وفاء الحمار

عادل محمود

دون الحاجة إلى السخرية… فلقد حدث هذا: ارتفع سعر الحمير في سورية إلى درجة تثير السخرية وأكثر: مليون ليرة لحمار هزيل وحزين ويأكل جراحاته الذباب. وهو المبلغ الذي اشتريت به سيارتي الكورية عام 2011.
سبب الغلاء فقدان البنزين. ولم يبق في البلد تاكسي للأجرة. وارتفعت أسعار كل شيء. ومع ظاهرة الاستخدام اللوجستي للحمير، انوجد لصوص الحمير.
وهكذا، ومن أول الأزمة، انفقد حمار سليمان حكيم، أحد جيراننا الفقراء في القرية. وأصبح بلا عمل، وموسم العمل في الخريف حيث حمولات الحطب للتدفئة. ونقل الحبوب، وقطاف الزيتون.
حاول عدد من المتطوعين بحثا عن الحمار النزول إلى البلدة أسبوعيا حيث (بازار) الحيوانات، ولكن دون جدوى. ويزداد سليمان يأسا كل يوم، وبؤسا كل يوم. فمع الأزمة اشتد الغلاء، وطال حتى الخبز وأساسيات الغذاء الشعبي.
وسليمان كل صباح ينتظر أن يفتح الفجر ضياءه على مشهد الحمار وهو يقرع جرس “الفيلا” التي يسكنها.
وكاد سليمان يؤلف قصائد رثاء، وعتابا حسرات، ويحاول أن يبالغ في الوصف لكي يدخل الأسلوب منطقة السخرية.
زرته يوم الاثنين الماضي، وكان عائدا من البازار، وسألته كالعادة: وشو أخبار حمارنا؟
قال لي: أغرب من الخيال ما حدث اليوم، رأيت حمارا أسود وحين مررت إلى جواره نهق ورفس وشد صاحبه باتجاهي وهو يقفز في الهواء ويهمهم. تأملته، وقلت هذا حماري. ولكنه أسود وبلا ذيل.
مضت الأيام، وكدنا ننسى سليمان حكيم وحماره الفقيد… وبدأ الجيران يفكرون بجمع التبرعات، قبل أن يصبح سعر الحمير بالدولار.
ذات صباح… أفاقت القرية على المشهد التالي: حمار أسود، بذيل مقطوع، يحمل كيسي طحين، يقف أمام بيت سليمان يهش الذباب منتظرا فتح الباب.
كان على ظهر الحمار فوق الكيسين سترة رجالية، وفيها هوية ونقود في المحفظة.
تبين أن الرجل، سارق الحمار، مات في طريق العودة من المطحنة، فاتجه الحمار إلى بيته، بيت سليمان. واكتشف سليمان أن حماره الأبيض قد صُبغ بالأسود، وقطعوا ذيله للتمويه.
وغدا.. نحن مدعوون إلى وليمة يقيمها سليمان حكيم تكريما لوفاء الحمار.