الحديث عن الديمقراطية المعاصرة

عبدالله العليان –

من الحق أن نقول إن الحريات العامة والانفتاح السياسي في الغرب الرأسمالي، أسهم في بقاء الرأسمالية، دون هزات أو ثورات منذ ما يقرب من قرن ونصف حتى الآن، بعد تطبيق العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ووجود التداول السلمي للسلطة، وهذا ما أخفقت فيه النظم الشيوعية في غياب الحريات والديمقراطية، وقيود الاستبداد والحكم الشمولي، انهارت هذه النظم تمامًا في أواخر القرن الماضي، وعادت هذه الدول للتعددية السياسية، وبعضها جمع بين الاشتراكية والليبرالية، بطرق تدرجية.

لا شك أن الحديث عن الديمقراطية وضروراتها الملحة للاستقرار السياسي، يعد من الأحاديث الذي يهتم له الكثير من الباحثين والمهتمين بالفكر السياسي الحديث بمتغيراته الكثيرة، ذلك أن فكرة الديمقراطية، كما طبّقت في الغرب، ومن خلال ما أسهمت فيه من توافقات من الفرقاء، سواء من الدولة والنخب السياسية ورغبة الشعوب في ذلك، كان لها الأثر الإيجابي في جعلها تسهم في الاستقرار، والتداول السلمي للسلطة في الغرب، مما قلل من الصراعات والتوترات السياسية التي حصلت في القارة الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهذا ما جعل فكرة الديمقراطية تلقى رواجًا كبيرًا لدى العديد من الشعوب الأخرى، التي عانت من التوترات والصراعات الداخلية من خارج القارة الغربية، من جرى الحكم الشمولي، وفي غياب التعددية والرؤية التي تفتح المجال لاختلاف الآراء وتنوعها.
والبعض من الشعوب الأخرى يرى أن فكرة الديمقراطية، فكرة بعيدة عن الواقع الفكري لدى الثقافات الأخرى، فلماذا يتم استيراد هذه الوسيلة من خارج نطاق الجغرافيا؟
لكن هذا القول تبريره ليس واقعا بصورة عامة، ذلك أن حركة الحياة فيها الأخذ والعطاء، من كل الثقافات والحضارات، ففي العصر الإسلامي الأول، أخذ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الكثير من النظم الإدارية من الحضارات الأخرى التي سبقت حضارة الإسلام في نظمها الإدارية والعسكرية، ذلك أن هذا طرق ووسائل، لا تقترب من الدين أو قيمه، وهذا يتوافق مع الحديث الذي نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: «الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها» من هنا فإن الاستفادة من حكم وأفكار خارج من نطاق الدين، لا شيء يمنع من ذلك، وهذا مصداق لهذا الحديث الشريف، وحتى الشيخ الجليل، محمد الغزالي، قال في بعض كتاباته، «إن الديمقراطية وسيلة وطرق لإدارة الاجتماع البشري، وليست دينًا يتم مقارنتها به».
من هذه المنطلقات فان وسيلة الديمقراطية، في طريقة التصويت والاقتراح، واختيار الممثلين من أصحاب القدرات والإمكانيات الفكرية والعلمية، عن المجموع في المجالس النيابية، أو مجالس الشورى، أصبحت طريقًا مناسبًا لاختيار الأنسب والأصلح، لخدمة الأمة وطرح احتياجاتها ومتطلباتها، بما يحقق أهداف المجتمعات التي تتوق للإصلاح وتحقيق التنمية المستدامة، وبعيدًا عن المصالح الخاصة وأذرع الفساد، وغيرها من المعوقات التي تحد دون تحقيق النهوض والتقدم المنشود.
ولا شك أن الأمة تملك الكثير ما يقابل الديمقراطية في قيمها أو يتفوق عليها، وعبر تاريخها القويم هناك محطات تستحق الوقوف عليها، لكن الإشكالية أنها لم تطور فكرة الشورى في فترة التراجع والانحطاط، حيث إن نصوص الشورى عامة، ويمكن تطويرها بما يناسب كل عصر من العصور، وكان بإمكان أهل العقول النيرة من المجتهدين، أن يتم استخراج هذه القيمة العظيمة (الشورى) من مجالها المحدود، إلى آفاق نظم وقوانين، ترتفع بهذه الرؤى الشوروية إلى مستويات ووسائل راقية للتطبيق، بما يحقق للأمة قيمة عظيمة مثل الديمقراطية وفق قياس هذا المصطلح وأفضل منه، إلى قوانين ولوائح، لكيفية تأسيس شورى تبعد الفردية والاستبداد التي عانت منه الأمة كثيرًا، ولا تزال تعاني منه حتى الآن.
والحقيقة أن الكثير من الباحثين العرب والمسلمين، تحدثوا عن هذه القضية وأهمية الديمقراطية لوقف الاحتقان السياسي، بما تتيحه وسيلة الديمقراطية من الاختيار الحر النزيه، لمن يتقدم للعمل العام، وهذه من المسائل التي لاقت قبولًا كبيرًا من النخب الفكرية والسياسية العربية في القرن التاسع عشر، لأن ما هو متبع لا يعطي مجالًا رحبًا للانفتاح السياسي، والقبول بالتعددية وفق المناخ الديمقراطي الذي يعكس التوجه المؤسسي للحريات العامة في اختيار من يرشح نفسه ـ كما أشرنا آنفًا ـ للعمل العام، والجمهور يختار من هو الأقدر ومن يتم التوسم فيه من القدرات التي تؤهله لهذا الواجب الوطني، فالديمقراطية في كثير من دول العالم لا شك أنها نجحت في أن تتيح المجال للنظم السياسية كما هو في الغرب أن تحقق القبول الكبير من الشعوب، لأنها تمس جوهر أحاسيس الناس ورغباتهم واختياراتهم، ولذلك حققت ما كانت تفقده الكثير من الدول في عالم اليوم.
صحيح أن الديمقراطية لا تخلو من عيوب ومن سلبيات، لأنها منطلقة من نظام سياسي رأسمالي بشع، في بدايات تطبيقها في الغرب، وله خلفية قاسية تجاه حقوق الطبقة الوسطى من حيث الاستئثار بالكثير الحقوق دون التوازن في التوزيع العادل، ولذلك الديمقراطية، خرجت من رحم الرأسمالية المتوحشة لكن تم تهذيبها وتعديلها، بعد ظهور وانتشار الفلسفات الاشتراكية في الغرب نفسه، وحصلت الكثير من المراجعات للنظام الرأسمالي، ولا يزال الكثير من النخب السياسية والفلسفية، تتحرك لإعادة بعض أفكار التوحش الرأسمالي، خاصة بعض الأحزاب التقليدية واليمينية في الغرب، ومن هنا تظل الديمقراطية وسيلة التي لا شك أنها ناجحة، بحكم الدساتير التي وضعت لتطبيقها، وكذلك وجود الحريات العامة على وجه الخصوص، التي أعطت المجتمع المدني، قوة التأثير مع حرية الصحافة، فالعيوب لا شك موجودة في النظم السياسية، مع ما يقال ويطرح حول الحرية والديمقراطية.
ومن الحق أن نقول إن الحريات العامة والانفتاح السياسي في الغرب الرأسمالي، أسهم في بقاء الرأسمالية، دون هزات أو ثورات منذ ما يقرب من قرن ونصف حتى الآن، بعد تطبيق العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ووجود التداول السلمي للسلطة، وهذا ما أخفقت فيه النظم الشيوعية في غياب الحريات والديمقراطية، وقيود الاستبداد والحكم الشمولي، انهارت هذه النظم تمامًا في أواخر القرن الماضي، وعادت هذه الدول للتعددية السياسية، وبعضها جمع بين الاشتراكية والليبرالية، بطرق تدرجية، لكن البعض الباحثين، يرى أن في المظهر العام في داخل هذا النظام الديمقراطي أشياء سلبية غير منظورة، مع أنها حققت نجاحًا وتفوقًا على النظم السياسية الأخرى في عصرنا الراهن، في الجوانب السياسية والمؤسساتية، وغيرها من الممارسات والتطبيقات الإدارية، كما أشرنا، لكن هذا كما يقول معاذ أحمد حسن، الجانب لا يخفي الجوانب اللاإنسانية الأخرى فيها: «ولعل أخطر هذه الجوانب هو إحكام ربط العالم بعلاقة المركز المتقدم دائمًا والمحيط المتخلف والتابع. وكم هي قاسية وصعبة في لحظة عالمية كالتي نعيشها جدلية هذه العلاقة بين التابع والمتبوع، الذي لن يسمح للآخر بأن يضاهيه إلا بما يحتاجه تفوقه الدائم والمستمر عليه، وهو يملك كل الإمكانيات والوسائل الكافية لتحقيق ذلك وتمكينه خصوصًا في لحظة العولمة الحالية التي تريد أن تكسر فعلًا منطق تقسيم العالم إياه بين شمال وجنوب، أو مركز متقدم ومحيط تابع ومتخلف. لكن ليس بإيقاظ شرط التقدم في العالم المتخلف، وإنما لصالح السوق العالمية الواحدة، وتحويل كافة شعوب العالم إلى مجرد مستهلكين في هذه السوق الواسعة لما تنتجه وتعلن عنه تقنيات الحداثة والعولمة في المركز المتقدم».
ولا شك أن الغرب يتحرك بشراهة وعنف لفرض سياساته لمصالحه حتى ممكن تتجاوز الكثير مما هو منطقي وعقلاني وفق منطقه، وحتى أحيانا يستخدم العنف لفرض ما يرغب فيه، مع أنه يتحدث كثيرًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان الخ: لكنها يتم تجاوزها، إذا ما رأى مصالحه تناقض من يخالف الكثير مما هو متمسك في الدساتير والنظم.
مع أن أي فلسفات سياسية لا تخلو من سلبيات، لأنها من عقول بشرية، تخضع للكثير من المؤثرات والجوانب التي تبرز فيها مع الزمن، العيوب والإخفاقات، لكن الذي عزز النظم في الغرب وأفادها، قضية الحريات، التي جعلت المراجعات وإعادة النظر سمة بارزة وثابتة لتفادي ما يعيق مسيرة هذه الدول ومؤسساتها.