كورونا دروس وعبر

سالم بن سيف العبدلي
كاتب ومحلل اقتصادي
يقال دائمًا الفرص تولد من رحم المحن وأن الأزمات تأتي بالمنح، وعلى المستوى الشخصي يتعلم الواحد منا العديد من الدروس والعبر مع أي أزمة أو محنة يتعرض لها ويقوم بترتيب أولياته ويعيد النظر في بعض العادات والتقاليد التي كان يمارسها، وهكذا الحال بالنسبة للدول فينبغي أن تتعلم من الأزمات دروسًا مفيدة وتعيد ترتيب أولياتها على ضوء الظروف المحيطة بحيث تستفيد من الإيجابيات وتطورها وتتفادى السلبيات وتحوّل المشكلات والتحديات إلى قصص من النجاح.
وفي ظل الأزمة التي يعيشها العالم حاليًا وهي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) فإن هناك العديد من الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها وهي كثيرة لا يمكن حصرها في مقال وتحتاج إلى تحليل ودراسة متعمقة من قبل طلبة العلم والمتخصصين وهنا فقط نحاول أن نشير إلى بعض الدروس التي ظهرت جليًا وهي تنطبق على معظم دول العالم.
هذه الأزمة كشفت عن بعض الإخفاقات والتي تحتاج منا إلى وقفة ومعالجة حيث اتضح بأننا حتى الآن على سبيل المثال غير قادرين على مواكبة تقنية المعلومات أو ما يسمى بالحكومة الإلكترونية والتي بدأنا في الترويج لها منذ أكثر من 20 سنة فما زالت العديد من المؤسسات غير مستعدة لمواكبة عصر التقنية كما أن البنية الأساسية لشبكة المعلومات مازالت دون المستوى ناهيك عن أسعار هذه الخدمة تعتبر مرتفعة مقارنة ببعض الدول.
شبكة المعلومات يمكن أن تكون بديلًا للقاءات المباشرة وقد تقوم بالدور نفسه بل تتفوق عليها في بعض الأحيان من هنا لاحظنا أن العديد من المؤسسات الرسمية والخاصة تحولت إلى استخدام البرامج والتطبيقات الخاصة بالتواصل الاجتماعي والاجتماعات رغم بعض الصعوبات الفنية والإدارية التي أشرنا إليها، ولاحظنا عقد الفعاليات من اجتماعات رسمية وندوات وحلقات عمل ومحاضرات ودروس من خلال لقاءت افتراضية (عن بعد) وحققت الأهداف المرجوة باستخدام برامج مثل زووم وغيرها من البرامج والتي لم نكن نعرفها ولا نستخدمها من قبل.
استخدام هذه الوسائل فيه توفير كبير في الوقت والجهد والمال كما أنها شجعت المشاركين على الحضور والتفاعل وطرح الأسئلة والمناقشة وهم جالسون في مكاتبهم أو في منازلهم أو في أي موقع تتوفر فيه شبكة المعلومات، فقط المشكلة الرئيسة التي واجهها البعض هو ضعف الشبكة وانعدامها في بعض الأماكن.
هذه الأزمة بيّنت أهمية الأمن الغذائي والدوائي ومدى مقدرة الدول على توفير الغذاء والدواء للمواطنين والمقيمين أثناء الظروف غير الطبيعية، وبالنسبة للسلطنة نستطيع القول ولله الحمد استطعنا حتى الآن أن نضمن توفر مختلف أنواع السلع الغذائية الرئيسة ولم يتأثر المستهلك وظلت جميع الاحتياجات الغذائية والدوائية متوفرة وبأسعارها المعتادة، فقط لا بد من التأكيد على أهمية إعطاء هذين القطاعين أهمية كبيرة واهتمامًا وتوفير التسهيلات المناسبة للاستثمار فيهما.
أظهرت هذه الأزمة أن السلطنة تمتلك مقومات وإمكانيات كانت معطلة خلال الفترة الماضية فعلى سبيل المثال لاحظنا انتعاش القطاع اللوجستي خاصة النقل البحري حيث قامت موانئ السلطنة بتسيير رحلات بحرية مباشرة إلى أكثر من 40 دولة حول العالم تنقل البضائع من وإلى السلطنة دون أي عوائق تذكر.
الكثير من العادات والتقاليد التي كانت سائدة في المجتمع تغيرت وهذا يؤكد لنا أننا يمكن أن نستغني عن بعض المظاهر التي كانت سائدة خاصة في الأفراح والأتراح مثل الأعراس وعقد القران وإقامة العزاء في المجالس وما يصاحبه من ازدحام شديد وإقامة الولائم والمبالغة في إظهار الفرح في المناسبات السعيدة والتقليد الأعمى لدى البعض ودفع مبالغ طائلة والتي تقصم ظهر أصحاب المناسبة بينما سمعنا هذه الفترة أن بعض الشباب تزوج ولم يصرف أكثر من 300 ريال عماني.
ويبقى السؤال هل نحن مستعدون بعد انتهاء هذه الجائحة -والتي نتمنى بإذن الله تعالى أن تكون قريبا- أن نستمر على هذا النظام والذي أجبرتنا الجائحة أن نسير عليه ونغيّر من بعض عاداتنا الاستهلاكية وتقاليدنا المعتادة ونطور من بعض الوسائل والمهارات التي تعيننا على مواكبة المستقبل أم سوف نعود إلى ما كنا عليه قبل الجائحة؟؟ نترك الجواب مفتوحًا وسوف تجيب عن الأيام والأشهر القادمة.