الشعر مهزوم وملفق (٢)

أمل السعيدية

في الجزء الأول من هذه المقالة، طرقتُ مسألة طبعنة العالم بالمادية، مع أن هذه الفكرة، ليست جديدة أبداً، فلطالما راوح العالم بين ما أسماه العقلانية والروح، بل إن الحداثة في جوهرها هي محاولة تكريس المادي الملموس، ونفي الماورائيات، ويبدو أننا كمجتمعات بشرية سنمشي في هذا المضمار نفسه للأبد. هذا وقدمت الأطروحات الدينية نفسها على أنها قادرة على تحقيق نوع من التكامل بين طرفيّ هذه المعادلة، ولا شك أن الفن، الذي كان طقوسياً في كثير من مراحله التاريخية، هو من حققها في صورة مهيبة بدلاً من قتامة النتائج التي قدمتها كل أشكال وطرق الحياة الأخرى.
لكن ما الذي يمنحه الشعر للشاعر نفسه؟ في كتاب الجنوبي لعبلة الرويني الصحفية وزوجة الشاعر المصري المعروف أمل دنقل، وصفت علاقة دنقل بالشعر بأنها بديل للانتحار ومعنى للثورة قائلة ” وحده الشعر هو التماسك العقلي والنفسي القوي، والاتساق الوحيد والبناء الموضوعي الشديد الإحكام الذي حقق لأمل إعادة خلق العالم المفروض حوله من جديد لحسابه الخاص.” لا شك أن تشظي الواقع المعاش، وخيبات الأمل الكثيرة وعلى أصعدة لا حد لها، من خسران الوطن، والوحدة وغيرها من الآلام التي لا تحصى لا يُمكن أن تواجَه بسهولة، كما لو أننا نسعى لطرد الهواء من المكان، لكن في داخل أكثر الأشكال ذاتية، وأكثرها عاطفية نستطيع أن نقرأ الحياة كما لو أننا بعد أن تنتهي القصيدة نكون قد عالجناها من الداخل، ثم خرجنا نتفرج عليها من مسافة آمنة وموضوعية. لولا منطقُ الفوضى هذا الذي يصنعه الشعر كفن هذه المرة، كيف ترانا نقدرُ على مواجهة الحياة بعنفها وقسوتها؟
كان فن الشعر وعاءً لنقل أشد تجارب الإنسان فتكاً به، كيف ستكون علاقتنا بفلسطين لولا محمود درويش، وكيف ستكون فلسطين نفسها لولا محمود درويش، الكثير من الدراسات العلمية بحثت في مسألة غاية في الأهمية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهي تأريخ الهوية الفلسطينية، الذي ربطه البعض بالنكبة، وكأن فلسطين لم تكن قبل ذلك منذ حضور الكنعانيين فيها، إذن هي هوية قامت من رحم الموت، فلابد أنها ميتة؟ تتحدث الدراسات عن الأرشيف المضاد، حيث إن سرقة الوثائق التاريخية ومصادرتها حرمت الفلسطينيين من مصادر التاريخ الأولية والمعترف بها، وطرحت ما بعد الحداثة مسألة العنف الذي يلعبه الأرشيف في تقديم وقراءة التاريخ، ومع ذلك وإن سرقوا منا كل الوثائق لم يستطيعوا سرقة سميح القاسم وغسان كنفاني ومحمود درويش وناجي العلي وغيرهم ممن أثروا في وجداننا بالشعر والنثر وعلتَ أصواتهم لتصل لكل أصقاع العالم.
والشعر وروحه هو صوت الشك الأزلي في وجه اجتياح المادة، فاليوم ومع الحديث عن الذكاء الاصطناعي، برزت كثير من الأقسام العلمية في بعض جامعات العالم المرموقة، لتدرس فلسفة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، فكشفت بعض الدراسات أن بعض خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي عولجت لتصنيف الجرائم، ومحاولة كشف الجناة، بأنها منحازة لطبقات اجتماعية دون غيرها، نظراً لأن قاعدة البيانات التي تعتمدها، هي عبارة عن تراكم سنين طويلة من المعلومات التي أُخذت من هذا العالم الموحش والقاسي نفسه، فهل يمكن الاعتداد بها فعلاً، وكيف يمكن أن تكون العلوم الإنسانية، “واجهةُ الشعر” مدخلاً، للحفر بعيداً في هذه الساقية، وإعادة توجيهها لتسقي الأشجار التي يصبح بها حقل هذه الأرض وارفاً بلا نهاية.