في مديح الكويت ورحيل «الصباح»

محمد جميل أحمد –

لم يكن غريباً تلك الطبيعة التي عبر عنها تاريخ طويل من سياسات الديمقراطية الأوليغارشية في الكويت، وما حققته للكويت من تقدم ونمو مضطرد في مجالات تنموية شتى ومتوازنة، من التعليم إلى الإعلام إلى الصحافة إلى الثقافة إلى الفن وبطبيعة الحال السياسة والحقوق والمرأة.
في تقديرنا أن السر وراء ما شهدته الكويت من ازدهار في النصف الثاني من القرن العشرين لا يمكن فصله أبداً عن رؤية السياسات الوطنية لأسرة آل الصباح من ناحية، والاندماج الذي انعكس بطريقة سلسة بين المجتمع الكويتي والأسرة الحاكمة من ناحية أخرى.
ولعل التعبير الشائع في المجتمع الكويتي (الكويت صغيرة) يعكس دالة حميمية عن طبيعة التماهي الفعال بين المجتمع الكويتي وقادته (آل الصباح) في كل المجالات وعلى رأسها المجال السياسي. فمقولة (الكويت صغيرة) هنا لا تعكس عقدةً سياسية قد تجرها إلى تبني أدوار خطيرة أكبر منها في المنطقة، ولا تعبر أيضاً عن ضيق بذلك الصغر، وإنما تعكس وجداناً حميمياً بالمعرفة وتعبيراً لطيفاً عن مفهوم الشراكة في أدوار المجتمع الذي يعرِّف بعضه بعضاً بالحب.
قد يبدو لكثيرين أن التعبيرات الحية للمجتمع الكويتي في نمط الحياة عبر الفنون والصحافة والمسرح والعمل الخيري إنما هي انبثاق طبيعي لمجتمع حي، وهي بالطبع كذلك، ولكن أيضاً، في حقيقتها، هي تعبير عن الدور الكبير الذي لعبته سنوات الديمقراطية الكويتية الأولى منذ الخمسينات والستينات؛ التي ارتبطت فيها رؤية أسرة آل الصباح في وقت مبكر بمعرفة ما يمكن أن تتيحه الحريات لأي مجتمع وما يمكن أن تطلقه من طاقات الحياة، ولهذا لا يمكننا أبداً فصل الخيط اللامرئي لسياسات أسرة آل الصباح عن التفاعلات الطبيعية التي أنتجتها تلك السياسات في تطوير المجتمع الكويتي ليكون نموذجاً خليجياً متقدماً في المنطقة.
إن هوية الكويت اليوم هي جزء من هوية آل الصباح بالمعنى الذي يعكس شراكة فريدةً بين مجتمع حي وقادة رسموا لهذا المجتمع طريقاً معبداً بالحريات.
لقد كان الشيخ صباح الأحمد -رحمه الله- في مواقف وطنية وسياسية في داخل الكويت وخارجها جزءاً أصيلاً من هذا المعنى الذي يعكس طبيعة الكويت.
لطالما شهد الناس مواقف عظيمة على الهواء لحلم أمير الكويت الراحل صباح الأحمد في مواجهة من يتطاول عليه؛ بابتسامة كان أكثر تعبير فيها هو الثقة بالنفس والترفع عن الردود الصغيرة في المواقف الكبيرة.
وفي تقديرنا أن الكويت اليوم ودورها الذي خفت عما كان عليه في الثمانينات مثلاً، يصبح مقياساً للتغيرات السلبية التي يمر بها العالم العربي للأسف.
وإذا كانت الكويت اليوم أقل لمعاناً مما سبق فلأن واقع المنطقة العربية اليوم يمر بأسوأ اللحظات التاريخية، ففي مثل هذه الأزمنة التي تعج بالأزمات السياسية والحروب والفتن الطائفية لا شك أن صوت الفن والمعرفة والفكر والإبداع سيكون خافتاً، ليس لأنه بطبيعته كذلك وإنما لأن ازدهاره يكون أكثر صيتاً في أزمنة السلم والتعايش.
لقد ارتبطت الكويت في وعي الكثيرين في المنطقة العربية بالثقافة والفن والعمل الخيري والأدوار العظيمة، وكانت الكويت في كل ذلك تعبّر عن التفاعلات الإيجابية للحريات والمعرفة والإبداع التي عكستها السياسات الوطنية لأسرة آل الصباح.
من المستحيل لكل كيان أو دولة أن تصنع وعياً وثقافةً وفناً فقط بالقدرات المادية، مهما بلغت ضخامتها، وإنما يتأتى ذلك، أولاً، ببسط الحريات المسؤولة والصبر على إدارة الاختلاف والتعلم من الشراكة وروح الوطن، ولهذا كان كتاب المفكر الكويتي د. محمد الرميحي: (الخليج ليس نفطاً) من دلالات الوعي المبكر لدور الحريات مع القدرات المادية في النهوض بالمجتمعات في منطقة الخليج.
وفي تقديرنا ستظل التجربة الكويتية تجربةً ملهمة في تعبيرها عن طبيعة التطورات والأولويات التي يقتضيها تطور بلدان الخليج.
وإذا ما بدت المنطقة العربية اليوم أكثر تعبيراً عن الاحتقان والأزمات، وفي الوقت نفسه بدت بلدان الخليج الأكثر استقراراً في المشرق العربي، فإنه يمكن للتجربة الكويتية بنجاحها الذي شهد له الجميع، أن تكون اليوم أكثر إلهاماً عبر الدور الذي لعبته سياسات ومواقف أمير الكويت الراحل صباح الأحمد في الأزمات السياسية التي مرت بها المنطقة العربية عامة، والخليج بصورة خاصة.
رحم الله أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد وأسكنه فسيح جناته.