عبر 25 مقالا بأقلام عارفيه.. أحمد الفلاحي ..العروبي الرائي بعين الرؤية والرؤيا

عاصم الشيدي
منذ أكثر من عقد من الزمن وأنا أعرف الأستاذ أحمد بن عبدالله الفلاحي عن قرب، أو هكذا أعتقد، وأرتاد مجلسه بشكل مستمر لا يكاد ينقطع. وأجلس معه في حوارات فردية طويلة حول الكثير من القضايا الثقافية والتاريخية. مجلس الفلاحي لا يخلو من الزوار أبدا، ولا يخلو من النقاش والسجال حول قضايا الثقافة والفكر والأدب والتاريخ، وقضايا الساعة ومآلات الأمة العربية وأحوالها. تتباين الآراء في مجلسه كثيرا، وتختلف التوجهات بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. من عاشق لبيت الشعر العربي في شكله الكلاسيكي إلى متعصب لقصيدة النثر، ومن محب المتنبي إلى متعصب لأدونيس، ومن ناقد للعقل العربي إلى متبنٍ لمقولة «الإسلام هو الحل»، ومن عروبي قُح ما زال يدافع بضراوة عن الزعيم جمال عبدالناصر ومشروعه القومي إلى قُطري ينتصر للدولة الوطنية بعيدا عن حلم الوحدة المخملي والترفي في سياق المشهد العربي الجديد. لكن القاعدة التي تنتصر دائما في ذلك النقاش هي قاعدة تقبل الآخر واحترامه مهما بدت آراؤه مخالفة لما يؤمن به الطرف الآخر. والعبارة هناك، رغم قناعات البعض بالفكرة والموقف، تنفتح كثيرًا ولا تضيق مهما اتسعت الرؤيا خلافًا للنّفري صاحب المقولة الصوفية الشهيرة «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة». و«مجلس الفلاحي» يأتي في سياق تقاليد «الصالونات الأدبية والثقافية» المعروفة عربيًا وعالميًا كما هو الحال مع مجلس العقاد ومصطفى الرافعي وطه حسين ومي زيادة، أو كما كان الطابق السادس من مبنى جريدة الأهرام المصرية التي يقدر الفلاحي نجمها الكبير الراحل محمد حسنين هيكل. وكما هي المقاهي الأدبية والثقافية في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية. رغم أن الفلاحي يتواضع أكثر مما ينبغي فلا يرى كثيرًا قيمة لمثل هذه المقارنات.

والفلاحي بهذا المعنى حالة فريدة بين المثقفين من حيث أفق الرؤيا ومن حيث استيعاب الآخر، ومن حيث فكرة المثقف الموسوعي في عصر الفكر الأحادي.
أستذكر الفلاحي ومجلسه وشخصيته الفريدة وأنا أنهي قراءة كتاب «أحمد الفلاحي بأقلام عارفيه» الذي جمعه وحرره الصديق خلفان الزيدي الصحفي بجريدة الوطن. والكتاب يضم مقالات ثرية لـ25 كاتبا عربيا، كتبت برؤى متنوعة وتوجهات وتيارات وزوايا نظر ومسافات معرفة متباينة، ومن دول عربية شتّى وقف أصحابها أمام الأستاذ أحمد الفلاحي وقفة إعجاب وتقدير كبيرتين وفي أحايين كثيرة وقفة حيرة واستغراب أمام شخصيته الفريدة والثرية والتي لا تتكرر كثيرا.
لم أستغرب كثيرا مما وصف به كُتّاب الكِتاب الفلاحي فمعرفتي به تدعوني، دائما، للقول إن مثل هذه الشخصية ما زالت تستحق أكثر من هذا الاحتفاء وأكثر من هذا التقدير، إنْ كانت الكتابة عن الأحياء تقديرًا لهم وتسجيلًا لبعض ما يستحقونه. لكن ما آثار إعجابي وأنا أقلب الصفحة الأخيرة من الكتاب الصادر حديثا في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر هو قدرة كتّاب الكتاب على توصيف شخصية الفلاحي والدخول إلى أعماقها، وتحليلها بعمق أحيانا، أو عبر تسليط الضوء على ثيمة واحدة ومحاولة إيجاد بناء تركيبي عبرها لشخصية الفلاحي، بحيث تستطيع وأنت تنهي الكتاب أن تبني رؤية كاملة لشخصيته وإن كنت لم تعرفه أبدًا أو لم تلتق به في أي درب من دروب الحياة. وأحسب أن من ينهي قراءة الكتاب سيعجب نفس إعجاب كتابه بالفلاحي ولكن أيضا سيكون قد تشكلت لديه رؤية واسعة عن الفلاحي وعن شخصيته النادرة.
أمّا الغريب في شأن الفلاحي أنه استطاع أن يحظى بحب جميع هؤلاء الكتاب والمثقفين، وجعلهم يتفقون عليه، وهذا أمر نادر في الغالب الأعم، فكيف به بين «المثقفين» على اختلاف توجهاتهم! بل هو من وجهة نظرهم، كما يقول الخطاب المزروعي، في أدق وصف لشخصية الفلاحي «الرائي» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو مرجع الرأي والرؤى دائما.
ولا أريد أن أجتهد في تفسير هذا الأمر وتعليله، وربما يجد قارئ الكتاب تفسيرا منطقيا بين الصفحات أو في مقالة من مقالته. ولكن يمكن أن ذكر بيت شعر لأبي تمام نقله الدكتور أحمد درويش وهو أحد كتاب مقالات الكتاب:
أَو يَختَلِف نَسَبٌ يُؤَلِّفُ بَينَنا
أَدَبٌ أَقَمناهُ مَقامَ الوالِدِ
ويمكن أن حب الأدب هو الذين جمع الجميع حول الأستاذ الفلاحي، خاصة أن أحمد درويش وصف الفلاحي في مقاله بأنه «عريف قبيلة الأدباء» فكيف لا تجتمع القبيلة على حب «عريفها».
وأحمد الفلاحي كما وصفه الشاعر نزار قباني «كتيبة من الشعر، والظُرف، والرواية، والثقافة، بطحتنا جميعا على الأرض، وهو واحد من الظرفاء العرب الذين سَلِموا من هذا العصر الثقافي الحديث الذي لا مثل لغلاظته». ولذلك سلم الفلاحي من أمراض الثقافة، والعظمة التي سلبت العفوية والدعة على حد تعبير الشاعرة عائشة السيفية في مقالها بالكتاب، وهذا سبب آخر في محاولة فهم الأسباب التي جعلت الجميع يجتمع حول الفلاحي حبًا وتقديرًا وعرفانًا.
وشخصية الفلاحي هذه تمتلك جاذبية غير طبيعية أو «كاريزما» خاصة كما يصفها الدكتور محسن الكندي وبها يستطيع أن «يؤثر في محيطه وبين جلسائه، فإذا تحدث أنصت الكل لجمال منطقه وإذا قرأ أعجب سامعيه».
ويصف الشاعر الراحل محمد الحارثي الفلاحي بأنه «حالة ثقافية خاصة ونادرة المثال في بلادنا، حالة ثقافية استطاعت في وهاد ومهاد مشوار طويل اختزال الاختلاف في مفترقات الطريق بين المثقفين أنفسهم، وبينهم وبين المؤسسات الثقافية الرسمية بخطاب بسيط رزين منفتح على ما هو عروبي – ديني – ليبرالي – حداثي النزعة».

وشخصية الفلاحي شخصية متمسكة بالأمل، وهو يعيش عليه ومن أجله و«هذه الكلمة المناسبة لمقاربة هذا المثقف النبيل الذي يسير به العمر ولا يشيخ.. يعيش على الأمل ويتشبث به كما يتشبث ظبي بقدميه النحيلتين في صحراء مليئة بالضباع» كما وصفه سليمان المعمري في الكتاب. و«درّب الفلاحي عينيه منذ نعومة أهدابها على النظر فقط إلى الجانب المضيء، النصف المليء من الكأس، الوجه المشرق للقمر»، لذلك لا يهمه في المتنبي إلا أنه شاعر كبير علمنا أنه «إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم» أما كونه طالب سلطة، أو متلونا يمدح ويهجو الشخص نفسه بحسب المصلحة أو عنصريا «لا يشترى العبد إلا والعصا معه «فهذه تفاصيل ثانوية لا تفت البتة في عضد شاعريته التي لم يجد الزمان بمثله» ص 113.
ويرصد الشاعر سيف الرحبي في شخصية أحمد الفلاحي الجانب الأبوي فشخصيته «تحيط وتتسع للجميع، أخلاقًا، وأفقًا بنكهة عمانية وأحلاما» وهو يرى فيه شخصية حالمة باتجاه الأفضل على كل الأصعدة حتى في أحلك اللحظات وأكثرها قتامة.
والرحبي يرى في الفلاحي بوجوهه وأعماقه ونوازعه المختلفة في جانب منه «يتماهى مع عُمانيي الستينات من القرن الماضي. وقد شملته موجة الاغتراب القسري إلى البلاد العربية الأخرى حين كانت بلاده ترزح وتئن في كهوف انغلاقها خارج الزمان والتاريخ، باحثا مع الباحثين عن ضوء أمل في فكر تلك المرحلة، بمده الوحدوي، فكانت عاطفته العمانية المتقدة في البحث عن خلاص ممكن جزءا من نسيج العاطفة العربية في توثبها الشامل في البحث عن مستقبل ينفض عنه غبار الظروف وأثقال اراهن المتراكمة». ص 119
أما وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور محمد صابر عرب فإن أكثر ما يثير اهتمامه وإعجابه في شخصية الفلاحي أنه «يمتلك قدرا هائلا من الطاقة الإنسانية الإيجابية، والمشاعر الفياضة، المتدفقة، والمحبة الفائقة لتراثنا وثقافتنا العربية» وهو كما يراه عرب «متابع بكل دقة ما ينشر من بغداد إلى دمشق مرورا بالخليج العربي ووصولا للمغرب العربي».

وهذه المتابعة هي التي جعلت «لديه واحدة من أضخم المكتبات الخاصة في العالم العربي» كما أكد الروائي المصري جمال الغيطاني في مقاله عن الفلاحي، وهي التي جعلت الكاتب والصحفي حمود بن سالم السيابي يكتب: «طوال نصف قرن كان بيته خزانة الآثار ودار الكتب، ومن أرفف هذه الدار تتواصل مسقط بعالم الطباعة فتقف على جديدها، فالفلاحي على تقاطعات العواصم التي تؤلف وتطبع وتقرأ».
ومكتبة الفلاحي من بين المكتبات الخاصة النادرة. وأهم ما يميزها، خاصة في السياق العماني، أنها ليست مكتبة دينية أو تاريخية، وهي بالطبع ليست مكتبة شعرية أو روائية، إنها كل ذلك في الوقت نفسه. فيجد القارئ فيها الكتاب على اختلاف فنونه شعرا ورواية تاريخ وفقها، وموسيقى ومسرحا، يجدا كتب نور الدين السالمي ولكنه يجد أيضا كتب علي حرب وجورج طرابيشي ونصر حامد أبو زيد. ومن المهم الإشارة هنا أن مكتبة الفلاحي المرجع الأهم للبحث عن الكتاب العماني. فلا يكاد كتاب صدر يتحدث عن عُمان وعن تاريخها، أو كتاب صدر لكاتب عماني في كل صنوف المعرفة إلا ويجد القارئ نسخة منه في مكتبة الفلاحي. وليس في هذا أي مبالغة أبدا. وهذه المكتبة، التي أتمنى أن أكتب عنها ذات يوم، لا تضم الكتب المطبوعة فقط، بل فيها عدد من المخطوطات القديمة والنادرة أحيانا. وربما كنت من بين القلائل الذين يحظون بثقة الاستعارة منها. فالفلاحي حريص جدا على كتبه وخاصة النادر منها بعد أن اكتشف اختفاء بعضها في ظروف غامضة.

واستطاع الفلاحي أن يرفد مكتبته بكل جديد من خلال حرصه على حضور أغلب معارض الكتب في العواصم العربية فلا يكاد يفوته معرض للكتاب في مسقط والقاهرة والشارقة وأبوظبي والبحرين.
يقول المؤرخ السعودي محمد عبدالرزاق القشعمي: «الفلاحي معروف عنه متابعته الدقيقة الدائبة للحركة الثقافية في الوطن العربي بأكمله، لا يكاد يفوته شيء منها. ومن الناحية القومية هو من أشد المدافعين عن وحدة الأمة العربية».
وتتكرر ثيمة العروبة والقومية في أغلب المقالات المكتوبة عن الفلاحي في الكتاب، فالوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه هو وطن الفلاحي يفرح لفرحه ويتعذب لعذاباته.
ورغم ثراء الكتاب وعمق مقالاته إلا أن شخصية الفلاحي تحتاج إلى اكتشاف أعمق وإلى دراسة أوسع ربما يكون الزمن كفيلًا بها.