حرب اليمن.. هل من نهاية؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

الحرب الكارثية في اليمن الشقيق التي تحولت إلى حرب أهلية وإقليمية طاحنة كشفت مؤخرا عن بصيص أمل بعد الاتفاق في سويسرا بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله وبجهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مارتن جريفيث على تبادل أكثر من ألف أسير خلال الأيام القادمة.

ولعل هذا التطور الإيجابي يفتح نافذة من التفاؤل لحسم بقية الملفات المعقدة الخاصة بالحرب في اليمن التي دخلت عامها السادس دون حسم عسكري بل فاقمت الأوضاع الإنسانية للشعب اليمني الشقيق، وعلى ضوء ذلك فإن المنطق السياسي يقول إن وضع حد لهذه الحرب الكارثية أصبح ضرورة وليس خيارا مما يجعل الأطراف اليمنية أمام خيار وطني مهم في هذه المرحلة الحاسمة التي تتآكل فيها الدولة اليمنية بكل مقوماتها وكل أركانها.
بعيدا عن الحسم العسكري
الحرب في اليمن تحولت مع الوقت إلى ما يشبه حرب الاستنزاف بحيث أصبحت ذات تكلفة إنسانية واقتصادية عالية كما أن حسم تلك الحرب أصبح صعبا ومعقدا ان لم يكن مستحيلا في ظل تحول الحرب مع السنوات إلى حرب أهلية وإقليمية، فهناك أمثلة واضحة على مثل هذه الحروب والصراعات وهي الحرب الأفغانية وهي تتشابه مع الحرب اليمنية من خلال طبيعة الصراع والجغرافيا المعقدة ودخول أطراف محلية وإقليمية ودولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 وعانت أفغانستان من حروب استمرت أربعة عقود بعد الغزو السوفيتي في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي وانتهى باندحار القوات السوفيتية آنذاك.
ومن هنا فإن الدبلوماسية لعبت دورا مهما لوقف الحرب في أفغانستان بين حكومة كابول وحركة طالبان بواسطة أمريكية ودعم قطري، هذا النموذج الأفغاني لابد أن يدفع الأطراف اليمنية إلى الجلوس على طاولة الحوار كما حدث مؤخرا في سويسرا والاتفاق على إطلاق اكثر من ألف أسير من الأطراف المتحاربة. ولعل الحالة اليمنية هي أكثر إلحاحا لوقف الحرب فالأوضاع الإنسانية هي الأكثر كارثية من أفغانستان وهناك حصار شبه كلي على المطارات إلا من خلال فرق الإغاثة الإنسانية وهناك صعوبة السفر للمواطنين وهناك تدمير كبير في البنية الأساسية وهناك مآسٍ كبيرة لم تستطع القنوات الإخبارية عرضها لظروف وتداعيات الحرب على مدى سنوات. والمنطق العسكري يقول إنه إذا تعذر الحسم العسكري فإنه من مصلحة الأطراف الداخلة في الصراع هو البحث عن خيار الحل السلمي وعدم المكابرة خاصة وأن الحرب في اليمن أصبحت مكشوفة على منظمات حقوق الإنسان الدولية وأصبحت التقارير الدولية تتحدث عن مآسٍ هي الأقسى في تاريخ الحروب الإقليمية في منطقة جغرافية محددة، فهناك ملايين اليمنيين مهددون بالمجاعة وهي أكثر نتائج الحرب قسوة وهناك آلاف الجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج اليمن وهناك المنظومة الصحية التي أصبحت مشلولة في عدد من المحافظات بسبب فيروس كورونا والعدد المتزايد من الإصابات وعلى ضوء ذلك فإن اليمن يواجه الحرب العسكرية الكارثية ويواجه الحرب الصحية.
نافذة التفاؤل
الاتفاق بين الأطراف اليمنية على تبادل الأسرى خلال بدايات الشهر القادم فتح بصيص أمل نحو وقف الحرب في اليمن بكل تداعياتها المعقدة ولا شك أن جهود المبعوث الأممي متواصلة، وهناك جهود السلطنة المقدرة الحريصة على وضع حد لتلك الحرب، وهنا نستذكر التنسيق المتواصل بين مارتن جريفيث والدبلوماسية العمانية حيث تعد مسقط نقطة ارتكاز بالنسبة للمبعوث الأممي وسوف تتواصل تلك الجهود لوقف نزيف الدم بين الأشقاء في اليمن والتوافق على عملية سياسية تعيد للشعب اليمني الأمل في الاستقرار والحياة الكريمة. واليمن الشقيق لديه مقدرات وإمكانيات طبيعية وبشرية تجعله من الدول العربية المتقدمة في ظل أجواء السلام والمصالحة والبعد عن الحروب والصراعات المتواصلة منذ عهد الاستقلال أي اكثر من ستة عقود وقد حان الوقت لدخول اليمن الشقيق عهدا جديدا من خلال التوافق السياسي بين الأشقاء وإنقاذ اليمن الذي تتآكل دولته الوطنية، حيث إن استمرار الحروب لسنوات طويلة يخلق حالة من الفراغ السياسي وزوال الدولة الوطنية، وهناك حالات في المشهد السياسي العربي تقترب من الحالة اليمنية، كما هو الحال في ليبيا حيث الحرب الأهلية بين الشرق الليبي والغرب الليبي وسط تورط أطراف إقليمية ودولية، كما أن الوضع في سوريا لا يزال غير واضح المعالم رغم وجود دولة مركزية في دمشق.
إذن يمكن البناء على اتفاق سويسرا فيما يخص تبادل الأسرى باعتباره خطوة إيجابية ونافذة تنطلق من خلاله اليمن إلى أجواء السلام والمصالحة الوطنية، خاصة وأن هناك قناعات لدى الأطراف اليمنية وأيضا التحالف العربي بأن الحديث عن حسم عسكري أصبح صعب المنال وهذه النتيجة لابد أن تقود إلى فكر مختلف ينطلق من رؤية استراتيجية مختلفة لوقف الحرب لأن ذلك يعيد التوازن في مجال التكلفة الباهظة للحرب في ظل معطيات والتحديات التي تواجه دول المنطقة، حيث الانخفاض الشديد لأسعار النفط واستمرار جائحة كورونا والانكماش الاقتصادي وعلى ضوء ذلك فإن الخروج من الحرب هو أفضل خيار لإعادة ترتيب الأوراق والابتعاد عن هذه الدوامة المعقدة، فهناك حد زمني لأي حرب وفي ظل فشل تحقيق الأهداف التي انطلقت منها تلك الحرب فإن المنطق السياسي يشير إلى ضرورة طرق الخيار السلمي، وهو الأمر الذي حدث في حروب كبرى في جنوب شرق آسيا كالحرب في فيتنام وكوريا والآن في أفغانستان.
وفي ظل هذا المشهد اليمني فإن الضرورة والمصلحة العليا لليمن تحتم على القيادات اليمنية أن تفكر بشكل حقيقي عن الوضع المتردي في بلادهم وأن تلعب الحكمة دورها وأن التشبث بالمواقف لن يجدي نفعا وقد تتحول إلى اليمن مع مرور الوقت إلى دويلات وكانتونات يصعب معها الحديث عن دوله يمنية موحدة، وهنا مكمن الخطر الذي يواجه اليمن ومقدراته وموقعه الاستراتيجي الذي كان دوما مطمع الآخرين منذ قرون خلت، فاليمن تعد ذات موقع استراتيجي فهناك في الجنوب خليج عدن الاستراتيجي المطل على بحر العرب وهناك مضيق باب المندب في الشمال اليمني وهو إحدى البوابات الاستراتيجية على البحر الأحمر وهناك الجزر الحيوية والأطلالة البحرية لليمن مما يجعل اليمن في حالة استقرارها دولة حيوية ومتقدمة اقتصاديا وتجاريا، وحتى تتطور اليمن فإن وقف الحرب هو المقدمة لإطلاق حوار يمني يمني من خلال وجود قرارات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وحتى من خلال أي أطر سياسية يتفق عليها أهل اليمن.
مسار السلام
اليمن في ظل الوضع الحالي تحتاج إلى مزيد من الخطوات نحو السلام كما حدث في سويسرا مؤخرا حول تبادل الأسرى ورغم أن الخطوة رمزية إلا أنها أشاعت الأمل بين الشعب اليمني الذي يأمل أن يحدث المزيد من الاختراق في الأزمة اليمنية الصعبة وأن تكون هناك خطوات حيوية تنهي الحرب في اليمن من خلال إطلاق الحوار والجلوس على طاولة المفاوضات لأن هذه الأخيرة هي الحل الأوحد بعيدا عن لغة الحرب والدمار، فالحرب والصراعات هي معاول هدم للدول وضياع للقدرات وتفتح مجالا للتشتت والضياع وقتل آمال الشعوب في الحياة المستقرة والانطلاق إلى تحقيق الأهداف الوطنية، فالغرب أدرك بعد حروب طاحنة بأن التقدم والنجاح في مجالات الحياه لا يمكن أن يتحقق بالحروب وهذا الأمر ينطبق على دول جنوب شرق آسيا التي عانت حروبا قاسية ومدمرة لقرون وهي نموذج ناجح للتنمية والتطور المذهل في كل المجالات في حين أن العرب لا يزالون يعيشون هاجس الحروب التي نراها الآن في عدد من الدول العربية ومنها اليمن.
ورغم قسوة الحرب اليمنية فإن الفرصة لا تزال ممكنة لوقف الحرب والانطلاق إلى مرحلة تسودها السلام والاستقرار والأمن للشعب اليمني وأن يكون لليمن الشقيق دوره الوطني والعربي ومركزا على معركة إعادة الأعمار والنظر إلى المستقبل بروح إيجابية نحو التطلع إلى اليمن السعيد الذي يطمح له كل يمني وعربي.