الواقع والفن بين رواية “دفاتر فارهو” وفيلم “THE CIRCLE”

فاطمة الشيدي
ما تزال الواقعية السحرية التي يعتمدها الفن تمثل أعمق المذاهب الفنية الإنسانية التي تنقل لنا واقعنا بكل مرارته وحلاوته عبر الفن، ولذا فليس أعمق من كتاب أو فيلم يربكك، ويضعك في مواجهة المرايا الكاشفة لذاتك أو للأشياء القريبة منك تماما، ليجعلك تتذوق الواقع عبر الفن، حيث ينقل لك مآسيه وجمالياته بلغة أخرى عبر الكلمات أو الضوء ومن تلك النماذج الساحرة:

1. “رواية فارهو”
لم تعد الرواية في هذا العصر ترتكز على الحكاية فقط، كما ليس على القارئ أن ينتبه للقضية التي تعالجها كميزة أولى للرواية أو مصدر لقوتها وعمقها. فنشرات الأخبار تغطّي يوميا كل فجائع العالم وكوارثة الإنسانية.
ولكن حين تقرأ رواية تقوم على حكاية واضحة، وعلى قضية هامة ولكنك تتناسى ذلك مع السرد وتنتبه فقط للشخصيات تنمو وتتحرك، وللأحداث تأخذك كقارئ في ثناياها بشغف وقلق عبر الزمان والمكان، كما تتناسل الحبكات مع الحكي وتتجدد حتى أنك لا تنتظر النهاية بل تلتذ برحلتك الفنية عبرها؛ فأنت حينئذ تدرك أنك تقرأ رواية حقيقية عميقة المضمون دقيقة البناء. وهذا فعلا ما وجدته في رواية “دفاتر فارهو” للكاتبة ليلى عبدالله، فأنت في هذه الرواية تتجاوز المآسي الموجعة التي تتناسل في العمل الذي يحكي عن مهمشي العالم الذين ترهقهم أقدارهم وبلدانهم، ويرهقهم العالم الثالث الذي ينتمون إليه. إلا أن كل تلك المآسي رغم حدتها ووجعها الذي يتسرب لداخلك عميقا تظل معروفة لعين العالم وأذنه وقلبه وأنت منه وفيه، بينما يأخذك العمل بصنعته الفنية نحو النضج والقيمة والصنعة الروائية المتمكّنة.
فالرواية التي تدور حول “فارح/فارهو” الذي ينتمي لأب صومالي وأم أثيوبية ولدية أخت هي “عائشة” يعانون معا أصعب الظروف بين الصومال وأثيوبيا حتى الخوف على الحياة، ثم وعبر خال مرتزق في الخليج يجمع كل قبح العالم وشره؛ يتم ترحيلهم إلى حيث هو والمال والرفاهية الفارقة مقارنة مع أوضاعهم سواء في بلدانهم أو حتى في الخليج حيث يعيشون الشظف والفقر مقابل ثراء البلاد وبذخ أهلها، فيستغل الخال ظروفهم أسوأ استغلال، فيزوج البنت لرجل من البلد لينتفع منه، ويجعل الولد طعما للعصابة التي يعمل معها في سرقة الأعضاء البشرية وبيعها بعد قتل أصحابها ورميهم جثثا خالية.
غاية فارهو النبيلة – وهي الحصول على كلية لأمه المريضة بعد أن ضاقت به الأسباب، وتخلت أخته عنهم بعد زواجها – كانت السبب الذي جعله يرضخ لخاله الحقير، ولذا لم يتوانى عن استدراج كل الضحايا لهم حتى وصل لصديقه، ولكن النهاية كانت بالإمساك به وزجه في السجن، حيث يتعرف على صحفي أمريكي يريد أن يحول قصته لفيلم.
إن أهم ما يحسب للرواية تمكنها من أدواتها الفنية؛ حيث تظهر قوة السرد الرائعة، عبر الوصف الدقيق لكل الأحداث بعمق وروية، وتنقلاته الرائعة بلا قفزات غير منطقية ولا بطء مخل، والربط بين الأحداث والشخصيات التي تدور جميعها حول الشخصية الرئيسية (فارهو) من شخصيات رئيسية، وشخصيات ثانوية وهي كثيرة ومتناسلة ومتفرعة ولكنها مهمة في بناء العمل الفني وتحريك مجرياته، وبلغة عميقة ومتمكنة تكون أحيانا شعرية لتهب للعمل روحا وبعدا بلاغيا مهما، ثم عبر بيئة النص المكانية المتعددة بتبايناتها الجغرافية الممتدة من أفريقيا حتى الخليج، وعبر تداخل الزمن بين بعدين الارتدادي والاستباقي، وهو الأمر الذي ربما يقلق القارئ الذي يفضل التتابعية الحكائية الزمنية بسلاسة ويسر ولا يريد أن يكلف نفسه عناء الربط. والنهاية المنطقية بزجه في السجن أولا ثم بخروجه منه وجعل هدفه أن يمنع أطفال آخرون من ذلك المصير عبر طريق واحد ووحيد وهو التعليم.
إن أي قارئ لهذا العمل لا يمكن أن يخرج منه إلا وهو يدرك أنها رواية فنية ناضجة البناء، عميقة المضمون، مكتملة الصنعة، عميقة الأثر في النفس وهذه هي مؤشرات قيمة العمل الفني.

2. “فيلم THE CIRCLE”
يضعنا هذا أمام ما نعيشه وما نفعله في هذا الفضاء الأزرق، من إدمان الميديا، وانحسار خصوصياتنا، وتراجع الذاتية حتى العري، أو الهوس والجنون. إنها دائرة مغلقة وليس سهلا التمركز فيها، والأهم ليس بالمقدور مغادرتها بسهولة، إذ تصبح حياتك ضمنها ملكا للجميع، وخصوصيتك هدية منك لهم بأسماء جديدة كالأصدقاء والمتابعين، تصبح أسرتك، أحبتك، بيتك، نومك صحوك، كل شيء يقع في دائرتك هو ملك للعام مقابل الشهرة والحضور. وهذا ما حصلت عليه الشابة التي كانت تبحث عن عمل لتساعد والديها خاصة والدها المريض، فتحصل على كل شيء مقابل فقدانها لذاتها تحت سيل الأضواء ووهم الشهرة، فصدقت نفسها، وتوهمت التحقق، ففقدت عائلتها وصديقتها وحبيبها الذي تسببت في قتله، وتخلي والداها عنها في تلك الدائرة حفاظا على خصوصيتهما. تشعر الفتاة بالخسارة في النهاية وتدرك حجم ما فقدته في تلك الدائرة، فتحاول بالكثير من الندم أن تصلح كل شي، فتعود للدائرة. ولكن لتفضحها من الداخل هذه المرة.
نعم الدائرة محكمة، واللعبة مغرية، والجنون يتصاعد، والكثير من الحمقى يتحرّكون في مدارات الرقمية بلا زاد معرفي وقيمي يكفي ليحفظ لهم التوازن أمام وهج الضوء، والكثير من الأمراض تتدحرج بين من نسميهم أصدقاء. ولذا علينا أن ننتبه كثيرا لهذا ونحكم المزاليج، ونحتكم للمبادئ الكبيرة بعيدا عن الكثير من العلل داخل دائرة الرقمية وخارجها هذا ما تخرج به من هذا الفيلم.