الزمن يتجاوز القيمة الاسمية

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
يظل ارتباطنا بالزمن ارتباطا وجوديا، فنحن نعيش ونموت بناء على مفارقات زمنية بين (لحظة الميلاد/ لحظة الموت) محددة من لدن رب العزة والجلال، لا زيادة فيها ولا نقصان، وإن كانت هناك ثمة مخالفة موضوعية في هذه العلاقة، ستعود، حتمًا، إلينا نحن مجموعة المخلوقين، ويكون ذلك إما تقصيرا في حقيقة الفعل المنجز، وإما مناورة نسعى من خلالها للعب بالزمن، مع أن الزمن سيف قاطع لا يقبل القسمة على إثنين، فإما أن تنجزه بالكامل، وإما أن تخسره بالكامل، وليس فيه مكان للظل، وهذه من الحقائق التي يغفل عنها كثير من الناس، أو لا يريدون أن يشغلوا أنفسهم بها في ظل فهم «ما هو مكتوب سيكون».
ولذلك تمثل القيمة الزمنية أهمية خاصة في حياتنا، وعلينا أن نستحضرها بصورة دائمة، ومن ينتبه إلى حقيقتها فقد يكسب الكثير، ومن يفوت ذلك، يخسر الكثير أيضا، وإن كنا في أحوالنا الكثر، لا نستطيع تحقيق إلا ما كتب لنا، ولكن ترك لنا اختيار مشروعية العمل على امتداد الزمن الذي نعيشه، كما ترك لنا الجد والاجتهاد، وعدم الكسل، والحرص على قراءة الزمن قراءة واعية تنتبه إلى كثير من تفاصيله الصغيرة، ومفاصله المتعددة والكبيرة على حد سواء، صحيح أن الزمن ليس قيمة مادية مطلقة، ولكن كل ما يحيط بنا هو متعلق بالزمن، بصورة أو بأخرى، وكلها تمتثل فيه القيمة المادية، وهي مكون أساسي من حياتنا اليومية، فالأراضي، والمنازل، والأدوات الكثيرة، التي لا أول لها ولا آخر، كلها تندرج تحت القيمة المادية، وكلها مرتبطة بقيمة الزمن المعنوية، سواء في مراحل تكونها، أو في إنتاجها، أو في نموها، أو في ترقي قيمها، وبما أن الزمن لا يتعوض فكل هذه المواد لا يمكن إرجاعها إلى البدايات الأولى في كل هذه المراحل، وإلا فقدت قيمها المادية والاسمية على حد سواء، ويحدث ذلك ليس فقط لأننا قد لا نحصل على مثيلاتها مع تقدم الزمن، ولكنها تكتسب قيما معنوية ومادية أكثر كلما تعمقت في محصلات الزمن، فعلى سبيل المثال إذا كانت قيمة الأرض، أيًا كانت مساحتها، تساوي قيمة معينة في زمن ما متقدم، فإنه من المرجح أن تتضاعف قيمتها في زمن ما متأخر، كما يمكن للمقاربة ذاتها أن نقيسها على معلم أثري قائم، كم يمكن أن تكون قيمته المادية والمعنوية بعد أن قطع من العمر مئات السنين، ولننظر إلى مجموعة الآثار التي يتحصل عليها بفعل التنقيب، هل يمكن تحديد قيمتها المعنوية والمادية؟ من أكسبها ذلك، أليس هو الزمن؟ وإذا كان الكائن البشري قابلًا للقياس في مسألة القيمة الزمنية، فإنه ربما يمثل عكس هذا الاتجاه، فالمرأة الشابة، على سبيل المثال، يكون مشروع زواجها أكثر حظا، عن أخرى متقدمة في السن، بينما يكتسب الإنسان الفرد قيمته الزمانية المعنوية والمادية من خلال خبرات الحياة، وحوادث الأيام التي مرت عليه، ولذلك ينظر للمشورة وسداد الرأي، فيتم الاختيار من هم أكبر سنا وتجربة حياة، فهذه المناخات الإنسانية المختلفة، وغير الإنسانية، هي خاضعة لمسألة القيمة الزمنية بأي حال من الأحوال، ولا يمكن تجاوز الزمن في كل هذه المناخات.
منذ فترة غرّد الأستاذ الأكاديمي بجامعة السلطان قابوس، الدكتور سعيد المحرمي قائلا: «قيمة الراتب في عام 1990م، وقيمته في عام 2020م. بناء على القيمة الزمنية للنقود (Time Value of Money) فإن هناك فرقا في قيمة الراتب باختلاف الزمن، فبافتراض نسبة متوسط التضخم السنوي (3%) فإن راتب الـ(600) ريال عماني عام 1990م تساوي قيمته الحالية (1456) ريالا عمانيا، وقيمة من يستلم راتب الـ(600) ريال عماني الآن، (247) ريالا عمانيا في 1990م» -انتهى النص- فهذه القيمة التراتبية المتزايدة للراتب، وفق هذا التقييم، هي عائدة لما يحدثه الزمن من تأثير في مختلف جوانب الحياة.