الناقد الذي يكتب الرواية .. عمّ يبحث؟ وهل سيلتزم بمعاييره النقدية؟

استطلاع – بشاير السليمية
  • عبد الرحيم جيران: لا يَفْهَم التخييل حقّ فهمه سوى الناقد الذي أتى إلى النقد من باب مِراس الإبداع.
  • زهور كرام: عندما ينتقل الناقد إلى كتابة الرواية فإنه ينتقل من مجال إلى آخر ومن لغة إلى أخرى.
  • رسول محمد: الناقد الذي يسعى إلى تأكيد ذاته النقدية سيكون غبيا إذا ظهرت روايته نقدية أكثر منها روائية
  • محمد طه: خلق أسئلة تناسب مفاهيم النقد وتتمرد على واقع الثبات هو الحل

 


مذ فكرت بموضوع هذا الاستطلاع ومقولة ” الناقد مبدع فاشل ” المنسوبة إلى الكاتب والروائي العربي عبد الرحمن منيف حينما سئل عن دور وأهمية النقد تلمع في ذهني، فكان السؤال: عما يبحث الناقد عندما يكتب الرواية؟ وهل سيلتزم بمعاييره النقدية في روايته؟
في استطلاعنا هذا يممنا إلى مرافئ قدرات الناقد في التحول من ناقد إلى مبدع يكتب الرواية في محاولة لاستقراء قدرته في تمثل الواقع وتأويله بعيداً عن درسه النظري الذي يجيده ويبدع فيه
لم أتخيل مساحة الاختلاف في تفسير عم يبحثه الناقد حينما يكتب الرواية وصولاً لملامسة حالة ” التمرجح ” بين الالتزام بالقواعد أو تجاوزها.

“الرواية والأدب يُعلِّمان الناقد، لا العكس”
البروفيسور عبدالرحيم جيران
أديب وناقد مغربي

“لا ينبغي على الروائي أن يبحث في الرواية إلّا عنها هي، سواء أكان ناقدًا أم غير ناقد، ومعنى هذا أنّ عليه بالالتزام بما تفرضه شروط هذا الجنس وإمكاناته في تمثيل العالم، بل أن يلتزم بمحِّددات الإبداع قبل الرواية نفسها؛ فإذا كان النقد يتمثّل العالم بوساطة التجريد باصطناع مفاهيم لفهمه فإنّ المبدع يتمثلّه متوسِّلًا بالتشخيص الذي يعتمد على الملموسية. ولهذا فالناقد حين يقرأ الرواية يعمد إلى تحويل تعبيرها الملموس المشخِّص إلى مفهومات. وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ له في أثناء سعيه إلى كتابة الرواية من أن يتحلَّى بفضيلة الحرباء التي تُغيِّر لونها كلّما وجدت نفسها في بيئة مخالفة؛ فلا مناصّ له من التخلّي عن التنظير المفهوميّ، ويُعِدّ نفسه لكي ينتقل إلى التعبير التشخيصيّ الذي لا يتحقّق إلّا بتحويل الأفكار المجرّدة إلى أشياء مجسَّدة باصطناع الوسائل التمثيليّة التي يُتيحها التخييل الروائيّ، من حبكات قائمة على صيرورات زمانيّة وشخصيات فاعلة، ووصف للعالم الفزيائيّ الذي تتمّ فيه الأحداث.
صحيح أنّ الروائي لا يأتي إلى العالم خالي الوفاض من المعرفة النظريّة أو الأسئلة الفكريّة، بل لا بدّ له من أن تكُون له ذخيرة مهمّة متّصلة بما بالفلسفة والتاريخ ونظريات الاجتماع وعلم النفس وغير هذا من المعارف المساعدة على فهم العالم، لكنه لا يحقّ له توظيفها كما هي في عمله الروائيّ؛ أي في هيئتها المجرّدة، بل يتحتّم عليه أن يُحوِّل نتائجها بوساطة تشخيصها الحيّ؛ وهو في هذا ملزم بعدم الاكتفاء بعملية التحويل هذه، إذ يكُون مضطرًّا إلى إخضاع تلك النتائج إلى اختبار أسئلته الخاصّة، وإلى إمكانات التخييل في النفاذ إلى الواقع من خلال مداخل لا تتوافر عادة للفيلسوف أو العالِم أو المؤرِّخ. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ القدرة على تمثيل الواقع وتأويله في الرواية بصفة خاصّة والأدب بصفة عامّة أكثر نجاعة من المعارف التجريديّة، لأنّها تُمكِّن الروائي من ملامسة ما يستعصي على الدرس النظريّ الذي يُبعد من مجاله ما لا يتلاءم مع مقتضياته أو أنساقه. وما ينبغي عدم نسيانه هو أنّ الرواية والأدب يُعلِّمان الناقد، لا العكس؛ لأنّ النصوص التخييليّة التي تُهدِّم الأشكال الفنّيّة وتُعيد بناءها هي التي تُعطيه إمكانات تجديد رؤيته النقديّة، بل تمدُّه بإمكانات اصطناع المفاهيم والأدوات؛ فالنصوص الجيِّدة هي التي تصنع النقّاد.
ولمن الأكيد أنّنا قد نُلفي عددًا من الروايات التي تُعنى بالتنظير الداخليّ، لكنّها لا تفعل هذا بطريقة المنظِّر الناقد، إذ تتوسّل- في هذا الصدد- بمحاورة نصوص سابقة عليها من طريق إحداث مسافة جماليّة حيالها، واعتماد وسيلة التعرية. وقد نجد نصوصًا روائيّة تتضمّن أفكارًا فلسفية، لكنّها لا تتعامل معها بطريقة الفيلسوف وأسلوبه، وإنّما تعمد إلى تحويلها إلى أفكار على لسان الشخصيات وهي تتحاور في ما بينها معبِّرة عن تخالف وجهات نظرها في فهم العالم وتأويله. وفي الأخير لا يَفْهَم التخييل حقّ فهمه سوى الناقد الذي أتى إلى النقد من باب مِراس الإبداع.
التنظير الداخلي، الاشتراك في الابتكار هي تعلم النقاد”.

“إذا كتب الناقد بوصاية النقد، فإنه سيكتب كتابة دون أن يُبدع نصا إبداعيا”
أ.د زهور كرام
أديبة وناقدة مغربية

 


“يحتاج الاقتراب من هذا السؤال تحديد بعض الوضعيات، من أجل ترتيب العلاقة بين كتابة الرواية وكتابة النقد. للرواية لغتها الخاصة والاستثنائية، وهي اللغة الأولى، التي تنزاح عن الواقع واليومي، وتأتي بطبيعة رمزية، لهذا تكون إيحائية، فتتطلب التأويل، و لا تقبل الشرح والتفسير والفهم والمعنى الواحد. وبالتالي، فإن المجيء إلى كتابة الرواية يتم بشروط بعضها يدخل في الموهبة والرغبة العاشقة للسفر باللغة الرمزية إلى عوالم محتملة، وبعضها يتحقق بالصنعة في الكتابة، من خلال ثقافة القراءة المفتوحة على كل الحقول التي تسمح بسعة الخيال والمعجم والرموز، إضافة إلى شرط أسميه شخصيا ” الصدق مع إبداع الحالة”، والتي أقصد بها، أن يعيش الكاتب حالة معينة ولا يطلبها ، أو يصطنعها، وأن يكون قادرا على التقاط ضوئها زمن مخاضها. إن تزييف الحالة، يؤثر في شرط التقاط الضوء، أو بتعبير أكثر دقة، لن يكون للحالة المُزيفة ضوء، والضوء هو الشعلة التي تُحولها الكتابة إلى رواية أو قصة أو قصيدة شعرية أو أي شكل تعبيري إبداعي أو فني. لا أعني بالصدق في هذا المجال كتابة ما يعتبره الكاتب أو الواقع صدقا، إنما الصدق هو علاقة خاصة بين الكاتب والحالة التي يعيشها، أما الناقد فإنه يفكر بلغة ثانية، أي اللغة الواصفة التي نقصد بها لغة المفاهيم والنظريات والمعرفة الأدبية. لغة ثانية تحلل اللغة الأولى للإبداع. لهذا عندما ينتقل الناقد إلى كتابة الرواية فإنه ينتقل من مجال إلى آخر ومن لغة إلى أخرى. شرط الانتقال وطبيعته هو الذي يُحدد طبيعة الكتابة ومصداقيتها الإبداعية. إذا افتعل الناقد الحالة، وكتب بوصاية النقد، فإنه سيكتب كتابة دون أن يُبدع نصا إبداعيا . قد يأتي النص مُرتبا لكنه سيفتقد لضوء الحالة التي تصنع الإبداع. الإبداع ضد الافتعال، كما أن النقد ضد الانطباع. عندما يكون الانتقال طبيعيا تفرضه رغبة الضوء، فإن الرواية تتحول إلى تجربة جديدة أمام الناقد عبرها يُسائل الكتابة من موقع مختلفٍ عن النقد. في هذه الوضعية، فإن الكتابة تستفيد من دخول الناقد إلى مجالها . غير أن الناقد المبدع لا يستحضر النظريات النقدية لبناء الرواية، ولا يكتب تحت وصاية النقد، إن فعل تعثرت كتابة الرواية، وتلاشى ضوء الحالة. لكن تجربة الكتابة النقدية تُسهم في صناعة النص بشكل ضمني. نحن لا نكتب من فراغٍ، فالتجارب والقراءات والخبرات في الحياة هي عينُ الكتابة، فكما يستلهم الروائي شخصياته من شخوص واقعية يُدخلها في وضعيات جديدة، ويضعها في تركيبٍ مختلف، حتى تنزاح عن وضعها الطبيعي، كذلك الأمر يحدث مع المعرفة والذاكرة الثقافية للناقد-المبدع.
لهذا، لا يمكن الحديث عن التزام الناقد بالمعايير النقدية في كتابة الرواية، لأن الناقد لا يُجرب كتابة الرواية، إنما يُبدعها، والإبداع لا يتطلب الوصايا. الإبداع انزياحٌ تام عن شروط الوصايا للحياة والعلاقات والواقع واليومي والنظريات، لأنه ينطلق من ضوء الحالة، وليس الكل مُؤهلا لتشخيص الضوء رواية. شخصيا، وإن كنتُ بدأت كتابة الرواية قبل النقد، فإني عندما أكتب الرواية، لا أستحضر ممارستي النقدية، لأني ساعتها أكون في حضرة ضوء الحالة. لم أجرب يوما الانزياح عن الضوء، لهذا لا أذكر أني تذكرت ممارساتي النقدية. غير أن الفعل النقدي يخدم الكتابة الروائية بطريقة ضمنية. من هنا، يمكن الحديث عن خدمة الناقد للرواية، لأنه يطور أسئلة الكتابة، وخدمة الكتابة للناقد لأنها تفتح أمامه مجالها الرمزي لكي يصوغ أسئلته بطرق جديدة.
الناقد مكسب للرواية كما الرواية مكسب للناقد شريطة أن تتم عملية التفاعل وِفق ضوء الحالة، بعيدا عن الافتعالِ والوصايا”.

“لا يمنع أن تكشف رواية الناقد الكاتب ثقافتهُ النقدية”
د. رسول محمد رسول
روائي وناقد عراقي


“الاحتمالات كثيرة فربما لتأكيد ذاته بوصفه مبدعاً في قول ما يريد قوله، وربما يعاند فيتحدى ليكتب رواية وهو ناقد وهنا تأتي النقدية في كتابة روايته، إن هذا النوع من الكتاب ولا شك يسعى إلى تأكيد ذاته النقدية سيكون غبياً إذا ظهرت روايته نقدية أكثر منها روائية، لذلك ليس شرطاً أن يكون الروائي من هذا النمط بحيث يظهر كناقد ولكن لا يمنع أن تكشف روايته التي يكتبها ثقافتهُ النقدية، هذا ما لجأت إليه في روايتين لي هما (يحدث في بغداد) و(أنثى غجرية)”.

“تجديد أدوات القراءة عند الناقد الكاتب ستساعد على حصد نتائج متميزة”
محمد طه العثمان
شاعر وروائي وناقد سوري

“حين يقرر الناقد أن يكتب عملا إبداعيا رواية كان أم شعرا؛ ينتابه خوف السلطة والرقيب الذي في داخله؛ كون هذا الهاجس الذي يتخلله يكون شديد السطوة عليه.
فالنقد يفرض عليه الالتزام والإبداع يعلمه ألا علو وتجاوز من دون اختراقات. وهنا يظل الناقد الكاتب يعيش حالة التمرجح بين رفض الخروج عن القواعد، وبين قبولها… وهذا ما عشته أثناء كتابة روايتي حربلك؛ فكان الحل عندي هو أن أخلق أسئلة تناسب مفاهيم النقد وتتمرد على واقع الثبات؛ فكان عندي من الواجب التخلي الكامل عن روح الناقد داخلي، وهذا ما فعلته في لحظات الكتابة، لأقترب أكثر من روح المغامرة الإبداعية وأبتعد عن اليقين والقوالب المسبقة، خصوصا أن السرد والكتابة الروائية في حالة تحولات مستمرة.
وبين هذا وذاك أعيش حالة الكتابة سردا وشعرا وأتماهى مع النص إلى أن ينتهي العمل بصيغته الأولى، وهنا يبدأ دور الرقيب والناقد في العودة إلى الظهور، ليمارس سطوته المطلقة على هذه المنجز، تخوفًا من مغامرة غير محسوبة؛ وظهور نسق غير منسجم النمو أو متطور الحدث أو ملتبس في خلق الشخصيات.. نعم على الناقد الكاتب أن يفصل بين مهاراته في كل جنس، كيلا يغيب النقد الخلاق، عن المنجز الإبداعي، وألا يسيطر النقد القاسي على حرية الانطلاق والجموح في العمل الإبداعي، لذلك العملية صعبة نعم، لكن تجديد أدوات القراءة وتفعيل الرؤى الحيوية عند هذا الناقد الكاتب ستساعد بكل تأكيد على حصد نتائج متميزة، غير مستكينة للغالبية”.
**************