مرفأ قراءة … “المختار من التراث”.. مدخل معاصر

إيهاب الملاح

  • 1 –
    ما زلت على قناعتي بأن ثمة فجوة كبيرة في حاجة إلى جَسْرٍ بين تراثنا العربي والإسلامي؛ في مجالاته المعرفية والإنسانية والأدبية ذات القيمة المتجددة الحية، وبين شبابنا في أنحاء متفرقة من عالمنا العربي، يشعرون برهبة وغربة من متون هذا التراث وقلة قليلة منهم من امتلك القدرة والمهارة والدربة التي تمكنه من مقاربة هذه الثروة دون أن تعوقه اللغة التراثية ولا طبيعة صياغة بعض نصوصه التي تحتاج إلى تكوين ثقافي خاص وذائقة توفر لها الحد الأدنى من التماسك والتبلور.
    ولأنني من المغرمين بتراثنا العربي، ومن المتحمسين لقراءة نصوصه والعودة إليها بين حين وآخر، واستعادة كنوزه وقيمه الإنسانية والمعرفية “الموجبة” التي تتلاقى مع مثيلاتها من تراثات الثقافات والحضارات الأخرى؛ فلا أملُّ من التذكير والدعوة إلى تبسيط وتيسير هذا التراث ووضعه في صيغٍ وأشكال ووسائط معاصرة وتكون متاحة ميسورة بين أيدي أبنائنا من الشباب؛ وفي هذا الصدد أستعيد كثيرًا من المشروعات أو المبادرات التي اتجهت إلى هذا التراث العربي (والإسلامي)، تَبسيطًا وتَقريبًا، تَهذيبًا وتَشذيبًا، اختيارًا وتلخيصًا، لتكون عتبة مزهرة مفروشة بالورود والرياحين للإقبال على هذا التراث، والاتصال به وقراءة عيونه الكبرى..

  • 2 –
    من هنا استجلتِ الذاكرة تلك السلسلة العظيمة التي تتالت أعدادها على مدار ما يقرب من ثماني سنوات (1996 – 2003) وهي سلسلة التراث (أو المختار من التراث) التي كانت تصدر في إطار مشروع مكتبة الأسرة المصرية، وكانت تقوم بتقديم نصوصٍ مختارة من عيون كتب التراث العربي، يقوم بهذا الاختيار أستاذ متخصص أو أكاديمي قدير، يقوم باختيار نصوصٍ منتقاة بعناية تكون مناسبة للقراءة في هذا الزمان، لغة وموضوعًا، على أن يشفعها بما قد تحتاجه من شرح بعض المفردات أو إيضاح بعض المفاهيم، وكتابة بعض الهوامش البسيطة الكاشفة، والشارحة لسياقات هذه النصوص التاريخية، أو الدينية، أو المذهبية، أو الأدبية، أو السياسية.. إلخ.
    وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان يشرف على هذه السلسلة الرائعة الأستاذ الدكتور محمد عناني (أستاذ الأدب الإنجليزي والمترجم القدير، وصاحب البيان العربي الناصع الذي أنطق شكسبير بعربية جميلة في ترجماته ذائعة الصيت)، ونظرا لثقافته العربية الأصيلة والواسعة، فقد كانت اختياراته أكثر من ممتازة ومحفزة بل محرضة على مزيد من القراءة والبحث والاطلاع على هذه النصوص في كتبها الأصلية المحققة، المشروحة.

  • 3 –
    هكذا، ومن خلال كتب هذه السلسلة الرائعة، طالعتُ وقرأتُ نصوصًا مختارة لِكلٍّ من:
    ابن المقفع صاحب “كليلة ودمنة”، والجاحظ صاحب “الحيوان” و”البيان والتبيين” و”البخلاء”، والتوحيدي صاحب “الإمتاع والمؤانسة”، وابن خلدون صاحب “المقدمة” الشهيرة، وابن الأثير المؤرخ، والطبري المفسر والمؤرخ، وأبي الفرج الأصفهاني صاحب “الأغاني”، وابن قتيبة صاحب “عيون الأخبار”، وعبد القاهر الجرجاني صاحب “الدلائل” و”الأسرار”، وابن عبد ربه صاحب “العقد الفريد”، والغزالي صاحب “الإحياء”، وابن عربي صاحب “الفتوحات”، وابن رشد صاحب “تهافت التهافت”، وابن طفيل صاحب “حي بن يقظان”، والبَلاذُرِيّ صاحب “فتوح البلدان”، وياقوت الحموي صاحب “معجم البلدان”، وابن صاعد الأندلسي صاحب “طبقات الأمم”… وغيرهم من عمالقة وأعلام تراثنا العربي الزاخر، الزاهر، من أصحاب المؤلفات العظيمة والمصنفات الباهرة في مجالات المعرفة الإنسانية التي خبروها في ذلك الوقت، الأدب، الشعر، الفلسفة، التصوف، الفلك، علم المناظير (البصريات)، الجبر وحساب المثلثات، الهندسة، الطبيعيات، البيزرة والبيطرة، الطب، النجوم والكواكب، علم اللغة والمفردات والمعاجم.. إلخ
    كان الكتاب الواحد يتراوح عدد صفحاته بين 100 و120 صفحة (قد تزيد في بعض الأحيان لتصل إلى مائتي صفحة من القطع الصغير، وفي أحيان قليلة كانت تتجاوز المائتين وخمسين صفحة) تتصدره مقدمة تعريفية بسيطة، بالكتاب وصاحبه، ثم النصوص المختارة مضبوطة ومشكولة.
    كانت قراءة مثل هذه الكتب متعة كبيرة، خصوصًا أنها وفَّرت ألفةً وتعودًا بِلغةِ هذا التراث من ناحية، ومن ناحية أخرى وفَّرت مادة لطيفة، مغرية بالقراءة، تتضمن النوادر والحكايات والأقاصيص، أسمارًا وحواديت، وفتحت نوافذ عديدة للتعرف على كتبٍ ومؤلفات، هي في الحقيقة كنوز رائعة لا ينبغي أن يهملها أو يغفلها أي طالب للمعرفة والثقافة العربية الأصيلة.
    وسيكون أمرًا مبهجًا أن تكتشف أن ما قرأته واستمتعت به في سنوات الطلب الأولى، من خلال هذه السلسلة الرائعة في تيسير التراث، ما هو إلا غيض من فيض، وجزء من كل، وأثر يدل على مسير، وأن هناك مؤلفات عظيمة، على ضخامتها واتساعها وشَسَاعة أركانها وغزارة مادتها، من الصعب على النفس قبول الإغضاء عنها أو إهمالها بالكلية، فمن ذا الذي يفوت قراءة ديوان شاعر العربية الأكبر “أبي الطيب المتنبي” أو مختارات من شعره الذي ينضح بالحكمة والبيان فيما لا مزيد عليه، أو لا يثير فضوله أن يقرأ أعمال فيلسوف المعرة أبي العلاء المعري، بلزومياته ودرعياته، بشرحه المعجز على ديوان أبي الطيب المتنبي، أو بسرديته النثرية الخالدة “رسالة الغفران” والأقل منها شهرة “رسالة الصاهل والشاحج”.
    من ذا الذي يهمل أو يغفل قراءة كتابٍ مثل “العقد الفريد” لابن عبد ربه بأجزائه السبعة العامرة، أو لا تهفو نفسه لمطالعة بعض مؤلفات فيلسوف قرطبة ورافع لواء العقل في الحضارة الأندلسية، العظيم ابن رشد، خاصة في كتابيه الفريدين “كشف مناهج الأدلة عن عقائد الملة”، و”فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، وكذلك قراءة أُعجوبة أستاذه ابن طفيل الفيلسوف “حي بن يقظان”، وهي نص فريد في تاريخ النصوص الفلسفية الإنسانية عبر تاريخها كله.
    هل هناك من يمكن أن يفوت متعة قراءة السيرة النبوية التي جمعها ابن هشام رواية عن ابن إسحاق، أو يسعى للكشف عن الشروحات، وكتب السير، وتراجم الصحابة التي تجمعت وتحلقت حول سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم ومن خلال هذا المسار الانفتاح على باب عظيم من أبواب التأليف العربي القديم، والعناية بتراجم الرجال والتأريخ لحياتهم في ما عرف بكتب التراجم والوفيات…

  • 4 –
    من بين أبرز هذه المجموعة من المختارات (التي وصلت إلى مائة كتاب مختارة من مائة مصدر تراثي شهير) سأنتقي مثالًا واحدا منها لأدلل على أنها كانت سببا مباشرا عقب قراءتها في البحث فورا عن أصولها المحققة في طبعاتها الكاملة وقراءة متنها الكامل بمتعة حقيقية ومعرفة وافرة (مهما كان عدد الأجزاء أو المجلدات التي يتكون منها هذا الكتاب أو ذاك)..
    سأبدأ بـ المختار من رسائل الجاحظ التي صدرت عام 1999، في 117 صفحة من القطع الصغير. تضمنت هذه النسخة من المختارات رسالة نادرة من رسائل الجاحظ اشتهرت بعنوان “القول في البغال”، وكانت إحدى نسخها تحمل عنوان “كتاب البغال ومنافعها” ولكنها فقدت، ولم تنشر هذه الرسالة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، ثم أعيد نشرها بعد أن أدرك الدارسون أهميتها، ودلالتها البالغة على تقدم الكتابة العلمية بل والتفكير العلمي الذي تميز به الجاحظ.
    فيما أعتقد فإن قارئ هذه المختارات سيجد فيها من المتعة ما يغريه بالغوص في أعماق تراثنا العلمي الحافل، وأن يجد في أسلوب الجاحظ الفريد حافزا على الكتابة العلمية باللغة العربية، وقد كانت شائعة وجلية في كتب ومجالات عديدة؛ وقد كان هذا الهدف واضحًا تمام الوضوح لدى القائمين بعملية الاختيار وإصدار المختارات؛ وقد أكدوا على هذه الغاية في وقتٍ كانت (وما زالت للأسف!) تتعرض فيه لغتنا العربية للاتهام بالقصور وعدم تلبية احتياجات العصر.
    تأتي هذه المختارات الناصعة (وأصلها الباذخ الذي حققه وأخرجه المرحوم عبد السلام هارون في 4 مجلدات هي قوام “رسائل الجاحظ”) لتثبت (ويثبت مؤلفها العبقري الفذ) أن لغتنا غنية بالمعاني والتعريفات والفروق الدقيقة، وتكاد تدعو كل دارس وباحث أن يغترف من منهلها حتى يعود للبيان العربي إشراقه ودقته في عصر العلم والمعلومات والانفجار المعرفي…