جيهان العذوبية: القمع يؤدي إلى الميول للعصبية والسلوكيات الانحرافية وتنافر في العلاقات الاجتماعية

جولة في أسرار الصحة النفسية

نحتاج لتعليم أبنائنا مهارة الذكاء العاطفي لأن قمعها لن يجعلهم ناضجين كما نريد

حوار- رقية بنت شامس الكندية

كم من المرات التي منعت نفسك فيها من البُكاء لأن الدموع لا تليق بمظهرك القوي؟ وكم من المرات التي لم تتفوه بها بشيء حين كنت ترغب بالكلام؟ في كل مرة كنت تمر بموقف يُشعرك بالحزن أو بالإحباط أو المأساة، هل تضطر لأن تخبئ هذه المشاعر بداخلك؟ هل تختار لها حفرة وتدفنها فيها؟ أحقا يتشافى المرء بالصمت والكتمان؟. في هذا الحوار ستأخذنا الأخصائية النفسية جيهان بنت سليمان العذوبية، عضوة في فريق سيكلوجية الشباب التطوعي، في جولة حول أسرار الصحة النفسية.

ما رأيك في مقولة عالم النفس السويسري كارل يونج: «أساس كل الأمراض العقلية هو عدم الرغبة في تجربة معاناة مشروعة»؟

قد يبدو لنا أن منح المشاعر حرية الرحيل والمغادرة مرادفا للضعف ولذلك نتمسك بها، ومن أسباب ذلك هو أن هناك خلطا بين مفهوم الكبت ومفهوم التحكم بالمشاعر السلبية، وبين المفهومين خط رفيع لذلك وارد جدا أن يقع أحدهم ضحية لمشاعره التي كان من المفترض لها أن تغادر مسبقا. ففي كل مره تكبتها تظن أنك تعاملت مع مشاعرك واستطعت التحكم بها بطريقة مجدية بينما كل ما فعلته أنت هو أنك منحت الألم عمرا آخر.
والأغلب دموع الحزن لا نبكيها، كمية الغضب لا نصرخها، ونستبدل مشاعر الضيق بابتسامة، وغيرها من المشاعر التي نكبتها ونقمعها ظنًا منا أنه العلاج الأمثل لمثل هذه الخبرات والتجارب السلبية أو السيئة. وبينما نجد في الصمت الانتصار وفي الكتمان محاربة للضعف في الحقيقة كل هذا الأمر يزيد من الألم النفسي.

ما الفرق بين قمع المشاعر والتحكم بها؟

القمع أحد آليات الدفاع عن النفس، وفيها يعمل الشخص على إبقاء مشاعره وأفكاره بعيدا عن وعيه ليحمي نفسه من الصدمات أو ليقلل مشاعر القلق ويحمي عقله الواعي من الأفكار غير المقبولة.
بينما التحكم بالمشاعر هو كيفية قبولها واحترامها ثم التفكير الصحي في كيفية التعامل معها بوعي.

ما النتائج المترتبة على القمع؟

كون القمع ليس الحل المثالي للتخلص من المشاعر السلبية، فإن قمعها وتراكماتها تؤدي إلى نتائج سلبية؛ ذلك أن الكثير من القمع والحفر من أجل دفن تراكمات المشاعر يؤدي -يوما ما- إلى انفجار بطريقه لا يمكن توقع خسائرها.
وتختلف الآثار من شخص لآخر، ومنها تصبح لدى الشخص ميول عصبية، سلوكيات انحرافية، خلل أو تنافر في العلاقات الاجتماعية. ولتجنب الألم قد نخدع أنفسنا بالعمل المفرط، الأكل الكثير، إدمان للمخدرات أو الاستهلاك المفرط في التسوق، بالإضافة قد تسبب الاكتئاب أو القلق وكلاهما يؤثر على الصحة الجسدية.

ما أسباب قمع المشاعر؟

منذ الصغر تقمع مشاعر الحزن فإذا بكت الطفلة أو بكى الطفل كان يقال لهم: «عيب تبكي أنت كبيرة أو أنت رجال». نحن نحتاج لتعليم أبنائنا مهارة الذكاء العاطفي لأن قمعها لن يجعله ناضجا كما نريد بل سنؤدي إلى ترسبات في المشاعر السلبية التي كان عليها الرحيل لكن مع ذلك قمعناها، وحين يكبر ستنفجر كل هذه التراكمات أو ستظهر بطريقة ليست مقبولة.
ومن الأسباب الأخرى هو الخوف من الناس، فيقمع مشاعره حتى لا يتعرض للانتقادات الشديدة منهم فتكثر الأقاويل عنه، ومن جانب آخر حتى يحافظ على صورته أمام نفسه فهو لا يبكي لأنه قويا صلبا، والحقيقة أنه لا أحد يريد أن يكون ضعيفا منهزما أمام مشاعره لذا يجاملها.

ما السبيل إلى التخلص من قمع المشاعر؟

إن أول خطوة للتخلص من قمع المشاعر هو إطلاق سراح كل المشاعر الأليمة التي نمر بها أو مررنا بها أو قد نمر بها، ونبدأ بفك سراح المخزون المدفون للحرية والتخلص من الشبح وكل التجارب المؤلمة.
تعلم مهارات التعامل مع المشاعر السلبية بوعي ومنطقية أكثر؛ فكلا من الأطفال والمراهقين بحاجة إلى إعادة النظر في التربية التي يتلقونها من آبائهم، ومن الأفضل لمن يعاني من القمع من مدة طويلة وتطور الأمر إلى قلق أو غيره التواصل مع مختص في العلاج السلوكي لمساعدته. وفي المقابل، على الآباء تعويد أبنائهم على التحدث عن مشاعرهم وكذلك إيجاد طريقة للتعامل معهم تعزز مهاراتهم في التعامل معها بشكل صحي أكثر.

في النهاية عليك ترك ما يؤذيك، لأن قرار تمسكك بالماضي وعدم تقبل ما حدث سيعيقك من تكوين صورة ذاتيه قوية عن نفسك. لا تخف، فلابد أن تمر بالعقبات والأحزان ولا بد من الوقوع والإحباط ما دمت إنسانا حرا تسعى إلى ما تريده في هذه الحياة، ستأتيك لحظة تحتاج لتبكي وتصرخ وتعبر عن مشاعرك فلا تخجل أو تتردد في التعبير عنها بالشكل الذي يناسبك وبعقلانية أكثر، إن القوة أن تعلم متى تكون لطيفا على نفسك.