أزمة كورونا تؤثر على مختلف قطاعات التنمية في السلطنة

•    ضرورة السعي إلى تغيير نموذج الشركات والمؤسسات التجارية بعد الجائحة وجعلها أكثر رشاقة واستجابة للصدمات
•    الجائحة أظهرت أهمية التوسع في القطاعات الاستراتيجية واستغلال التغيرات بسوق العمل
•    عدم وجود سياسات واضحة ومعايير لجودة التعليم الإلكتروني ..أبرز التحديات
•    تحسن في نوعية الموارد المائية يعود لإجراءات الإغلاق الصارمة ووقف الأنشطة الصناعية
“عمان” أثّرت عاصفة فيروس كورونا المستجد على مختلف المجالات التنموية بالسلطنة، وقد نتساءل عن التأثيرات في القطاع الاقتصادي؟ وكيف أثر فيروس كورونا على الوسط المجتمعي والقطاع التعليمي والسياحي والبيئي؟ وما هي الممارسات التي اتبعتها مؤسسات المجتمع العماني في التعامل مع الآثار التي خلفتها جائحة كورونا المستجد؟ سلّطت مجلة “تواصل علمي” التي تصدرها عمادة البحث العلمي الضوء على التوقعات الاقتصادية واستعرضت خطط وبرامج الباحثين، حيث يقول الدكتور المختار العبري عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عن تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد العماني خلال حديثه لمجلة “تواصل علمي ” أن السلطنة تأثرت كحال الدول الأخرى المصدرة للنفط، بصدمتين متزامنتين هما: تفشي الوباء العالمي وانخفاض أسعار النفط، وعلى الرغم من التراجع في عائدات النفط والوضع المالي الصعب (نتيجة تراجع أسعار النفط منذ عام 2014)، فقد استجابت الحكومة بسرعة للتخفيف من العواقب الاقتصادية للأزمة من خلال حزمة من الإجراءات للحفاظ على الاستقرار المالي ودعم القطاعات والفئات المتضررة وتحفيز الطلب لمنع حدوث ركود اقتصادي طويل”.
وأشار إلى أن أبرز القطاعات المتأثرة بالجائحة هي: الفنادق والمطاعم، يليها النقل والتخزين، ثم قطاع تجارة الجملة والتجزئة (وخاصة في السلع المعمرة والكماليات) ويقع العبء الأكبر في هذه القطاعات على الشركات الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص. كما أن هذه القطاعات تتطلب صلة مباشرة مع المستهلك وقد تأثرت نتيجة انخفاض الطلب الداخلي وانهيار الطلب من قبل السياح والمسافرين من رجال الأعمال نتيجة إغلاق الحدود”.
ودعا العبري الشركات والمؤسسات التجارية إلى ضرورة السعي إلى تغيير نموذجها التجاري بعد الجائحة، من خلال جعل هيكلها أكثر رشاقة واستجابة للصدمات وتغيير نمط الاستثمار من خلال الاعتماد على استئجار المعدات والآليات، وأيضا تقليل أعداد الموظفين الثابتين في المؤسسة والاستعانة بموظفين خارجيين حسب المهمة أو إسناد الأعمال لشركات أخرى (مثال التغليف والتوصيل)، كما ستؤدي الجائحة إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد في العديد من الدول لجعلها أكثر استقرارًا وأقل عرضة للتعطل أثناء الأزمات.
واختتم الدكتور المختار حديثه بأن جائحة كوفيد-19 أظهرت أهمية التوسع في القطاعات الاستراتيجية، مثل الغذاء والخدمات الأساسية وقطاعات المعلومات والتكنولوجيا للتغلب على الاضطرابات طويلة الأمد. كما يمكن استغلال التغيرات في سوق العمل التي أحدثتها الجائحة لتقليل الاختلالات في سوق العمل وزيادة مشاركة القوى العاملة الوطنية وتحسين إنتاجيتها، وتشكّل الجائحة وتداعياتها فرصة لتسريع برامج الإصلاحات الهيكلية مثل تنمية القطاع الخاص وتعزيز الشراكة بينه وبين القطاع العام وتحسين فعالية الإنفاق والدعم الحكومي.
المنظومة التعليمية واستعرضت الدكتورة عائشة الحارثية قسم الأصول والإدارة التربوية – إدارة المنظومة التعليمية في السلطنة في ظل هذه الجائحة قائلة: ” كان هناك تباين كبير بالنسبة لإدارة المنظومة التعليمية في السلطنة، وذلك بحسب الإمكانات المادية والبشرية الموجودة في المؤسسات التعليمية، فتلك التي كانت لديها بنية أساسية إلكترونية قوية ولديها الخبرات التعليمية المتخصصة في التعليم الإلكتروني استطاعت التحول إلى التعليم الإلكتروني بسهولة، أما المؤسسات التي شحت فيها الخبرات التعليمية المتخصصة والبنية الأساسية فقد اعتمدت على أنظمة التعليم الإلكتروني المجانية ومفتوحة المصدر، مما أدى إلى وجود عبء كبير على الأشخاص الذين لديهم خبرات بسيطة في استخدام هذه الأنظمة، كما شكّل ضغطًا على أعضاء هيئة التدريس والطلبة، ومع قلة الدعم للبنية الأساسية والتدريب على التعليم الإلكتروني فقد كانت الممارسات تعكس أسلوب المحاولة والخطأ، وكردة فعل أكثر من كونها عملية مخطط لها وتم تقييمها من كل الجوانب”.
وأشارت الحارثية إلى نظام التعليم في الجامعة في ظل الأوضاع الحالية قائلة : “حظيت كليات الجامعة بتوافر الإمكانات المادية والبشرية التي تم توظيفها في إدارة المنظومة التعليمية من خلال تشكيل لجان على مستوى الكليات والأقسام لمتابعة تطور العمل على خطة التعليم الإلكتروني الطارئة التي تبنتها الجامعة، كما تم تشكيل فريق دعم للطلبة مزود بخط ساخن للوقوف على الإشكالات التي تواجههم ومحاولة حلها أو تحويلها للجهات المعنية، إلى جانب إنشاء موقع للدعم الإلكتروني لأعضاء هيئة التدريس لتعريفهم بمهارات التدريس الإلكتروني وصقل خبراتهم فيها، وتوفير بعض الدورات التدريبية لأعضاء هيئة التدريس في بعض جوانب التعليم الإلكتروني”.
وحول تحديات التعلم الإلكتروني
خلال هذه الأزمة قالت: “إن من أكبر التحديات عدم وجود سياسات واضحة للتعليم الإلكتروني في مؤسسات التعليم العالي في السلطنة، وعدم وجود معايير واضحة لجودة التعليم الإلكتروني المقدم للطلبة في ظل هذه الأزمة، كما أن هناك تفاوتا كبيرا في الدعم المالي واللوجستي والتدريب المقدم لأعضاء هيئة التدريس والطلبة، وبالتالي فإن ردة الفعل هذه عكست جهودا مشتتة ومتباينة في طرق التدريس الإلكتروني وأساليب تقييم الطلبة وقدرة الطلبة على التعلم بهذا النمط، دون تهيئتهم وتقديم الدعم المناسب لهم”. البيئة الرابح الأكبر من جهته تحدث الدكتور محمد عثمان – من مركز الدراسات والبحوث البيئية – عن الآثار الإيجابية التي ظهرت على البيئة من جراء هذه الأزمة قائلا : ” لوحظ تحسن في نوعية الموارد المائية بسبب إجراءات الإغلاق الصارمة ووقف الأنشطة الصناعية. على سبيل المثال، تم تأكيد انخفاض كبير (بحوالي 10-40٪) في كمية المواد العالقة في بحيرات هندية وإيطالية (البندقية) بفضل عملية الإغلاق. وفي السياق نفسه، فقد تم تأكيد تحسن نوعية الهواء بصفةٍ كبيرة في العديد من المدن العالمية نظرا لتدني انبعاث الغازات الملوثة خلال عملية الحجر الذاتي، وهذا ينطبق على السلطنة، وبالتالي فإن البيئة هي الرابح الأكبر خلال هذه الأزمة. ومن المرجح أن يكون التحسن في جودة الماء والهواء مؤقتًا، لكن النتائج يمكن أن تعطي لمحة عن نوعيتهما في المستقبل عندما تصبح معايير تصريف المياه الصحية والانبعاثات الغازية أكثر صرامة”.
وكشف الدكتور عن نتائج دراسة حول إفرازات المصابين بالفيروس في مياه الصرف الصحي على أنها من الممكن أن تؤثر سلبا على البيئة بصفة عامة وعلى الموارد المائية بصفة خاصة إذا لم تتم معالجتها بالطريقة المناسبة. وفي هذا الإطار يقترح عدد من الباحثين تحليل محتوى هذا الفيروس في مياه الصرف الصحي البلدية بغاية تتبع انتشار العدوى في المكان والزمان. وحول تأثير الجائحة على الأمن الغذائي قال: ” تم تسجيل تأثير قوي على أنظمة إنتاج المحاصيل وسلسلة التوريد والأمن الغذائي العالمي، إذ أثر النقص في القوى العاملة (بسبب القيود على الحركة وقواعد التباعد الاجتماعي) والصعوبات في استيراد / تصدير المنتجات الزراعية على كامل سلسلة الإمداد الغذائي من منتجين ومصنعين وشركات نقل، كما توجد هناك تقارير عن إتلاف عدد من المنتجات الزراعية وكذلك الألبان بسبب عدم قدرة المزارعين أو التجار على نقلها من نقطة الإنتاج إلى الأسواق المحلية أو مراكز التصنيع. هذا وقد تأثرت البلدان المصدرة للمنتجات الأساسية (مثل المواد الطاقية) بالانخفاض الكبير في الطلب في العالم المتقدم”.
تكافل اجتماعي
أما على الصعيد الاجتماعي قالت أصيلة العزرية – من مركز البحوث الانسانية – : ” لا شك أن الحياة بأبعادها الاجتماعية في السلطنة تأثرت إثر جائحة كورونا مخلفة وراءها آثارًا اجتماعية لمختلف فئات المجتمع، فالقرارات الاحترازية من اللجنة العليا المعنية بالتصدي للجائحة ومنع مزاولة بعض الأنشطة التجارية لم تكن بالأمر الهين.
إضافة إلى ذلك الأضرار التي لحقت بأصحاب المشاريع الصغرى والصغيرة والمتوسطة، وأصحاب القروض والمسرحين من العمل والوافدين ممن وجدوا أنفسهم فجأة بدون عمل وأسر بحاجة إلى إعالة. هذا إلى جانب أن إغلاق دور العبادة والأماكن الترفيهية والرياضية والسياحية، وتعليق التعليم وإعفاء الموظفين من الذهاب إلى مقر العمل والالتزام بمزاولة أعمالهم من منازلهم كل ذلك أدى إلى تقييد حركة الأفراد والأسر وحرمانهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، ومن أداء الأنشطة الدينية الاجتماعية كالصلاة في المساجد وإقامة حفلات الأفراح وتجمعات العزاء وزيارة الأقارب والتجمعات العائلية في العيد وغيرها”.
وأضافت: “كما أننا لا نستطيع تجاهل تأثر كبار السن والأطفال وما دعتهم إليه الظروف الاستثنائية من التنازل عن الكثير من الأنشطة الاجتماعية والترفيهية ومن رؤية أقاربهم وأصدقائهم؛ الأمر الذي أدى إلى وقوع بعض هذه الفئات تحت وطأة الضغط النفسي والذعر والتوتر الذي تعددت مصادره سواء بسبب التغير المفاجئ في نمط الحياة لمحاولة التعايش والتأقلم على هذه الأوضاع أو بسبب ارتفاع حالات الإصابة في السلطنة أو غير ذلك”.
وأظهرت الآثار المترتبة عن الجائحة جانبًا آخر ذا صبغة إيجابية في الوسط المجتمعي ذكرتها العزرية بقولها: ” تمثلت في تجسيد مفهوم التكافل الاجتماعي بصوره المختلفة – معونات وصدقات وزكاة وغيرها – في المبادرات الفردية وإسهامات مؤسسات المجتمع المدني التي انصبت جميعها في مساعدة الفئات المتضررة، وظهور عدد من المنصات الإلكترونية المساندة والتي تركز على تقديم استشارات نفسية وغيرها، أو تلك التي تسعى إلى استثمار وقت فراغ الأفراد في مختلف الفئات بطرح الدورات والبرامج التدريبية الإلكترونية المجانية وغيرها من الآثار الإيجابية التي تعد في حد ذاتها سبلا لمواجهة الجائحة”.
وعن دور الجهات المعنية في التقليل من الأضرار الاجتماعية التي ألحقتها الأزمة قالت: ” تمثلت تلك التدابير جليا في تكاتف المؤسسات المختلفة للتصدي للجائحة ومعالجة آثارها، فقد برزت مبادرة الدعم النفسي من خلال الخط الهاتفي المخصص الذي يستقبل من الساعة الثامنة صباحا إلى الثانية ظهرًا استشارات الدعم النفسي المتعلقة بكورونا وتقديم المساعدة وخاصة لأولئك الذين لديهم أساسا مشاكل نفسية أو تتغير سلوكياتهم مع الضغط الذي يمكن أن يسببه هذا المرض وبالتالي يحتاجون للمساعدة. كما أن مشاركة الناس إنجازاتهم وابتكاراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبعث في النفس الطمأنينة والسرور من خلال وضع جدول نشاط (مفيد وممتع) بمشاركة جميع أفراد الأسرة وتحويل النظرة السلبية للأزمات إلى نظرة إيجابية”.
القطاع السياحي يعد قطاع السياحة من أكثر القطاعات تأثرًا بسبب هذه الجائحة، وتحدثت الدكتورة معصومة البلوشية -من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية- قائلة: ” الكثير من الدول تعول على قطاع السياحة لدعم الدخل وتوفير فرص عمل للمواطنين، والسلطنة ليست استثناء، وعوائد السياحة ليست اقتصادية فقط، وإنما تتعدى ذلك كونها أداة مهمة تربط بين شعوب العالم وثقافاتهم.” وحول تأثير الأزمة على المجال السياحي قالت: ” لم يعد هناك مجال للسياحة، وذلك بسبب توقف حركة الطيران وإغلاق المطارات وخوف الأفراد من التنقل مع انتشار الوباء، لكن لو أمعنا النظر في بعض الجوانب لوجدنا أن هذه الأزمة مثلما أظهرت تأثيرات سلبية، أتت كذلك بتأثيرات إيجابية. يمكن اختصار تجربة كورونا وتأثيراتها في هذه الكلمات: الزيارة غير مسموحة.. المنتج متوفر.. التجربة مؤجلة”.
وأضافت البلوشية إيضاحا لما ذكرته سلفا قائلة: “ماذا نعني بهذه الكلمات؟ المعروف في السياحة كما ذكرنا سابقا، حرية التنقل والحركة وزيارة الأماكن، ومشاهدة مناطق الجذب السياحية في كل وجهة، فإذا حصرنا مفهوم السياحة في هذه النقطة، إذا أنت لا يمكنك زيارة أي مكان سياحي في الوقت الحالي، رغم أن إحدى مواد مدونة أخلاقيات السياحة تنص على حرية السياحة أو حرية التنقل، إلا أن هذه المادة لا يمكن الاستفادة منها في ظل هذه الظروف.
لكن في الوقت نفسه ما زال بالإمكان الحصول على بعض المنتجات وأنت في مكانك، فالسياحة ليست فقط جولات وإنما هناك قطاعات أظهرت نشاطا غير عادي منها قطاع الأغذية والمشروبات فهذا القطاع أظهر نشاطا غير عادي وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولو نظرنا إلى الواقع لوجدنا أن المؤسسات الكبيرة تأثرت من جراء هذه الجائحة، أما المؤسسات الصغيرة فقد انتعشت خلال هذه الفترة، وأثبتت قدرتها على البقاء حتى في ظل مثل هذه الظروف، وهنا نكتشف المفارقة الغريبة أن “البقاء للأصغر”.