د. الملا: اللقاح لن ينهي العدوى لكنه سيقلل من فرصة حدوثها !

فيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد تصل ذروتها في الشتاء

ما زلنا في السلطنة بالموجة الأولى والإصابات سوف تزيد في شهري نوفمبر وديسمبر

ـ الفيروسات تنتقل بشكل مختلف في الهواء باختلاف درجات الحرارة ومستويات الرطوبة
ـ الموجة الثانية قد تأتي على مجموعة من الناس، أو أنَها تأتي على مستوى وبائي مثل ما حدث في أوروبا.
ـ العودة إلى الحياة الطبيعية في العام المقبل ستعتمد على التقدم في اختبار الفيروس
ـ نسبة عالية من المجتمع لا تزال بدون أجسام مضادة

” عمان ” :
أعلنت 10 دول أوربية رسميا بدء المرحلة الثانية من تفشي فيروس كورونا المستجد، وكان الاتحاد الأوربي قد أعلن الخميس الماضي بأن الوباء الآن أسوأ مما كان عليه خلال فترة الذروة في مارس بالعديد من البلدان الأعضاء.
وفي السلطنة شهدت الأيام الماضية ارتفاعا في أعداد المصابين، وأيضا في عدد الوفيات، وحذر وزير الصحة من أن التهاون في اتباع الإجراءات الصحية قد يزيد من أعداد المصابين. فهل ما تشهده السلطنة يعتبر الموجة الثانية من فيروس كورونا.
يوضح د. يوسف بن علي الملاَ- طبيب بوزارة الصحة قائلا: مع دخول السلطنة فصل الخريف واقترابنا من فصل الشتاء، من المهم أن نحصل على المستوى الأساسي للعدوى اليومية أقل بكثير مما هو عليه الآن. ولكون السلطنة إحدى الدول شبه المدارية، فيستمر ظهور فيروسات الإنفلونزا الموسمية على مدار السنة، ومع ذلك فإن نشاطها يبدأ في سبتمبر ويمكن أن تستمر حتى مايو وتبلغ أقصاها في شهر ديسمبر. فبعض العناصر الفيزيائية للطقس الشتوي تجعل الهروب من الفيروسات أكثر صعوبة، حيث إنَ فيروسات كورونا التي تسبب نزلات البرد تصل إلى ذروتها بشكل موثوق في أشهر الشتاء، كما تفعل فيروسات الإنفلونزا.
صحيح ما زال هناك بعض الغموض حول السبب، ويبدو أنه يرجع جزئيًا إلى الهواء، ولعلَ الفيروسات تنتقل بشكل مختلف في الهواء باختلاف درجات الحرارة ومستويات الرطوبة. ففي طقس الصيف المعتاد، لا تنتقل الجزيئات السائلة المجهرية التي تنطلق من أفواهنا بكفاءة كما تفعل في هواء الشتاء الجاف، فهل ستكون السلطنة حالها حال بعض الدول الأوروبية مثلا، والتي بلا شك شبح الموجة الثانية قادم لها، وسيكبلها شتاؤها القارس أمام الشبح القاتل والذي ينتظر ربما استعادة نشاطه بقوة بالشتاء! وتجدر الإشارة إلى أن إحصائيات السلطنة لمرض الإنفلونزا الموسمية من يوليو2018 إلى يونيو2019 وإجمالي عدد الحالات المؤكدة مخبريا كانت 2726 حالة نتج عنها حوالي 29 حالة وفاة.

الموجتان الأولى والثانية

يقول د يوسف الملا في هذا السياق : الحقيقة وبلا جدل يجب أن نخطط لفصل الشتاء، حيث بات جليًا بأنَ التطعيم لكن يكون جزءًا من حياتنا حتى نهاية العام الحالي، إن لم يكن مع بداية أو منتصف السنة القادمة لـ2021 وذلك للتأكد من نجاعة اللقاح وسلامة استخدامه. ومع ذلك تبذل الحكومة كل السبل المتاحة لتوفير مبدئياً نسبة محدودة للقاح فيروس كوفيد 19 مع نهاية هذا العام من الشركات المعتمدة، وهذا حقيقة تحدٍ وجهد رائع ومقدر للجنة العليا ووزارة الصحة العمانية، لأنَ اللقاح لو افترضنا تم الوصول إليه في شهر نوفمبر 2020 مثلا، فلن يتم تحصين كل المجتمعات قبل نهاية عام 2021 ، وهذا يقودنا إلى التذكير بأنَ هنالك ما يزيد عن 165 مصلا تحت الاختبار على مستوى العالم، ولكن للآن ليس هنالك مصل أو لقاح تم اعتماده للاستخدام الواسع. بينما هنالك عدد من اللقاحات تحت الاختبارات في المرحلة الثالثة، في حين أنَ مصلا صينيا وآخر روسيا فقط اعتمدا محليا بدولهما ولاستخدام محدود، مع العلم أنَ بعض الأمصال والتي الآن تحت التجارب قد نحتاج منها للتطعيم جرعتين وليس جرعة واحدة للشخص.
وأضاف: أمَا إن تحدَثنا عن الموجة الثانية وفي فترة تخفيف القيود والإجراءات، فحقيقة يجب أن تنتهي الموجة الأولى أصلا. ولكي نقول أن موجة واحدة قد انتهت، أي أنه تم السيطرة على الفيروس وانخفضت الإصابات بشكل كبير خلال أسابيع، ومن ثمَ تبدأ بؤر كثيرة أو موجة ثانية في أماكن كثيرة بالعالم بالظهور مرة أخرى وتنتشر بشدة ربما تكون أشد من الموجة الأولى، وهنا نستطيع القول أنها موجة ثانية إن صح لي التعبير. والظاهر لي الآن أننا في السلطنة ما زلنا في الموجة الأولى لم نخرج منها ونعيش في تداعياتها.

سلوك الفيروسات

ويشير د. يوسف : عند التنبؤ بمستقبل جائحة كورونا، فبالتأكيد نرجع بالبحث عن الأوبئة الأخرى وسلوك الفيروسات آنذاك، فلو رجعنا إلى سيناريوهات مثل عائلة كورونا نفسها ( كسارس ومارس) فهذه موجاتها كانت ضعيفة جدا، حيث أنَه في 2003 جاء فيروس (سارس) وما زالت تأتي منه موجات لكن ضعيفة، فلو فيروس كوفيد 19 اتبع نفس النهج، فالمفروض أنَ الموجة الثانية تكون خفيفة، وهذا الذي نتمناه وفق السيناريو المتفائل.
أما السيناريو الآخر أنَه لا يتَبع نهج عائلة كورونا، ويأتي بموجات كما كان مثلا بعامي 1918-1919 ووباء الإنفلونزا الأسبانية آنذاك والتي أصابت العالم، حيث إنَ الموجة الثانية له كانت أقوى بكثير من الموجة الأولى وأودت بأعداد كثيرة بالملايين.
وتابع مضيفا: هنا أود أن أذكر أنَ الموجة الثانية قد تأتي على مجموعة من الناس، أو أنَها تأتي على مستوى وبائي مثل ما حدث في أوروبا.

الخطر الحقيقي !

وحقيقة ما يقلقني أنَ الخطر الحقيقي هو أننا سنحصل على نوعين من مسببات الأمراض التنفسية المنتشرة في نفس الوقت خلال الشتاء. ما أعنيه أنَه إن ظهرت موجة فيروس كورونا شرسة خلال الأسابيع القادمة وكان موسم الإنفلونزا الشتوي والمعتاد لدينا، فسيؤدي ذلك إلى ضغط شديد على مؤسساتنا الصحية مرة أخرى. وقد يحصل أنه لا يمكن تمييز أعراض الأنفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى بشكل فعال عن الأعراض المبكرة والخفيفة لكوفيد19 .وبالتالي فالاختبارات ستكون ضرورية لتحديد الحالات الحقيقية وطمأنة الآخرين على سبيل المثال في المدارس وأماكن العمل بأن سعالهم ليس بسبب كورونا. ناهيك أنَ لقاح الإنفلونزا للعاملين في مجال الرعاية الصحية، والنساء الحوامل، وكبار السن (65 سنة)، والمرضى الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة كأمراض الجهاز التنفسي والقلب والسكري سيكون مفيدًا في المساعدة على الوقاية من مرض يمكن أن يشبه إلى حد بعيد كوفيد9 .
وأكد قال: مهما يكن بكل تأكيد العودة إلى الحياة الطبيعية في العام المقبل ستعتمد على التقدم في اختبار فيروس كورونا نفسه وظهور اللقاح، ناهيك أنَه من المهم بمكان إدراك، أنَ اللقاح لن ينهي العدوى بل سيقلل فرصة حدوث العدوى، وبالتالي ستكون الأعراض أقل، مثله مثل الإنفلونزا الموسمية .
وتابع قائلا: فالآن بعد أن عرفت المستشفيات والأطباء وحتى الناس ما يواجهونه، ستكون الذروة التالية بالتأكيد أسهل من الذروة الأولى، فإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد حدث خطأ ما! ناهيك وأنَه في الأشهر الأخيرة، الواضح أنَ الفيروس ما زال سريع الانتشار لكنه أقل شراسة، ومع ذلك هنالك تخوف أن تكون الموجة الثانية أكثر خطرا على الشباب منه لكبار السن مقارنة بالموجة الأولى.
وهنا أؤكد أنَ مسار الموجة لفيروس كوفيد19 يتحدد إلى حد كبير بواسطة عوامل أخرى غير الفيروس نفسه ، ما أشير إليه أنَه لم تكن خصائص الفيروس ، ولكن إن صح لي القول فخصائص البشر وسلوكهم هو من قد خفف من الموجة الأولى، فبعد أنَ نجح الناس في احتواء الموجة الأولى بإجراءات صارمة إلى حد ما، لاحظنا كيف انَ مجتمعات بعض تلك الدول تراجعوا بشكل لافت عن اجراءات الإحتواء، وبالتالي نرى الآن كيف أنَه خلق مساحة لبناء موجة جديدة، وها هي ربما سترتفع الموجة مرة أخرى بحيث بكل تأكيد سترفع هذه الدول مستوى الإحتواء وإجراءاته.

تأثير الشتاء

وتحدث د. سوف الملا عن تأثير فصل الشتاء على صحة الناس موضحا: بطبيعة الحال عندما يصبح الناس أكثر خمولاً كما هو بالشتاء، حيث تصبح أجهزتنا المناعية أقل يقظة، وتؤثر في قدرتنا على التكيف بشكل عام. ناهيك أنَ أعراض الاكتئاب تميل أيضًا إلى الارتفاع في الشتاء. كيف ولا، وهذا العام ستصاحب هذه الأعراض قيود على الحياة الاجتماعية ومخاوف تتعلق بالصحة والحالة المالية للأفراد، مما يجعلنا معرضين للخطر من الناحية الفسيولوجية كشعور متزايد بالتعب السلوكي، وحاجة حقيقية لشرائح من السكان للعودة للحياة العامة والخروج .
وهنا نعي أنَه في موسم البرد والإنفلونزا، يكون الكثير منا محميًا أو محميًا جزئيًا بواسطة الأجسام المضادة للفيروسات المنتشرة. لكن مع مرض كوفيد -19، لا يزال عدد الأشخاص الذين لديهم أجسام مضادة منخفضًا. إضافة إلى ذلك فقد بيَن أحد مراحل المسح الوطني الإستقصائي المصلي لكوفيد 19(مسح لجميع الحالات سواء ظهرت عليهم الأعراض أو لم تظهر ) إصابة ما يزيد عن 276 ألف حالة، ولديهم أجسام مضادة لكوفيد 19 على مستوى السلطنة.
وأشار إلى نقطة ، وهي أنّ هناك فارقا واضحا بين ما بيَنه الإستقصاء المصلي، والعدد الدوري المعلن عنه بشكل دوري للحالات المصابة. والواضح جليًا أن الحالات التي لم تظهر عليها أعراض لمرض فيروس كورونا تشكِل النسبة الأعلى لهذا الإستقصاء، وهذا جيد مع إدراك أن نسبة عالية من المجتمع لا يزالون بدون أجسام مضادة.
وإذا أخذنا بعين الإعتبارأنَ المعدل الوطني للاستقصاء المصلي (الأجسام المضادة) ارتفع من 6% في المرحلة الأولى إلى 11% في المرحلة الثانية للاستقصاء، وبالتالي هناك احتمال للحصول على 60% أو اقل من الانتشار المصلي في الأشهر القادمة، وربَما المناعة المجتمعية وتطورها بالسلطنة ليست بعيدة عن الواقع بشرط أن لا تنخفض الأجسام المضادة بمرور الوقت، وهي بشكل وبآخر ستؤثر على النسبة التي سنحتاجها من اللقاح في حال إنتاجه، فهل المناعة المجتمعية (مناعة القطيع ) ستكتسب نتيجة أخذ اللقاح، أم بتطور الأجسام المضادة بعد الإصابة ؟ هذا بلا شك ما ستكشفه الأسابيع القادمة ؟