رجوع «داعش».. عودة بالأسباب إلى المربع الأول!

د. عبدالعاطي محمد –

وما لا يحتاج لتفصيل أن «داعش» استفاد جيدا من بقاء الصراعات الإقليمية من حيث استغلاله من جانب أطرافها في تصفية الحسابات فيما بينهم. وأما على المستوى العالمي فإنه من الواضح تراجع الزخم الدولي في مكافحة الإرهاب وتحديدا في تواصل الحملة للقضاء على «داعش» تماما أو على الأقل إضعافه إلى حد كبير.

قبل نحو ثلاث سنوات وتحديدا في 9 ديسمبر 2017 أعلن العراق على لسان رئيس وزرائه آنذاك حيدر العبادي الانتصار على التنظيم الإرهابي «داعش»، ولكن الذكرى الثالثة للانتصار جاءت مخيبة للتوقعات بوضع نهاية لهذا التنظيم الذي أقلق العالم كله، وذلك عندما أكد كريستوفر ميلر رئيس المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب في كلمة له أمام الكونجرس أن التنظيم أعاد ترتيب صفوفه ويتمدد الآن عالميا برغم كل ما لحقه من نكبات، مشيرا إلى استعادته نشاطه في العراق وانتشاره في شمال القارة الإفريقية.
ومع أن العالم أبدى آنذاك سعادته بالهزيمة العسكرية التي لحقت بالتنظيم بعد ثلاث سنوات من العمليات العسكرية التي قادتها القوات العراقية بمساندة قوات التحالف الدولي ضد التنظيم، إلا أن المعنيين بمتابعة نشاط الجماعات الإرهابية تحفظوا على ذلك وحذروا من احتمالات عودة التنظيم استنادا إلى أن تنظيما مثل «داعش» من الممكن هزيمته عسكريا، ولكن ذلك لا يعنى هزيمته من الناحيتين التنظيمية (الهيكلية) والأيديولوجية مما يعنى إمكانية استعادته لنشاطه مرة أخرى كلما تهيأت الظروف المناسبة لظهوره مجددا، وهو ما حدث بالفعل تدريجيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وفى هذا الصدد يقول رئيس المركز الأمريكي لمكافحة الإرهاب إن التنظيم عاد منذ نحو سنتين من مرحلة التقاط الأنفاس إلى إعادة الهيكلة والظهور، وإن عمليات التسلل للعناصر المنتمية فكريا للتنظيم ظلت مستمرة، وكانت تأتي من تركيا وسوريا.
وواقعيا كان التنظيم قد تلقى هزيمة بالغة عندما تم تحرير كبريات المدن العراقية وطوال المنطقة الممتدة على الحدود العراقية السورية منه، ثم عندما تم القضاء على زعيمه أبو بكر البغدادي وعدد من أبرز قيادييه في أكتوبر 2019 مما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤكد على أن إدارته حققت إنجازا مميزا في حربها على الإرهاب مثلما فعلت إدارة أوباما عندما نجحت في قتل زعيم القاعدة أسامه بن لادن. ولكن في حقيقة الأمر لم يكن الانتصار على «داعش» كاملا من الناحيتين العسكرية والتنظيمية. فمن الأصل لم تكن قوة التنظيم معروفة على وجه الدقة سواء من حيث عدد الأفراد والعتاد ومراكز الانتشار داخل المنطقة أو خارجها، وكانت الحسابات مبنية على تقديرات ومعلومات متباينة، فيها من التخمين أكثر مما فيها من الحقائق، أو من حيث مصادر التمويل، أو من حيث القدرة على التعبئة وتوفير الأتباع أو ما يسمى بتوفير الحاضنة المجتمعية سواء داخل المنطقة أو خارجها. ويقول المسؤول الأمريكي إن التنظيم أظهر مرارا قدرة على النهوض من خسائر فادحة تكبدها خلال السنوات الثلاث الماضية بالاتكال على كادر متخصص من القادة المخضرمين من الصفوف المتوسطة، وشبكات سرية واسعة النطاق، وتراجع ضغوط مكافحة الإرهاب، وتمكن بذلك من شن هجمات جديدة بواسطة فصائل تابعة له بعيدة عن مركز القيادة جغرافيا، والآن – وفقا – لكلام المسؤول الأمريكي واصل التنظيم تمدده عالميا مع نحو عشرين فصيلا تابعا له برغم كل ما لحقه من خسائر. ويضيف المسؤول الأمريكي إن التنظيم يركز حاليا على تحرير الآلاف من عناصره الموجودين في مراكز الاعتقال في شمال شرق سوريا في ظل غياب أي مسار دولي منسق للبت في أوضاعهم.
ما ورد في حديث رئيس المركز الأمريكي لمكافحة الإرهاب أمام الكونجرس ينطبق عليه وصف الخطاب الكاشف لا المُنْشئ، بمعنى أنه لا يأتي بجديد بقدر ما يزيح التراب عن حقائق قائمة ليس إلا، ولا يضيف لنا معلومات جديدة تماما عن طبيعة تنظيم كداعش ومصادر قوته أو أسباب استمراره برغم كل الجهود المحلية والعالمية التي تم بذلها منذ ظهوره 2014. فالمعروف للمعنيين بمتابعة نشاط أي تنظيم من عينة «داعش» أن هناك عدة محاور تحدد قدرته على الحركة والبقاء طويلا، هي الفكرة أو الأيديولوجية، والبناء التنظيمي، والتمويل. وكل منها يتفرع إلى عناصر متعددة تتكامل فيما بينها. وقد نشأ «داعش» على الترويج لفكرة بسيطة ولكن جاذبة هي بناء دولة الخلافة في سوريا والعراق. لم يفعل مثلما فعلت القاعدة عندما بنت شعارها على محاربة «اليهود والنصارى عالميا»، ولا مثلما فعلت التنظيمات الجهادية القديمة عندما رفعت شعار إسقاط الحكومات القائمة بقوة السلاح، وأى من الطرفين الأخيرين لم يقدر له النجاح. واعتمد تنظيم «داعش» من الناحية الهيكلية على توفير القيادات البديلة لا تركيز القيادة في زعامتها فقط، وكذلك العمل باللامركزية وتعدد الفصائل، والاستفادة مما قدمته وسائل التواصل الرقمية من إمكانيات واسعة للحركة المستقلة للعناصر والفصائل المنتمية أيديولوجيا، وكثيرا ما لجأ التنظيم إلى نشر الفيديوهات التي تسجل عملياته هنا وهناك ليس فقط لرفع الروح المعنوية لعناصره وإنما لجذب عناصر جديدة تكون مفتتنة بنجاحات التنظيم. وفي هذا الإطار كثيرا ما وقعت عمليات مما أصبحت تسمى بعمليات الذئاب المنفردة. وأخيرا يأتي عنصر التمويل. فالقاعدة بالنسبة للتنظيمات الكبيرة الحريصة على الاستمرار هي أنها تهتم جدا بحسن استخدام الموارد المالية، ولكن «داعش» انشق على هذه القاعدة، أي عدم الاهتمام بالحفاظ على الموارد، وذلك لسبب بسيط هو قدرته على توفير الموارد دائما أيا كانت الضغوط أو الخسائر. وخلال تواجده في العراق وسوريا تمكن من الاستيلاء على عديد مناطق إنتاج البترول وكان يبيعه بأثمان رخيصة عبر تهريبه للخارج. والأهم أنه وجد دعما لوجستيا من عديد الحكومات والدول المتخاصمة في نزاعات المنطقة الساخنة. والمعنى أن التنظيم لم يواجه يوما مشكلة التمويل، بل على العكس توافر له هذا بسهولة.
لقد تعرض التنظيم لهزيمة عسكرية ولكنها لم تكن كاملة بدليل أن هناك الآلاف من عناصره لا يزالوا متواجدين شمال شرق سوريا في مراكز الاعتقال، ويقوم من وقت إلى آخر بعملية هنا أو هناك داخل العراق وخارجها خصوصا في بعض الدول الإفريقية شمال القارة، ولا تزال القوات العراقية تباشر مداهمة مواقع للتنظيم وأتباعه. ومن ناحية أخرى لم تنته الأسباب السياسية التي شكلت ولا تزال بيئة مناسبة لإحياء نشاط التنظيم من وقت إلى آخر، هذا فضلا عما سبق توضيحه بالنسبة لطبيعة التنظيم ومصادر قوته الذاتية. وفي هذا الإطار تتركز الأسباب السياسية التي تساعد على استمرار نشاط التنظيم في مجموعتين من الأسباب واحدة ذات طبيعة محلية أي تتعلق بالظروف السياسية التي يمر بها العراق وغيره من الدول التي تشهد حضورا لنشاط التنظيم، وأخرى خارجية أي تتصل بالأبعاد الدولية عموما. فلا شك أن العراق وغيره ممن يعانون من الإرهاب يحاولون جاهدين استعادة دور الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار، ولكن استمرار التنازع على السلطة ووجود ما يمكن تسميته بالدولة الموازية، أي الأشكال التنظيمية التي تنازع الدولة على أدوارها المعتادة، يفسح المجال لظهور الجماعات الإرهابية ويمكنها من فرض سطوتها خصوصا عندما تكون بقوة تنظيم مثل «داعش».
كما أن دولا بهذه الوضعية لا تتمكن من توفير الدعم اللوجستي القوى من الخارج لأنه يعتبرها دولا حاضنة للإرهاب وإذا ما قدم لها المساعدة فربما يحصل عليها الإرهابيون، وعليه فإنه يطالبها أولا بإصلاح أوضاعها السياسية. ومما يذكر أن العراق كان قد طلب من الاتحاد الأوروبي شطب اسمه من قائمة تمويل الإرهاب وغسل الأموال. وكانت المفوضية الأوروبية قد أدرجت العراق ودول أخرى مثل أفغانستان وسوريا وباكستان واليمن ضمن القائمة السوداء للدول التي تشكل مخاطر مالية على الاتحاد بسبب مؤشرات على وجود غسل الأموال. والرسالة هنا هي ضرورة أن يسارع العراق أو غيره من المتضررين من «داعش» إلى تحقيق الإصلاحات السياسية التي تطمئن الاتحاد الأوروبي فيعاود مساعداته لهم. ومن جهة أخرى تتيح الصراعات الإقليمية عديد الفرص للجماعات الإرهابية للتسلل والحصول على الموارد، فضلا عن أنها تزيد من حدة الانقسامات الداخلية ومن ثم إضعاف دور الدولة الوطنية، وما لا يحتاج لتفصيل أن «داعش» استفاد جيدا من بقاء الصراعات الإقليمية من حيث استغلاله من جانب أطرافها في تصفية الحسابات فيما بينهم. وأما على المستوى العالمي فإنه من الواضح تراجع الزخم الدولي في مكافحة الإرهاب وتحديدا في تواصل الحملة للقضاء على «داعش» تماما أو على الأقل إضعافه إلى حد كبير.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب على التنظيم يبدو واضحا أن استراتيجية الدول الكبرى العالمية وبالأخص الولايات المتحدة كانت تتركز حول التوصل إلى نجاح ما ولو غير مكتمل في الحرب على التنظيم لكسب نجاح سياسي داخلي. وللحق فإننا لابد أن نسترجع كلام الرئيس الأمريكي ترامب وقت إحراز النصر العسكري، حيث شدد على أن الدول المعنية في المنطقة هي التي تتحمل من الآن فصاعدا المسؤولية عن وضع نهاية لداعش مع توفير الدعم لها ما أمكن. وعودة التنظيم بمؤشرات خطيرة يؤكد أن هذه الاستراتيجية كانت قصيرة النظر، حيث كان يتحتم تزايد الدور الدولي ومن جانب الولايات المتحدة في مطاردة فلول التنظيم لا التراجع وترك القوات العراقية تواجه الموقف بقدراتها المنفردة أو بمساعدة محدودة من الناتو. وهكذا فإن عودة «داعش» ما هي إلا عودة لنفس الظروف التي قادت إلى ظهوره في السابق، ليبقى التنظيم مجددا خطرا على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.