في غياب حاكم حكيم

عبدالرزّاق الربيعي
إذا كانت المقولة المعروفة التي تعتبر موت كبار السن «ضياعا لمكتبة، واختفاء لمجلّدات الحكمة، والمعرفة» فلنا أن نتخيّل حجم الخسارة التي تصيب منطقة تحكمها الصراعات، والنزاعات، والتباغض، والتناحر، حين يرحل حاكم حكيم، في مرحلة تحتاج الحكمة، وإعلاء صوت العقل!
لقد ربط الفيلسوف اليوناني أفلاطون الذي عاش في 470 ق.م في كتابه (جمهورية أفلاطون) العدالة بالحكمة، وعرّف العادل بأنه الحكيم، والصالح، وأوكل تسليم مقاليد الحكم في مدينته الفاضلة للرجال الحكماء، من أصحاب المعرفة والعلم، فالناس كما رأى في حاجة إلى هدى الفلسفة، والحكمة، أما الدمار الذي يحلّ بالدولة، فهو يحصل «حين يحاول التاجر الذي نشأت نفسه على حب الثروة أن يصبح حاكما»، لذا فرحيل حكيم خسارة للإنسانية التي هي اليوم في أمسّ الحاجة إلى من يعزّز قيمها، ويمدّ جسور التواصل بين الأطراف المتحاربة، ويطرّز فضاء المحبّة بكل ما يعزّز قيم التسامح، والرقي، ويقرّب وجهات النظر، في مرحلة تشهد الكثير من الخلافات.
وفي خضمّ آلامنا، ما زلنا نتلمّس، بألمٍ، الفراغ الذي خلّفه حكيم العرب السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- برحيله في يناير الماضي، حتّى صرنا كلما نمرّ بأزمة، في منطقتنا، نستحضر قول الشاعر العربي «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر»، ومما كان يخفّف علينا الخطب، ويهوّن الأمر وجود حاكم حكيم كان يقف سندا للمغفور له في مثل هذه الأزمات هو سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت، ورغم معاناته من المرض، لكنه كان يشقّ على نفسه، ويسعى بكلّ ما يستطيع لحلّ أيّ مشكلة، بهدي ضوء حكمته، حتى فُجعنا، ظهر الثلاثاء، برحيل «أمير الإنسانية» كما يحلو للكثيرين إطلاق هذا الوصف على سموّه، لينكأ جرحا ما زال ينزف، ليغيب سموّه الذي كثيرا ما نشر لغة المحبّة في عالم يعيش في بركان من التناحرات، والكراهيات، فلعب أدوارا إيجابية كثيرة، للتهدئة، والإصلاح، من خلال جمع الأطراف المتصارعة، والوقائع تشهد.
قواسم مشتركة عديدة جمعت الحاكمين الحكيمين، لعلّ أعظمها حبّهما للسلام، والحوار الإنساني، والتهدئة، وإطفاء النيران المستعرة حين يشبّ أوارها، ويقدح شرارها في مكان من العالم، إلى جانب تواضعهما، وبساطتهما، وحبّ الناس لهما، وحبّهما للفنون، وكلاهما أنشأ دار أوبرا، واهتم بالمعرفة، وهذه الجوانب تغذّي بلا شكّ الحسّ الإنساني، في شخصيّة كلّ من يمتلك شغفا بها، والكلّ يعرف اهتمام جلالة المغفور له في الفنون التشكيلية، والموسيقيّة، والمعارف، واعتزازه بالتراث، ورعاية جلالته له، أمّا سموّه، فرغم مشاغله الكثيرة لم ينقطع عن القراءة، والاهتمام بالفنون، وكان -رحمه الله- يحرص على قضاء إجازاته في رحلات الصيد البرية، والفروسية، وعشقه للبحر، وعن هذا الشغف يقول «البحر امتداد تاريخي لنا، وارتباطي به امتداد لارتباط والدي وجدي، وسيستمر مع أبنائي فتلاحم الكويت مع البحر هو تلاحم مصيري حيث كان مصدر الرزق الأساسي للكويتيين قبل البحر»، لذا ربطتهما صداقة عميقة، وكلّنا شاهد علامات الحزن التي ظهرت على وجه سموّه، عند رحيل السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه-، فقد سارع بالمجيء إلى مسقط معزّيا، رغم ثقل السنين، وأوجاع المرض، ليقول كلمة حفظها الجميع: «قابوس لم يمت طالما أنكم موجودون»، وكم كانت آلام الفقد كبيرة!، وقد عبّرت كلماته الحزينة عن تلك الآلام في رسالة تعزيته، حين أشار إلى أنه «فقد أخا عزيزا ورفيق درب»، فقد كانت تربطه بجلالته «علاقة شخصية مميزة سادها الود، والمحبة وتقاسم معه الأعباء، والمسؤوليات».
وبعد رحيلهما، بفارق شهور من «عام الرمادة» نفسه، كلاهما يصدق به قول الشاعر أبو تمّام:

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة
غداة ثوى إلا اشتهت أنّها قبر

ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى
ويغمر صرف الدهر نائله الغمر

وكلاهما حفر اسمه في تاريخ الإنسانيّة، والحكمة، وستظلّ مناقب كلّ منهما تشهد أنها من صنع حاكم حكيم يفتقده عالمنا المحكوم بالصراعات.