رياض الريس: صحافي المهمات الصعبة!

عبد الله العليان –

بعد زيارته الأولى للسلطنة، وتعرفه عن قرب على هذا البلد التاريخي العريق، بدأ رياض الريس اهتمامه بالسلطنة، وقال في بعض أحاديثه الصحفية: «في مطلع حياتي المهنية، كصحفي يعنى بقضايا الخليج، كانت سلطنة عمان دائماً في أولويات اهتماماتي». وكتب سلسلة استطلاعات عن عُمان بجريدة النهار نشر بعضها في كتابه (الجانب الآخر من التاريخ)، وأصدر في عام 1973، كتابه الشهير: (صراع الواحات والنفط: هموم الخليج العربي)، عن مستقبل المنطقة، في ظل بروزها كأكبر احتياطي للنفط في العالم.

تعرّفت على الكاتب الصحفي السوري رياض نجيب الريس -رحمه الله- في أوائل عام 1974، عندما زار مدينة صلالة، أثناء فترة تجهيزه لكتابه (ظفار: الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي 1970ـ 1976)، وكنت فترتها قد عملت بمكتب إعلام ظفار، وقد التقى رياض الريس ببعض القيادات في الثورة آنذاك، الذين انضموا للحكومة بعد تولي السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الحكم عام 1970، كما التقى بالبعض منهم في بلدان أخرى -كما ذكر هو في هذا الكتاب- بدأ رياض الريس حياته الصحفية، مع أبيه نجيب الريس الذي يملك جريدة القبس في دمشق، وكان يمارس الصحافة في فترة دراسته الثانوية، وبعد تأميم الصحافة في أوائل الستينات، ومنها جريدة القبس رأى أن أجواء الحراك الصحفي في لبنان، هو المكان المناسب للانطلاق إلى عالم الصحافة، بعيداً عن القيود التي تمارس في غياب الحرية الصحفية في سورية آنذاك، ذهب للدراسة في المملكة المتحدة، وجمع بين دراسته الجامعية والممارسة الصحفية في فترة الفراغ، وتوقف فترة عن استكمال دراسته الجامعية، عدا دورة صحفية لعدة أشهر في بريطانيا.
بدأ حياته الصحفية في بيروت في مجلة الصياد الأسبوعية اللبنانية، ذات التوجه القومي الناصري وكان رئيس التحرير سعيد فريحة الذي كان يملك إلى جانب مجلة الصياد جريدة الأنوار الشهيرة وبقي في مجلة الصياد عدة سنوات، ثم انتقل إلى جريدة المحرر لفترة وجيزة التي يرأسها وليد أبو ظهر، وهي جريدة قومية تميل للفكر البعثي، بعد ذلك انتقل لفترة إلى جريدة الحياة المعروفة التي يترأس تحريرها كامل مروة وهي ذات ميول ليبرالية، وبعد اغتيال كامل مروة، استقر رأيه للانتقال إلى جريدة النهار الشهيرة، التي يترأسها الصحفي البارز غسان تويني، وكانت تضم صحفيين من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية، كونها صحيفة ليبرالية منفتحة لكل التوجهات السياسية المختلفة.
تابع رياض الريس في تغطية الكثير من الثورات والأحداث في بداية حياته الصحفية، برغبته في التجوال لمتابعة الأحداث في العالم، في كثير من البلدان العربية والعالمية بعيداً عن العمل المكتبي، بدأها بالحرب الفيتنامية من عام 1966، ثم متابعة الحرب الداخلية في اليمن الشمالي بين الجمهوريين والملكيين، بعد الانقلاب على الإمام البدر في عام 1962، ثم زار جنوب اليمن في عام 1967 في فترة الاستعمار، وقبل رحيله بأشهر قليلة لتغطية أجواء الانسحاب البريطاني من الجنوب اليمني، وتابع غيرها من الاستطلاعات الصحفية في بلدان عديدة من العالم، منها الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا 1968، والانقلاب العسكري في اليونان عام 1971، وكتب عنها في العديد من الإصدارات، وعندما جاءت الأخبار عن نية انسحاب بريطانيا من شرق السويس: (منطقة الخليج)، في أواخر الستينات، بدأت الفكرة تلاقي اهتماماً من الكاتب غسان تويني رئيس تحرير النهار لمتابعة هذا الانسحاب وأثره السياسي على المنطقة، وفي أواخر يوليو 1970، سافر رياض الريس إلى البحرين، لمتابعة خطوات انسحاب بريطانيا من الخليج في أواخر شهر يوليو 1970.
وبعد أيام من وصوله البحرين، جاءت أخبار التغيير الذي جرى في عُمان، وانتهاء حكم السلطان سعيد بن تيمور، وتولي السلطان قابوس الحكم في 23 يوليو 1970، اتصل رياض الريس بغسان تويني وناقشه في متابعة ما جرى في عُمان والسفر إلى هناك، للكتابة عن هذا التغيير وكيفية ما جرى في هذا البلد المهم في الجزيرة العربية، سافر رياض إلى مسقط، مع بعض الصحفيين الغربيين، ليرى لأول مرة هذا البلد المنغلق على نفسه منذ عقود طويلة، حضر رياض الريس وصول السلطان قابوس -طيب الله ثراه- من مدينة صلالة إلى مسقط العاصمة، في الأسبوع الأول من أغسطس 1970، ويصف الريس، استقبال الناس في مسقط، فيقول في كتابه (الجانب الآخر للتاريخ: أسفار صحفي في طرق العالم):» أذكر أنني لم أشاهد في عمري فرحاً كالفرح الذي شاهدته في مسقط، عند تولي قابوس السلطنة.. ورقص الناس في الشوارع، رجالاً ونساء وأطفالا. لم أسمع زغردة أطول وأنقى من زغردة النساء.. كانت الزغاريد من القلب، من حرقة الماضي، من ظلم السنين الطويلة.. كان شئ عجيب من الحمى يسري في المئات الذين هاموا فرحاً ونشرة وسرورا بالشاب الأسمر الخجول النحيل صاحب اللحية السوداء الكثة الطويلة. كلهم يريدون أن يروا قابوس، السلطان الجديد».
بعد زيارته الأولى للسلطنة، وتعرفه عن قرب على هذا البلد التاريخي العريق، بدأ رياض الريس اهتمامه بالسلطنة، وقال في بعض أحاديثه الصحفية: «في مطلع حياتي المهنية، كصحفي يعنى بقضايا الخليج، كانت سلطنة عمان دائماً في أولويات اهتماماتي». وكتب سلسلة استطلاعات عن عُمان بجريدة النهار نشر بعضها في كتابه (الجانب الآخر من التاريخ)، وأصدر في عام 1973، كتابه الشهير: (صراع الواحات والنفط: هموم الخليج العربي)، عن مستقبل المنطقة، في ظل بروزها كأكبر احتياطي للنفط في العالم. واهتم بعد ذلك بأحداث الثورة في ظفار، ومن هنا فكر رياض الريس في هذا الكتاب: (ظفار: الصراع السياسي والعسكري)، وصدر في طبعته الأولى 1976)، يقول الريس في مقدمة الكتاب: «منذ ذلك التاريخ -أغسطس 1970- بدأت علاقتي كصحفي مع عُمان، وتكررت زياراتي للبلاد سنة بعد سنة، وازدادت معرفتي بتاريخها ورجالاتها وعاداتها ومشكلاتها وطموحاتها. وعندما ساقتني الصدفة المهنية لأقف على أبواب سور مسقط الكبير، وجدتني أتوغل جنوباً في ذلك الجزء من السلطنة الذي اسمه ظفار، باحثاً في أرضها ومتفرساً في وجوه أهلها وساعياً وراء أخبارها».
وجلس -كما قال- عدة سنوات للبحث والتنقيب في التاريخ والسياسة واللقاءات مع البعض، ويقول في مقدمة كتابه: «ساقتني الأقدار المهنية من جديد لأصرف عدة أشهر خلال العام الدراسي 1974 ـ 1975، كباحث في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة كمبردج. وقضيت معظم وقتي في القراءة عن ظفار، وما تبقى منه المشاركة بعدة حلقات دراسية عن تلك البلاد من لندن إلى طهران.. وكتابي هذا لا يدعي التأريخ عن ظفار وثورتها.. بقدر ما يبسط أمام القارئ مفاتيح الدخول إلى خلفية الأزمات الحقيقية لتلك الفترة من الزمن». وأجرى رياض الريس عدة لقاءات صحفية، مع المرحوم جلالة السلطان قابوس، بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، والتوترات كانت قائمة بعد سقوط شاه إيران، خاصة القوى الحليفة للشاه آنذاك، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، يقول رياض الريس: «وسط هذه الأجواء قابلت السلطان قابوس في 8 ديسمبر 1979 في قصر (السيب) في مسقط، وسألته: (هل وصلوا؟) ابتسم السلطان وقال: (مَن هم؟!) قلت: ( القوات الأمريكية، فالدول الكبرى تهدد بالتدخل ). ضحك السلطان وقال: (الدول الكبرى إذا وجدت مصالحها في خطر فلن تستأذن أحدًا منا بالتدخل. علينا أن نقف على أرض صلبة ونعتمد على أنفسنا… يجب أن نمنع الدول الكبرى بشتى الوسائل من أن تحيل هذه المنطقة، وهي المؤهلة بحكم موقعها الاستراتيجي، إلى أرض الصراعات الدولية).
ولا شك أن هذا الطرح الحصيف من جلالته -رحمه الله- يجدر بدول المنطقة أن تستوعبه جيدا لإبعاد شبح الحروب والتوترات عن المنطقة بكل الوسائل الممكنة، وتتخذه أسلوباً وطريقاً يخدم الطرفين، دول الخليج وإيران، ويبعد هواجس التخوف والتوتر، ومكائد الآخرين، واستراتيجياتهم الخاصة، لتتجنب المنطقة أهوال الحروب والصراعات، التي لن تستفيد منها.. لا إيران، ولا دول مجلس التعاون.. ولو حصل -لا سمح الله- حرب في هذه المنطقة، فإنها ستجرها إلى المجهول، لا نعرف مداها، ولا مخاطرها وسيكون الجميع خاسرون في كل المجالات. كان الصحفي رياض الريس حاذقاً ولماحاً، وكل أحاديثه الصحفية، مع القيادات السياسية، كما جمعها في كتابته المعروف: (أوراق منسية.. أحاديث هزة الخليج).. وللحديث بقية.