«وادي خيوت» بصلالة.. طبيعة وافرة بالمياه وتدفق للشلالات

  • تاريخ حافل بالذكريات ولوحة ربانية تجمع بين الجمال والدهشة
  •  أحمد تبوك: روايات تاريخية ترتبط بالمكان وبالعصر المنجوي والآثار تشهد عليها

زارها وصورها – أحمد بن عامر المعشني

تعد عين «وادي خيوت»، في منطقة «جوجب» بنيابة قيرون حيرتي التابعة لولاية صلالة، من المواقع السياحية المهمة في محافظة ظفار، وتعد هذه العين من العيون المائية دائمة الجريان في محافظة ظفار، وتتميز في موسم الخريف بتدفق شلالاتها الجميلة التي غالبا تتدفق بشكل غزير، لتستحوذ على مساحات كبيرة وأماكن عديدة في المنطقة نفسها، وتتجمع المياه في برك تحت العين تصب فيها الشلالات من أعلى قمم الجبل الذي تجري منه العين، مما يجعل منها لوحة طبيعية تجمع بين الجمال والدهشة في مشهد رائع خلال موسم الخريف.
وقبل جائحة كورونا، في مواسم السياحة الماضية بمحافظة ظفار، كانت العين لا تخلو من الإقبال الكبير عليها من جانب السياح، خاصة في فصل الخريف إذ تعتبر من المزارات السياحية الطبيعية التي تجمع بين طبيعة الوادي وعيونه المائية وانسياب الشلالات من قمم العين الرئيسية.

طريق الوصول
الطريق إلى «وادي خيوت» سهل وقريب، إذ يبعد عن ولاية صلالة حوالي (٢٠) كيلومترا، لكن الوصول إلى مجرى العين الرئيسي والشلالات، فيه مشقة وصعوبة لكثير من الزوار، لعدم وجود طريق مركبات يصل إلى المنطقة السياحية، ومن الامتيازات التي يتمتع بها وادي خيوت هدوءه الفريد ومساحاته الخضراء ومراعيه الخصبة.

مكان مميز
وهذه المنطقة الجبلية تتوزع فيها الوديان الفسيحة والسهول المنبسطة والتلال الجميلة على امتداد البصر. مما يجعله مكانا مميزا للعائلات لبعده النسبي وقلة الازدحام، وكذلك توفر أماكن مفتوحة للجلوس وبعده عن ضجيج المدينة وصخبها، من هنا يعتبره البعض مرتعا غاية في الجمال ناهيك عن احتضانه للحياة البرية والطيور، ويمكن للزوار والسياح مشاهدة بعض الطيور البرية والعصافير على مدار العام.

اهتمام الأهالي
وللحديث عن هذه العين والولوج إلى الماضي، التقينا بأحد أهالي المنطقة، الشيخ أحمد بن مسلم تبوك، حيث قال: «تعتبر عين وادي خيوت في نيابة قيرون حيرتي من أهم العيون المائية على مستوى النيابة، وذلك لغزارة جريان مياهها الدائمة وموقعها المتوسط بين سكان النيابة، وقد قام الأهالي في تلك المنطقة عام 1972 م بتفجير العديد من الصخور الجبلية الكبيرة التي كانت تقع في أسفل العين، وكانت تعيق وصول الحيوانات إلى مورد الماء فيحصل تدافع كبير بين تلك الحيوانات أمام العين، مما يسبب نفوق أعداد منها، حيث تم وضع بعض هذه المتفجرات (ديناميت) في أسفل الصخور، فتم تفتيت هذه الصخور الكبيرة وتم فتح ثلاث طرق رئيسية للوصول إلى العين».
وأضاف: «المواطنون قاموا في أواخر التسعينات بصيانة هذه العين من خلال عمل العديد من الصبيات الأسمنتية لبعض الحفر الكبيرة التي كانت تتسرب منها المياه وبشكل كبير إلى باطن الأرض دون الاستفادة منها، وبالفعل نجحت هذه الأعمال فأصبحت العين تتدفق وبشكل غزير إلى مساحات أوسع في الوادي مع عمل بعض البرك الكبيرة لتجميع كميات مياه بالإضافة إلى عمل أحواض في أسفل العين لشرب الحيوانات».
وأشار الشيخ أحمد تبوك بأنه في سبعينات عهد النهضة المباركة تم حفر العديد من الآبار الارتوازية في نيابة قيرون حيرتي مما أثر وبشكل ملحوظ في تناقص كميات كبيرة للمياه وظهر ذلك في نقص قوة وغزارة هذه العين المائية، حيث قال: «أذكر قبل حفر هذه الآبار بأن المواطنين الموجودين على ضفتي الوادي لا يكاد يسمع بعضهم بعضا رغم أن المسافة التي تفصلهم لا تتجاوز عشرات الأمتار لقوة تدفق المياه وعلو صوت خريرها لتبقى لغة الإشارة هي جسر التواصل بينهم، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى إطلاق بعض الأعيرة النارية كوسيلة للتخاطب أو التحذير».

روايات محلية
وعرج الشيخ أحمد بن مسلم تبوك على بعض الروايات القديمة، قائلا: «هناك بعض الروايات المحلية التي تناقلها السكان المحليون بهذه المنطقة، منها أن العين كانت تسكنها قبائل من العصر المنجوي، وما زالت بعض هذه الآثار حاضرة على قمة عين خيوت من الجهة الغربية إلى الآن، ومنها بقايا لجدران قديمة معظم أحجارها جلبت من الساحل، وفي أسفل العين توجد بعض البقايا لجدران الساقية بالإضافة إلى وجود بعض الآثار لجداول زراعية، حيث تتميز المنطقة التي تقع في أسفل العين بخصوبة الأرض، كما تشير الروايات المحلية بأن سكان المنجوي هاجمتهم بعض الحشرات الطائرة من النوع القاتل، مما دفعهم إلى النزوح من عين خيوت إلى السهل، حيث يقال بأنهم نزلوا إلى سهل حمرير وحفروا بئر ماء و أنشأوا لهم بعض المستوطنات، وما زالت هذه البئر موجودة إلى الآن مع بعض بقايا لآثار جدران سواقي مياه البئر».

استذكار المآثر
وفتح الشيخ أحمد بن مسلم تبوك صفحة المآثر، إذ قال: «عندما نذكر التعاون المجتمعي يتبادر إلى ذهني المرحوم علي بن أحمد المعشني من نيابة مدينة الحق بولاية طاقة، فهو -رحمة الله عليه- يعتبر من الأوائل في الأعمال التطوعية على مستوى جبال وأرياف محافظة ظفار بشكل عام، حيث قام المرحوم علي المعشني في بداية الثمانينات من القرن الماضي بتنفيذ العديد من الأعمال التطوعية تمثلت في صيانة العيون المائية وفتح طرق بدائية وكان ذلك من خلال الأدوات التقليدية مثل المنقار والمطرقة الحديدية وبعض المسامير الحديدية، وكان -رحمة الله عليه- لا يتوانى في عمل أي مشروع خيري رغم كبر سنه، ولكن كان الحماس والرغبة الشديدة في فعل الخير عامليْ دفع كبيرين ليقينه التام بأن الله عز وجل لن يضيع عمله».
وفي نهاية حديثه أكد الشيخ أحمد بن مسلم تبوك أنه من المهم جدا أن يقوم المواطنون وخاصة سكان المناطق الريفية في جبال ظفار بتحسين العيون المائية والكهوف الجبلية لما لها من أهمية كبيرة، فقد كانت في السابق موردا مهما لجميع المواطنين من حيث توفير المياه وكذلك الكهوف التي كانت مساكن لهم ولمواشيهم في كل فصول السنة، بالإضافة لكونها ملاجئ آمنة في حالات الأعاصير والمنخفضات الجوية التي تتعرض لها المحافظة. وأما في هذا الوقت فقد أصبحت هذه المواقع مقصدا لكثير من السياح من داخل السلطنة وخارجها بالإضافة لهواية الرحلات الخلوية والمبيت فيها لعدة أيام وخاصة في الإجازات الرسمية أو إجازة نهاية الأسبوع لما تتمتع به هذه الأماكن من نقاوة الجو والهدوء والاستمتاع بزقزقة العصافير وأنغام أصوات الطيور ومشاهدة الحيوانات البرية بعيدا عن ضجيج المدن وتلوث أجوائها.