» سيجد فيلمه مملاً بطوله وتفاصيله لكن يراه المعجبون به تحفة رائعة.
لا تخلو أعمال «كونتين» من بصماته الخاصة لإثبات أن الفيلم من توقيعه، ولعل أحد السمات الأخرى التي ظهرت في أفلامه الأخيرة هي عبثية التاريخ بإعادة كتابته وفق رؤية سينمائية مغايرة برسم أحداث مختلفة مع إسقاطات لا تعجب كتاب ومورخي التاريخ حتما، حيث يضرب «كونتين تارينتيو» كل مبادئ توثيق التاريخ عرض الحائط ويصنع تاريخًا مختلفًا بتغيير الأحداث، ونجد ذلك في فيلميه «أوغاد مجهولون» الذي أنتج عام 2009، وفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» عام 2019، المبنيان على أحداث حقيقية، غير أن «كوينتين» لم يهدأ باله ولم يلتزم بالنهاية الحقيقية للأحداث ليصنع نهاية ترضي نفسه أولا وثانيا نهايات سعيدة ترضي المشاهد.
في فيلم «أوغاد مجهولون»، لم يجعل نهاية الفيلم كما يعرفها الجميع بأن «هتلر» مات منتحرا وحيدا بل قُتل بالرصاص وحرقت جثته بالنار، رؤية «كونتين» جعلت البعد السينمائي الدرامي حاضرا، عبر درامية الانتقام من الرجل الشرير، تلك العاطفة التي تجعل المشاهد سعيدا في أي فيلم حينما ينتقم البطل أو الشخصية المظلومة من الشرير أو الشخص الذي ظلمه.
نرى النهاية، خلال الفصل الأخير من فصول الفيلم، حينما يتم عرض فيلم لتمجيد الحروب النازية في دار عرض سينما تملكها فتاة يهودية أخفت هويتها الحقيقية «شوشاتا»، قُتلت عائلتها على أيادي الجنود النازيين، وتنتقم لهم بحرق القاعة بالكامل حيث تجتمع القيادة النازية، في حين تقوم فرقة الأوغاد المجهولين، ويقال بأنها فرقة حقيقية إنجليزية اسمها X-Troop أسسها تشرشل، تطلق النار على «هتلر» وأيضا على قادته والموالين له، واختلط المشهد بالهروب والصراخ والتدافع فمن لم يمت بالرصاص مات بالنار، وهذا المشهد هو تشبيه خيالي للأفران التي حُرق اليهود فيها.
فيما نشاهد فيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي يصور حياة هوليود في حقبة الستينيات والسبعينيات، ثمة إسقاطات لأحداث وشخصيات حقيقية، وبخاصة حياة الممثلة «شارون تيت» زوجة المخرج البولندي «رومان بولانسكي» بجانب إسقاط لشخصية الممثل «بروس لي» حيث أظهره كشخصية متبجح مغرور ومتغطرس.
هنا رسم مسار آخر لشخصية الممثلة «شارون تيت» التي قتلت على يد جماعة «تشارلز مانسون» الهيبية، حيث اقتحموا منزلها وقتلت مع أصدقائها الخمسة في مجزرة مشهورة نهاية السبعينيات، لكن الأحداث في الفيلم أعطت مسارًا مختلفًا، دخلت الجماعة بالخطأ منزل الممثل الذي أفل نجمه في هوليود «كليب بوث» الذي أدى شخصيتها «ليوناردو دي كابريو» في تلك العشر الدقائق المجنونة تغلب «ليوناردو دي كابريو» وصديقه ومساعده «براد بيت» الذي أدى شخصية «ريك دالتون» في قتل هذه العصابة، مما جعل النهاية السعيدة كما يحبها المشاهد ألا وهي حياة الممثلة «شارون تيت» ونجاتها من الحادث.
بشكل عام عبثية التاريخ التي يلعب فيها «تارينيتو» مقبولة وتعطي بُعدا سينمائيا لنرى الأحداث الواقعية من منظور آخر، ولا تجعل المُشاهد يتوقع مَشاهد معروفة، ولعله رأى بأن أبسط شيء لتغيير تاريخ مؤلم هو تغيير أحداث النهايات، تلك النهاية المرجوة التي يتمناه أي إنسان لو جرت بمسار آخر، وهذه رؤية كاتب ومخرج يحق له كتابة ما يشاء في فيلمه الروائي وفق مخيلته، لأنه ليس فيلم وثائقيا يعمل على تسجيل وتوثيق حقائق محاسب على دقة المعلومات، وحتما حينما يصدر فيلم جديد من أخراج «كوينتين تارينتيو» يتشوق محبوه لمشاهدته والاستمتاع بعمل سينمائي يحمل توقيع اسمه.