هل كانت لإنسان نياندرتال حياة روحية؟

فيليب مارسدن
ترجمة: أحمد شافعي
عندما درست الأنثروبولوجيا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كان بشر نياندرتال لا يزالون إلى حد كبير وحوش الماضي بارزة الجباه، الصارخة في الكهوف الدخانية المتبخترة وسط سهول التندرا القطبية. وكان اختفاؤهم من سجل الحفريات منذ حوالي 40 ألف عام نتيجة للمنافسة، إلى جانب قلة التزاوج بينهم وبين أسلافنا. احتفظت القصة، كما تلقيتها آنذاك، بشيء من وجهات النظر المتراتبة بشكل عام تراتبا هرميا على أساس عرقي عندما تم العثور على أولى الحفريات في ألمانيا، بالقرب من نهر نياندر، في عام 1856. لقد انقرض بشر إنسان نياندرتال بسبب مخلوق أكثر ذكاء. كان انقراضهم حتما لا مفر منه ـ وكان مفتاح اللغز بكمن في اسم هو: الإنسان العاقل ، أو الهومو سابينز.
قطع إنسان نياندرتال شوطا طويلا منذ ذلك الحين. ففي العقود القليلة الماضية، ظهر المزيد من الاكتشافات في المزيد من الكهوف، والمزيد من العظام والأدوات الحجرية للقياس، والمزيد من النفايات للفرز، والمزيد من مفاصل الهياكل العظمية للفحص. وحلت النسبية محل التراتب الهرمي باعتبارها السياق العام للتفسير. لكن ربما كان التقدم الأكثر لفتا للانتباه هو التوصل إلى مناهج التحليل. ساعدت دراسة الجينات والتصوير ثلاثي الأبعاد واستخدام نظائر الكربون 14 والسترونتيوم في كشف تفاصيل دقيقة عن ملامح الوجه وطبيعة النشاط (كيف كانوا يجلسون وما الذي كانوا يحملون)، فضلا عن بنى اجتماعية محتملة. أدى ذلك أيضا إلى وابل من الدراسات والبحوث الأكاديمية التي أجهزت على أي أمل في فهم شعبي.
شاركت ريبيكا راج سايكس بعمق في هذه الدراسات بنفسها، وقامت بجهد غير عادي في تصفيتها وتحويلها إلى سرد مقنع يمثل قراءة رائعة. ويكمن نجاحها في تقديمها لنا لمحات من مشاهد حقيقية، لأفراد ومجموعات متخيلة إذ يمارسون حياتهم اليومية. فإذا بنا نحن في مجال إثنوغرافيا قديمة أكثر منا في مجال أدب خيالي (فهذا الكتاب ليس “عشيرة الكهف” لجين إم أويل أو “الورثة” لوليم جولدنج)؛ فما تأتي به إنما ينبع من رحلات طويلة في العلم. لكن التأثير عظيم بشكل مدهش. والأمر المؤسف الوحيد هو أنه إذا استمر التقدم في دراسات إنسان نياندرتال على هذه الوتيرة، فعما قريب سوف يصبح هذا الكتاب، ولو في التفاصيل على الأقل بالتفصيل، قديما تجاوزه الزمن.
ما نعرفه الآن عن بشر نياندرتال هو هذا. كان تركزهم في غرب أوراسيا، مع مواقع معزولة في سيبيريا ومجموعات في جنوب فرنسا وأيبيريا. كانت أدمغتهم أكبر قليلا من أدمغتنا (على الرغم من وجود قشرة أمامية ودماغية أصغر). كانت عيونهم وأنوفهم أكبر أيضا، ومن ثم أكثر فعالية. على مدار 350 ألف عام من وجودهم (أي عشرة أمثال وجود سلالتنا)، تعرضوا لتقلبات كبيرة في المناخ، بالإضافة إلى صدمات بيئية مفاجئة. في فترات مختلفة، كانوا يصطادون ويأكلون الأفيال والماموث، والثيران، والخيول العملاقة والخراتيت، وحيوانات بلح البحر، والدلافين وما شئت من البندق والبذور والبقول.
كان العنف بينهم نادرا، لكن الإصابات العرضية شائعة. كانوا يقيمون ملاجئ من الأعمدة والصخور، وينامون على الحصير، ويستعملون الأصباغ الملونة لتزيين الأصداف. وفهموا قيمة معالجة جلود الحيوانات بعصارة البلوطoak tannins . كانوا يحرقون العظام وكذلك الخشب والفحم. وكانت لهم مهارة استثنائية في استخدام الأدوات الحجرية، وقد نشأ ميلهم إلى الجانب الأيمن (الذي يلاحظ على كثيري التدريب من لاعبي الكريكيت أو التنس) من أنشطة خاصة مستمرة، أو كشط الجلود أو تشذيب الصخور.
ومن الأمور الأقل يقينا – وإن كانت تزداد قوتها كل اكتشاف ودراسة – أن بشر نياندرتال كانت لديهم لغة، وأنهم كانوا قادرين على التخطيط الجماعي (كإشعال حرائق الآكام، على سبيل المثال، لدفع الفريسة نحوهم). ولعلهم كانوا يدفنون موتاهم، بشيء من الطقوس، ولعلهم كانوا يبتسمون ويتحابون ويحزنون. ويبدو أن مواقع معينة في الأفق المحيط بهم كان لها قدرها عندهم، ربما كأماكن لذاكرة جماعية أو لتقليد معين. ولا يزال من غير الواضح بالضبط كيف اختفوا ولكن القليل منهم نجا، متمثلا في ما بين 2 و3 في المائة من الجينوم الخاص بنا.
وبعد قرابة ثلثي الكتاب، أي بعد فصول محسوبة عن النظام الغذائي وعلم الحفريات والصخور ـ تأتي حظة يتغير فيها كل شيء. على بعد 300 متر من كهف في وادي أفيرون، بجنوب غرب فرنسا، يقع نصب ذو غرض متعمد وغامض – “مكان” تقول راج سايكس إنه “يتجاوز الفرادة إلى الذهول”. يحدد التأريخ الإشعاعي الدقيق في عام 2013 أن بناءه قد تم قبل 174000 عام – وذلك وقت مبكر حتى وفق الزمن النياندرتالي، وقبل وقت طويل من وصول الإنسان العاقل [هومو سابينز]. طِنَّان من الصواعد المتكلسة – أكثر من 400 قطعة منفصلة – تم تكسيرها وتشكيلها وترتيبها في دائرتين. في بعض الأماكن، تم قلب الحجارة أو “المشغولات الكهفية” كدعم لأقراص صغيرة، بما يدل على إشعار نيران فوقها. لا يوجد سبب وظيفي واضح حتى لموقع الهيكل، فهو أعمق كثيرا من أن يصلح للسكنى. إنه أمر محير ومغر بالتكهنات، بقدر الدوائر الحجرية في أواخر العصر الحجري الحديث. وهو يجعلنا أقرب إلى بشر نياندرتال ككائنات واعية أكثر من جميع الدراسات الأخرى مجتمعة.
على طول طريق التطور البشري السريع – الذي لم يبق من أحد يتحرك عليه غيرنا ـ يقع حطام العديد من الأنواع الفرعية. من بين أكثر من اثني عشر أو نحو ذلك في العصور الحديثة، هناك الهومو أنسستورز والهوموناليدي والالهومو فلورسينسيس الصغار الشبيهين بالهوبيت. وليس لأي من أولئك ما لنياندرتال من جاذبية لدينا. فبشر نياندرتال هم أقرب أقاربنا، ولهم ذلك السحر العميق الخاص بالأقارب المفقودين. فعدد من يبحثون في جوجول عن نياندرتال أكثر ممن يبحثون عن “التطور البشري”. بل إن لدينا عطرا تجاريا اسمه “نياندرتال” (رائحة صخور الصوان المشذبة).
من أكثر التأثيرات المدهشة لهذا الكتاب ما يتمثل في الاهتمام مهووس بإنسان نياندرتال – فالباحثون يقضون ساعات في جمع أسنانهم ليفهموا بالضبط كيف كان إنسان نياندرتال، وهم يضعون جينات إنسان نياندرتال في الفئران والضفادع، ويضعون دماغ إنسان نياندرتال “مستزرع” في روبوت. فهذا علم بلا هدف نفعي، بلا أمل في شفاء مرض، بلا قفزة تكنولوجية موعودة. وإنه يقول الكثير عن جنسنا البشري، الآن، بقدر ما يقوله عن إنسان نياندرتال نفسه. إنه الفضول المحض والبسيط – الفضول الرائع الذي لا يخلو من جنون.

نشر المقال في ذي سبكتيتور في 12 سبتمبر 2020