جائحة العلم الزائف

■ علي داود اللواتي
سنتذكّر عام ٢٠٢٠م بعام كورونا الشهير، ولعلّه سيدخل المناهج التعليمية وكتب التاريخ بهذا المسمّى أيضا، وسيكون من ضمن أخباره المتداولة مغالطات العلم الزائف وتقنياته الكاذبة. أذكرُ أني وخلال الأيام الأولى من إعلان الجائحة وجدتُ مُطهّرا لليد في المحل القريب من منزلي مطبوعا عليه بأنه يحمي من الإصابة بفيروس كورونا، وذلك في وقت لم يكن العلم بعد قد فهم الفيروس وطرق انتشاره فضلا عن اكتشاف العلاج المناسب له. آنذاك ظهر سياسيون بارزون ومدّعو علم ودين على مختلف قنوات الإعلام لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي وهم يقدّمون حلولا وعلاجات عجائبية أشبه بالسحر أو ينكرون الجائحة من الأساس ويؤكدون وجود مؤامرة عالمية تديرها مؤسسات ماسونية أو شركات أدوية أو حكومات مُعادية أو رواد شبكة الجيل الخامس من الاتصالات اللاسلكية.

يتميّز العلم الزائف بكونه صعب الاكتشاف لأنه يستخدم نفس المفاهيم التي يستخدمها العلم الحقيقي، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك استخدام المعتقدين بمفاهيم مثل الطاقة الإيجابية والسلبية أو طاقة الحياة التي تسري في جميع المخلوقات مفاهيمَ من علم فيزياء الكمّ. لا يصعب علينا اليوم أن نصنّف التنجيم – مثلا – ضمن خانة الجهل فضلا عن تصنيفه كعلم زائف، فقد أصبحت حقيقة كونه مجرد خرافة واضحة جدا لدرجة تجعلنا نسخر من أي أحد يعتقد به، ولكنّ هذه الدرجة من الوضوح لا تنطبق على كثير من العلوم الزائفة، خاصّة تلك التي تقع بالقرب من الحد الفاصل المميز بينها وبين العلوم الحقيقية.
لعلّ أول من تعرّض لمفهوم العلم الزائف وقام بتوضيح الفرق بينه وبين العلم الحقيقي هو فيلسوف العلم المشهور كارل بوبر. وُلد بوبر في النمسا في عام 1902م ولكنه كوّن نفسه كأحد أعظم عقول القرن العشرين في المملكة المتحدة. لقد انجذب بوبر منذ صغره إلى العلم وهو يسمع ويقرأ عن الطفرات العظيمة التي أحدثها مؤسس علم النفس التحليلي سيجموند فرويد وعالم الفيزياء الحديثة ألبرت إينشتاين. وقد دفعه اهتمامه هذا لِأنْ يدرس التحليل النفسي وأن يحضر شخصيّا بعضا من محاضرات إينشتاين. لقد لاحظ بوبر أنّ الأسلوب العلمي الذي يستخدمه إينشتاين يختلف كثيرا عن ذلك الذي يستخدمه فرويد، فهذا الأخير يدرس الماضي ليصل إلى فهم الحاضر والمستقبل، ولا يصعب عليه الحصول على كمّ هائل من الأدلة التي تدعم نظرياته، لدرجة أن أي شيء يمكن أن يتحول إلى دليل داعم عنده، فالشخص الذي يعاني من اضطراب نفسي ما قد يكون لم يحصل على الحبّ من والديه في الصغر، ولكن في نفس الوقت الحصول على الحب في الصغر ليس شرطا لعدم المعاناة في الكبر. بينما يحاول إينشتاين – حسب ما لاحظ بوبر – أن يفهم المستقبل، وينتظر أحداثا مستقبلية لتثبت صحة أو خطأ نظرياته، كانتظاره لظاهرة كسوف الشمس عام 1919م والتي أثبتت صحة نظريته النسبية العامّة.
بالنسبة لبوبر، طريقة إينشتاين أكثر عرضة للخطر ولكنّها على الأقل واضحة ليس في شروط صحّتها فحسب بل في شروط خطئها أيضا، وهو أمر غير متوفّر البتّة في طريقة فرويد، التي يمكن لأي شيء أن يثبت صحّتها ولا شيء يمكن أن يثبت خطأها، فهي دائما صحيحة وواضحة للعيان. «النظرية التي تشرحُ كل شيء لا تشرحُ شيئا». يوضّح بوبر أن العلم الحقيقي هو القابل للدحض أو الخطأ وليس القابل للتأكيد، بمعنى أن العالِم لا ينبغي أن يبحث عمّا يدعم نظريته بل عمّا يدحضها، فهو مهما بلغت درجة وعيه لا يمكنه أن يتخلص من أفكاره السابقة وبالتالي لن يصعب عليه التوصل إلى نتائج توافق تلك الأفكار أو يحصل على أدلة تدعمها. «بقدر ما يتحدّث تقرير علمي ما عن الواقع، فإنّه يكون قابلا للدحض. وبقدر ما لا يمكن دحضه، فإنه لا يتحدث عن الواقع».
ومن النقاط الأخرى المهمّة التي يركّز عليها بوبر هي أن النظرية العلمية ليست مبرّأة من الخطأ بل وليست معنية بتقديم الجواب الصحيح، ولكنّ ذلك ليس نقصا فيها بل فضيلة عظيمة، لأننا كلما استطعنا أن نميّز الأخطاء والأوهام كلما استطعنا أن نقترب من الصواب، وذلك هو المطلوب. وهكذا، حتى لو صمدت نظرية علمية أمام شروط خطئها إلا أن ذلك ينبغي ألا يعني أنها صحيحة مطلقا، فقد يظهر في المستقبل ما يثبت خطأها أو محدوديتها. «متى ما بدا لك أنّ نظرية ما هي النظرية الوحيدة الممكنة، خذ ذلك علامة على أنك لم تفهم النظرية ولا المشكلة التي كان من المُفترض حلّها». أما إمكانية التجربة المستمرة، وخاصة من قِبل أشخاص مختلفين، فهي شرطٌ أساسي لأي نظرية علمية، فما لا يمكن تجربته وفحصه باستمرار ليس علما من الأساس. «لعبة العلم، من حيث المبدأ، لا نهاية لها. ومن يقرر يوما ما أنّ البيانات العلمية لا تتطلّب أيّ اختبار آخر، وأنّه تمّ التحقق منها نهائيا، يتقاعد من اللعبة».
لا تنطبق فلسفة بوبر – بطبيعة الحال – على العلوم الطبيعية فحسب، فهي من حيث الأصل طريقة في اكتساب المعرفة الصحيحة وتمييز ما هو حقيقي عمّا هو غير ذلك. يمكننا بالتالي أن نطبّق هذه الفلسفة على وعود الساسة وخطط الحكومة كما يمكننا تطبيقها على أي منظومة فكرية، وقد طبق بوبر ذلك بنفسه على الماركسية التي كانت تدّعي أنها تحليل علمي للتاريخ القائم أساسا على معاناة الطبقات الاجتماعية، وأنّ ثورة العمّال قادمة لا محالة، ولكن عندما لم يثر العمّال، بدلا من التخلي عن النظرية، ذهب الماركسيون إلى لوم العمّال أنفسهم واتّهامهم بأنهم أصبحوا ضحايا الوعي الزائف. العالِم الحقيقي هو الذي يبحث عن أيّ طريقة لإثبات خطأ نظريته وعندما يجدها لا يستمر في التمسك بنظريته أو فكرته والتبرير لها بل يتخلى عنها فورا.
يحدّد أستاذ الفيزياء بجامعة لوك هافن، دونالد سيمانيك، أربعة أسباب رئيسية تؤدي إلى التصديق بالعلم الزائف والاستمرار في التمسك به:
– النزعة لتصديق الخوارق نظرا لأنّ العالَم الذي يصفه العلم مرتَبٌ ومقيّد للغاية.
– الاقتناع بوجود قوى خفية في الطبيعة يمكن للعقل البشري السيطرة عليها، إذا ما كان المرء مجتهدا بشكل كافٍ.
– الميل إلى الاعتقاد بعدم استحالة أي شيء طالما كان قابلا للتصور.
– إنكار نتائج العلم بناء على عدم ملاءمتها للثقافة الشخصية.
– الاعتقاد بأنّ العلم الحقيقي يجب أن يكون مفهوما من قِبل أيّ شخص.
إنّ العلم الزائف زائفٌ في كلّ الأوقات، ولكننا للأسف لا ننتبه لخطورته إلا في أوقاتٍ عصيبة كهذه، حين تكون الأمور على المحك. هي وظيفة المؤسسات التعليمية والصحّية بالدرجة الأولى، أن تنشر الثقافة العلمية الصحيحة، ليس في أوقات الأزمة فقط بل في كل الأوقات، وبكامل الشفافية المطلوبة لتمييز الحقيقة من الوهم، وهي وظيفة الباحثين المتخصصين كذلك، أن يتصدّوا لمحاولات سوء استغلال العلم ونتائجه لأغراض لا تمتُّ إلى العلم بصلة. تقول خبيرة المعلومات المُضللة في جامعة هارفارد، كلير واردل: «إنّ أفضل طريقة لمكافحة المعلومات المُضللة هي إغراق المشهد بمعلومات دقيقة يسهل استيعابها، ويمكن مشاركتها بسهولة على الأجهزة المحمولة». ليس هذا فحسب بل وتقديم الأسلوب العلمي كطريقة معتمدة للتفكير في جميع مناحي الحياة.

مراجع:
-بوبر، ك.، 2006. منطق البحث العلمي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
-مقال تيموثي كولفيلد المنشور بتاريخ 27 أبريل 2020 في مجلة Nature: العلوم الزائفة وكوفيد19- لدينا ما يكفي بالفعل.
-مدونة جانيت ستيمويدي على موقع Scientific American بتاريخ 4 أكتوبر 2011: رسم الخط الفاصل بين العلم والعلم الزائف.
-صفحة دونالد سيمانيك على موقع جامعة لوك هافن: ماهو العلم؟ ماهو العلم الزائف.