نوافذ :1000

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

بين الرقم واحد والرقم ألف سبعة أشهر فقط وبين تلك الأشهر السبعة ارتفعت أرواح إلى بارئها وشفيت أخرى، واعتلت أنفس، وكابدت غيرُها، وتسببت أنفس لا مبالية في إزهاق أخرى مبالية، ولهت أرواح مستهترة بأرواح كانت تحب الحياة وتتمسك بها.
قصص وحكايات مؤلمة عن الفراق والفقد والمعاناة لم تحرك ساكنا في شخص، مازالت المؤامرة ماثلة أمام عينه، مشاهد الجنائز ورائحة الموت، والدفن الفردي بعيدا عن لحظة الوداع لم يرمش لها جفن متعنت منكر لحقائق الأمراض والعلل والأسقام، طوابير الواقفين والنائمين أمام بوابات الطوارئ، وفي أقسام العناية الفائقة يطلبون ويرجون رحمة المولى أن يتطلف بهم لم تجد بعد آذانا صاغية ممن أصم أذنه للاستماع إلى أنين المرضى ونحيبهم.
أتذكر جيدا الرقم واحد، الضحية الأولى ذلك المسن الذي لاقى ربه في بدايات انتشار وباء كورونا حتى انفرط عقد الراحلين إلى جوار ربهم، ليصل الرقم اليوم إلى أكثر من الألف، ونفجع في كل ساعة من ساعات اليوم بضحية جديدة وبروح جديدة وبنفس جديدة تركت وراءها دمعة على خد محب وكسرت قلبا فجع على فقدها وأحدثت شرخا في عائلة ربما كان الوتد والسند المعين لها.
استمعت مرة إلى رجاء مسنة تطلب من الله أن لا يأخذ أمانته منها في هذه الجائحة لأنها لا تتمنى لنفسها ميتة غير مشرفة لا يحضرها سوى المكممين ممن يخافون على أنفسهم عدوى القبر ولا يشيعها أقرب وأحب الناس إليها ولا يقوم على عزائها ممن عاشت بينهم دهرا، ولا تذكرها سوى الدائرة المقربة منها من الأهل والأحباب.
تذكرت كل ذلك وطيف الرقم ألف ماثل أمام عيني لا يفارقني متضرعا إلى الله أن نقف عند هذا العدد.. ولكنها أمنية بعيدة عن التحقق طالما أن البعض مازالت تسول له نفسه الترفيه عن نفسه في مزرعة غناء يقصدها بصحبة أهله ومن يحب، وأخرى ممن عزمت كل جارات حارتها على عرس ابنتها وثالث ممن أقام ميلاد ابنه بحضور من يعرف ومن لا يعرف، وقائمة طويلة من الدعوات والتجمعات المحظورة التي لا يحلو لأصحابها اللقيا سوى وقت الأزمات.
استنفذنا جميع الحلول الممكنة التطبيق وجربنا حتى ما كان منها في يوم من الأيام بعيدا عن التصديق وبعيدا أيضا عن التطبيق، بدأنا بالتعريف والتوجيه والترشيد، وثنينا عليها بالترغيب والترهيب وثلثناها بالإغلاق والإقفال والإصفاد، وعاودنا تكرار الإرشادات والاستجداءات والتوسلات، ورهبنا بالموت وشبحه والقبر وعاقبته وبالحياة ومرارتها من بعد الفقد، لكن كل ذلك لم يجد نفعا حتى الآن في إيصال رسالة التحذير الأخيرة لذلك الإنسان الغافل حتى عن نفسه ولم تفلح كل الرسائل السابقة في التوعية والتحذير والتنبيه في ردعه.
فماذا يمكن أن يقال أكثر مما قيل ويقال.
ربما آن أوان الاستيقاظ من النوم والسبات والصحوة من الغفوة والرقاد والالتفات إلى الضمير الذي تكلس بفعل كيمياء الزمن، ربما آن أوان مخاطبة ضمير الإنسان الحي أكثر من أي شيء آخر لعل ذلك أن يقلل من نزيف الأرواح التي تزهق والأموال التي تنفق والأبدان التي تنهك والحياة التي بهتت ولم تعد ألوانها خضراء كما كانت، ربما نحن بحاجة إلى أن نقف ألف مرة مع أنفسنا لنحاسبها على ما قدمت قبل أن يرحل حبيب آخر ليهجرنا ويجاور ربه حيث لن يكون هنالك جدوى من النصح والإرشاد والتوجيه.