مع امرأة بعيدة فرحا وحزنا

فاطمة الشيدي

١.
شعرت بالفرح والفخر معا ما أن تناهى لأذني خبر فوز الشاعرة الأمريكية لويز جليك بجائزة نوبل حيث اعترتني نشوة عميقة وبهجة عارمة، وشعور ضمني بالنصر والاعتزاز والانتماء، لهذا التكريم للشعر والمرأة معا.
فالشعر كجنس أدبي كبير وعظيم يعاني اليوم تهميشا ثقافيا مخجلا سواء في التكريم والجوائز أم في النشر والقراءة والأمسيات والاهتمام بكتّابه وشعرائه، بل أن عدد الشعراء الذين فازوا بجائزة نوبل من الشعراء في مقابل الساردين يعتبر قليلا جدا رغم أقدمية الشعر كجنس أدبي وأهميته.
أما السبب الثاني والأكثر أهمية فهو كونها شاعرة، فالمرأة التي تتجاهلها الأوساط الثقافية العالمية غالبا متذرعة بحجج كثيرة وما ذلك إلا تمييز وعنصرية بشكل ما تحصد اليوم أعلى جائزة عالمية.
إنه خبر يحقق الرضى والفخر لكل امرأة واعية ترى في نفسها وبنات جنسها الاستحقاق الطبيعي لكل إنجاز وإنصاف وتشجيع وتكريم على قدم المساواة مع الرجل، بل يعتبر تكريما لأدب المرأة الذي يعاني تجاهلا وتحيزا ضدها غالبا، خاصة إذا عقدنا مقارنة بين من تحصل على هذه الجائزة من النساء في مقابل الرجال.
طبعا هذا إلى جانب فوز العالمتين في مجال الكيمياء الفرنسية إيمانيويل شاربنتييه والأمريكية جينفر داودنا من صنع “مقص” لقطع الشفرة الجينية وإعادة تشكيلها.
إنه حقا إنجاز نسوي يشعرك بالفخر خاصة وأنت تعيش في عالم تحيا فيه المرأة بين التمييز الجنسي والموت المجاني، وتقتل فيه باسم القانون والدين والشرف وغيرها؛ كأحلام التي قتلت بحجر من قبل والدها في الشارع بلا شفقة، وإسراء غريب وغيرهما كثيرات زهقت أرواحهن وعذبت أجسادهن بلا رحمة فقط لأنهن نساء، بينما دفعت الكاتبة المغربية نعيمة البزاز وسارة حجازي للانتحار بسبب الضغط عليهما من مجتمعات مريضة لأنهما كانت حرتين وتصدت كل منهما بطريقتها لكشف زيف تلك المجتمعات.


٢.
إلى: كل امرأة قتلت باسم الدين والشرف والقانون وقلة الإنسانية في عالمنا العربي.
شقيقتي في الإنسانية والأنوثة التي هي قدر ثقيل على من هي فوق الأرض مثلي أو أصبحت تحت الأرض مثلك؛ لك في الغياب محبة مطعّمة بالألم، لك مشاركة تامة في الإنسانية والوجع، ولك الغضب والحزن الذي نحيا به على هذه الأرض في عالمنا المليء بالعنف ويخصنا نحن النساء بنصيب كبير منه.


عزيزتي البعيدة:
لقد آلمني رحيلك، أوقد النار في روحي، وحنقت أشد الحنق على من أودى بك للنهاية باكرا، ودفعنا للصمت واختيار أبسط الحلول وأيسرها وأكثر الطرق أمانا للحياة؛ نحن الذين ولدنا في هذا البقعة الممسوسة بالجهل من الماء للماء، ومن الحزن للحزن، ومن الخوف للخوف ومن الجرح للجرح، ولم نستطع الخروج منها، وحتى من خرج كان مشوها موجوعا من الداخل.
هذا العالم المتباين في الجهل والرعونة والعنف والمتعدد السلطات كالدين والسياسة والمجتمع. هذه البلاد الممتدة من الماء للماء والتي قتلتك وغيرك من الغُيّاب، وقتلت روح من هم خلف القضبان، وقتلت الأحياء من معتنقي الجمال والمحبة والحرية، هذه البلاد التي تربّي الجهل يوما بعد يوم، وتربكها الحرية التي لم تفهمها يوما، فتلعن كل من يعتنقها وتقصيه وتصادر حقه في الاختلاف أولا، ثم في الحياة كثيرا، فتلتهمه سجونها الواسعة أو تزج به إلى أقصى بقعة من جحيم ذاته حيث لا ضوء ولا أمل لينتحر.
هذه البلاد التي تعلمنا القسوة والخوف باسم الرب وباسم المجتمع، هذه البلاد التي لم تغسل ظلمها كل البحار التي تمتد على جسدها القاسي، ولم تلينها كل تلك الأنهار التي تحنو عليها وتغرق أوصالها في العذوبة، ولم تشفع لها الشمس التي تحتضنها ضوءا ودفئا ولم ترطب روحها الأديان التي خرجت جميعا من بين جنبيها، هذه البلاد الجاحدة لإنسان الخير والعدل والحب والجمال. لإنسان الحرية والرفض والتغيير والرغبة في الذهاب للغد بوعي أكبر وحرية أوسع.
هذه البلاد التي يرعبها الاختلاف وتسعدها النمطية هذه البلاد التي يربكها صوت طفلة تشق دجى العام وتصرخ أنا حرة، وتشق حجابها، وتحرر وعيها، وتطلق صوتها مؤازرة للحرية، مناصرة حق الإنسان في ذلك خارج رؤية المجتمع التقليدية وسلطته النافذة.
لقد صدَمنا جميعا بالسكين تجز عنقك، وتقتص من روحك الطيبة، وتسبب انطفاء نجمك مبكرا، إخراس صوتك العالي بحجر كبير، قتل محاولاتك في الحياة، صدمنا لأننا ببساطة جميعا نعيش تحت سيف الخوف، وسوط الرعب، كلمة قد تودي بنا للهلاك، موقف قد يصادر حقنا في الحياة، صرخة قد تتلوى حبلا على أعناقنا فنغيب ذات غيابك.


أفجعنا غيابك لأنك نحن، اتحاد القوة بالضعف والغضب بالحزن، والوعى بالإحباط والرغبة في التغيير والخوف من الغد، نحن “القلة الهائلة” الذين لا نستطيع العيش كالجميع، ولا نستطيع العيش كما نحن، نحن الذين كان قدرنا أن نعتنق الفكرة، ونؤمن بالإنسان، ونقف مع الحرية، ونتحد مع المظلوم، نحن الذين ندافع بأرواحنا وأجسادنا كي يقول المرء ما يريد حرا ما دام لا يؤذي أحدا ولا يخترق قانونا ولا ينتهق حقا.
نحن الذين لا نملك غير أصواتنا وأرواحنا. نحن في كل بقعة من هذا العالم المأفون، الذي تحكمه القوة ويسيره المال، نحن أنت، وأنت نحن. وبغيابك انكسر غصن في شجرة الحرية، وقويت شوكة الظلم لذا يبكيك الأحرار في كل مكان، وينكسرون لك، ويتفجعون لغيابك.
أيتها التي لم تستطيع الحياة قبولك، ولم يستطع الإنسان حمايتك، أو لم تستطيعي مقاومة ظلم العالم؛ لروحك السكينة والسلام في الغياب.
لقد أشعل غيابك المفجع شمعة الحرية، وأضاء فكرة المقاومة، وأكد على حرية الإنسان مهما اختلفنا معه، ووحد القلوب الطيبة والمحبة للخير والداعية لدعم حرية الإنسان، وأرعب كل سلطة تصادر وتقصي روح الإنسان ووعيه، وسفه كل متحيز وعنصري، وحقّر كل جاهل وجبان.
فكوني بسلام وحرية هناك.