من ذاكرة النقد.. عندما قال طه حسين “يونانيّ لا يُقرأ”!

إيهاب الملاح

  • 1 –
    تحفِل ذاكرة النقد العربي في المائة سنة الأخيرة بالعديد من المحطات والكتب والمؤلفات والمعارك التي كانت تمثل جزءا لا يتجزأ من حيوية ونبض ومشروع النهضة والتنوير الذي يكافح عالمنا العربي كله لإتمامه، وإنجاز تصورات مقنعة وملموسة للحداثة والتحديث على أرض الواقع طوال قرنين ماضيين.
    ومهما قيل في البدايات أو الإرهاصات الأولى للنقد الحديث في ثقافتنا العربية؛ فإننا بلا شك سنعد ما أنتجه طه حسين وجيله طيلة الفترة من الربع الأول من القرن العشرين، وحتى غياب آخر ممثلي هذا الجيل في السنوات الأخيرة من القرن ذاته، البدايات الحقيقية والجادة والأصيلة للنشاط النقدي الحديث في الثقافة العربية.
    ظلّ طه حسين وأبناء جيله (هيكل، والعقاد، والمازني، وزكي مبارك، وأحمد أمين، وأمين الخولي.. إلخ) يهيمنون على الساحة الفكرية والنقدية بمؤلفاتهم وأعمالهم ونشاطهم النقدي الزاخر قرابة نصف القرن، وكان كتابُ طه حسين “في الشعر الجاهلي” (أو “الأدب الجاهلي” في طبعته اللاحقة، بعد ما حذف ما أثار ثائرة المحافطين في الأزهر وفي أوساط رجال الدين) محطةً مفصلية في تدشين أدبيات النقد الاجتماعي التاريخي في إطار الأسس النظرية والفلسفية لنظرية التعبير الرومانسية.
    وجاء العقاد وجماعته الأدبية والنقدية من ممثلي الثقافة الأنجلو سكسونية ليدشنوا الفرع الثاني من هذه المدرسة بكتابهم الثوري “الديوان في الأدب والنقد”، وفي إطار المدرسة ذاتها كتب ميخائيل نعيمة الشاعر المهجري الكبير كتابه النقدي التأسيسي “الغربال”.
    كانت هذه الكتب الثلاثة هي التدشين النقدي الأول في الثقافة العربية الحديثة، وأول بيان مثمر للاحتكاك الثقافي والمعرفي والفكري بالغرب الأوروبي في ازدواجيته الملتبسة (الوجه الاستعماري البغيض والوجه الحضاري النهضوي المتقدم).
    وظلّ الأمر كذلك إلى أواسط الأربعينات ومطالع الخمسينات، حينما بدأت إرهاصات النقد الاجتماعي المستند إلى نظريات ماركس وإنجلز في التعبير عن نفسها بموازاة ظهور تيار الواقعية (بجناحيها النقدية والطبيعية) في الإبداع الأدبي العربي (الشعر والرواية والمسرح والقصة القصيرة) والتي نقلت الإبداع العربي نقلة كبيرة جدا في منتصف القرن العشرين.

  • 2 –
    رغم أننا لم ندرس مذاهب وتيارات النقد الأدبي الحديث إلا في فصل وحيد ونحن في الفرقة الرابعة بكلية الآداب، فإن ألمع وأهم الأساتذة الذين درسوا لنا بقية المواد والفروع كانوا من أساتذة تيار النقد الاجتماعي وخاصة (علم اجتماع الأدب) على وجه الخصوص؛ عبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي (عليهما رحمة الله)، وجابر عصفور، وحسين حمودة، وخيري دومة، وسامي سليمان..
    كلهم كانوا مثقفين كبار بالمعنى الاصطلاحي لكلمة “مثقف”، وكلهم يعتز بانتسابه إلى تقاليد التنوير والعقلانية التي أسسها وأرساها طه حسين، وتلاميذه من بعده؛ سهير القلماوي، وعبد العزيز الأهواني، وعبد المحسن بدر، وكانت النزعة العقلانية النقدية في تكوين هؤلاء جميعًا هي ما يمايزهم بمسافات عن غيرهم من أساتذة الأدب والنقد في الجامعات الأخرى (باستثناءات بارزة في بعض الجامعات الأخرى)…
    جميعهم كانوا ينطلقون في درس مذاهب النقد الأدبي من نصوص أعلامه الكبار؛ كان ذلك يشق على أغلب الطلبة، ويجعلهم يتخبطون بين صفحات الكتب التي يسمعون بأسمائها (وربما أسماء مؤلفيها!) لأول مرة في حياتهم، ناهيك عن قراءة نصوص لأسماء بقيمة: طه حسين، وهيكل، والعقاد، ومحمد مندور، ولويس عوض، ومحمود العالم وعبد العظيم أنيس، وغيرهم.
    وكان قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة (وأظن ما زال) يحرص على هذا التقليد المنهجي، وهو التعرف على الأفكار المؤسسة للتيارات والمذاهب النقدية من خلال تجلياتها في نصوص هؤلاء الكبار؛ فلا يمكن مثلًا أن نتعرف على ملامح نظرية التعبير الرومانسية وتجلياتها التاريخية الاجتماعية في النقد الأدبي من دون أن نقرأ نصوص طه حسين (“في الشعر الجاهلي”، و”الأدب الجاهلي”، و”حديث الأربعاء” مثلا) أو نتوقف عند محطة “الديوان في الأدب والنقد” المفصلية في تاريخ النقد العربي الحديث.
    ولا يمكن أن نقف على أبرز ملامح المنهج التاريخي؛ بمعناه المعرفي والفلسفي، كما طبقه باقتدار مثلًا تلاميذ طه حسين ومنهم شوقي ضيف في موسوعته الكبرى الغنية عن التعريف “تاريخ الأدب العربي” أو تلاميذه من بعده؛ مثل ناصر الدين الأسد في “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” أو في أطروحة يوسف خليف التأسيسية عن “شعر الصعاليك في العصر الجاهلي”… إلخ.
    وأذكر جيدا أننا توقفنا وقفات مطولة أمام صفحات من كتاب “في الثقافة المصرية” لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس الذي صدر للمرة الأولى عام 1955 في بيروت بتقديم الناقد والمفكر اللبناني اليساري المعروف حسين مروة.
    (الكتاب في صورته الأولى كان عبارة عن مقالات مفردة نشرت في مجلة “الثقافة الوطنية” التي كان يشرف عليها الناقد والمفكر اللبناني محمد دكروب، وهو الذي قام أيضًا بالإشراف على طبع كتاب العالم وعبد العظيم أنيس في بيروت، حيث كان يعمل عبد العظيم أنيس بعد طرده هو ورفيقه العالم من الجامعة المصرية في أعقاب أزمة الديمقراطية الأولى في مارس سنة 1954)
    لم نكن ندرك وقتها تأسيسية هذا الكتاب، ولا قيمته كوثيقة نقدية، خصوصًا أنه جاء بمثابة ثورة جذرية على نقد الآباء الرواد وللدرجة التي جعلت طه حسين يقول متهكما عنه “إنه يوناني لا يقرأ”! أو يرد العقاد على مقالات الكتاب بعنف زائد في واحدٍ من مقالاته اللاذعة التي جعل عنوانها “اضبط.. إنهما شيوعيان!”
    كان محمود أمين العالم في الثلاثينات من عمره آنذاك، وعبد العظيم أنيس كذلك. كان الأول باحثا واعدا في قسم الفلسفة تحصل على درجة الماجستير في موضوع “فلسفة المصادفة”، وكان على وشك الانتهاء من إعداد أطروحة الدكتوراه في “فلسفة القيم”، وكان عبد العظيم أنيس شابا عبقريا متخصصا في الرياضيات البحتة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة بريطانية كبرى، وكلاهما كانا مثقفين متحمسين يدينان بمرجعيتهما الفكرية والأيديولوجية لأدبيات الفكر الماركسي، وينطلقان في معالجاتهما النقدية ومفاهيمهما النظرية من أسس نظرية الانعكاس الماركسية.

  • 3 –
    جاءت مقالات الكتاب تحمل توجها نظريا مغايرا تماما لما كان سائدا من قبل، فضلا على بروز مفاهيم واصطلاحات لم تكن متداولة على نطاق واسع قبل ذلك في مقاربة وتحليل الأعمال الأدبية، فضلا عن التحليل الذي ستتردد بين جنباته مصطلحات “البرجوازية الصغيرة والمتوسطة”، وثنائية”الشكل والمضمون” و”الانعكاس الآلي الميكانيكي” و”الانعكاس الحركي الجدلي”، و”التحليل الجمالي الشكلي”.. إلخ
    وكانت هذه المغايرة سببا في إحداث هزة كبيرة وجدل واسع في الأوساط الأدبية والنقدية ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي أيضا، بالتأكيد أحدث الكتاب هزة عنيفة للمجتمع النقدي والفكري في مصر والعالم العربي؛ وبدأ يتشكل تيار حقيقي يتبنى أنصاره مبادئ ومفاهيم النقد الماركسي، وأصول نظرية الانعكاس، كل بحسب ثقافته وتكوينه واطلاعه واجتهاده الشخصي في التنظير والتطبيق؛ لكني أستطيع القول بثقة أن فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قد شهدت بزوغ أعمال خصبة ومهمة في الدراسات النقدية ويكفي أن نشير إلى المعالجات النقدية للروايات والمسرحيات التي زخرت بها تلك الفترة من أعمال وإنتاج باهر.
    لكن هل يعني ذلك أن يصف البعض الكتاب أو غيره بأنه “أهم كتاب نقدي في تاريخ الثقافة العربية”؟! هكذا؟!

  • 4 –
    رغم أن البعض ما زال مولعا باستخدام التعابير والاصطلاحات الفضفاضة وغير المنضبطة في الوصف والتقييم، فإنني لا أميل أبدًا إلى مثل هذه الإطلاقات التي يولع بها هذا البعض من قبيل “أهم كتاب في تاريخ النقد العربي الحديث”.. فهذه الصيغ تجافي الحقيقة، ناهيك عن الإخلال بالتوصيف النقدي الدقيق الذي يجعل أي كتاب مؤثر أو كتابة بعينها مهمة مشروطة بظرفها التاريخي وسياقها الاجتماعي والثقافي.. ومن هنا فإنني أتحفظ كثيرا على مثل هذه الأوصاف التي يرددها بعض الصحفيين المشتغلين بالحقل الثقافي، من دون تدقيق ولا معرفة تسمح بصياغة دقيقة ومهندمة في هذا المجال المعرفي الرصين!
    ولا يكفي أبدا الانتماء الفكري والسياسي وحده لمذهب من المذاهب أو الحماسة الأيديولوجية وحدها لتبرير فعل التضخيم والتهويل وإضفاء ما ليس حقيقيا على شيء مهم فعلا وقيمته محفوظة لكن من دون تهويل ولا انحراف عن صورته التي هو عليه في الحقيقة.