فتنة التفكيك!

محمد جميل أحمد –

ظلت الفلسفة التفكيكية التي بشر بها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، اشتغالاً يساءل الثنائيات في الأشياء والدلالات اللغوية المتحولة من ذاكرة اللغة عن تلك الأشياء، دون أن يضمر منهجاً بديلاً للتفكيك، فالتفكيك عملية مستمرة وغامضة في مساءلة الأصول الفكرية والجذور العقلانية لهوية ونظم إدراك العالم كما تصورته الحداثة الغربية من خلال مرجعياتها الفكرية والثقافية.
لكن الملاحظ أن استصحاب التفكيك كعملية لانهائية؛ أنه ربما يغفل اعتباراً لمبدأ الهوية الذي هو من أصول الثوابت الفلسفية في تعيين الهويات وتحديد اختلافها، إلى جانب برهان الثالث المرفوع الذي هو أيضاً من المبادئ المنطقية الثابتة لأصول التفكير العقلاني.
في تقديرنا إن النسبية الثقافية التي جعلت من الأصول الفكرية للحداثة أصولاً قابلة للانزياح باستمرار أو لإعادة التفكير فيها عبر زوايا عديدة، هي التي جعلت من فلسفة التفكيك أكثر قدرة على ضخ التأويلات اللامتناهية للمفاهيم.
لقد كان هذا الإشكال الفلسفي الذي مثلته التفكيكية انقلاباً مفتوحاً على مساءلة كل القضايا إلى درجة التجاوز والقطيعة، مما يجعل التماس مع مبدأ الهوية والتشكيك فيه كاشفاً لخلو التفكيكية من القدرة على إنتاج منهج بديل، فمطلق التفكيك الذي يفضي إلى زوايا نظر تعيد اكتشاف المختلف هو قصارى ما تحاول التفكيكية أن تبشر به.
بطبيعة الحال، كان الخطاب الأدبي هو المجال الخصب لاشتغالات التفكيكية، لكن بما أن الأدب خطاب استعاري ذو بنية علاقات متعددة المستويات في التأويل؛ فإن اشتغال التفكيك هناك دل على خصوبة جدلية وإنتاج الكثير من الأدلة الخطابية في تعزيز هويته الفلسفية.
اليوم، ربما تبدو التفكيكية خطاباً فلسفياً تجاوزته أنماط التفكير الجديدة للخطاب الفلسفي الذي يشتبك اليوم في طبيعة جديدة لهوية العالم، لاسيما بعد ثورة المعلوماتية والاتصال، ثم بعد وباء كورونا الذي سيعيد مساءلة الكثير من قضايا الفلسفة وفق منظور جديد.
الفلسفة التفكيكية بالرغم من أنها شكلت طرفاً أصيلاً في فلسفة الاختلاف أو فلسفة ما بعد الحداثة، إلا أنها بغياب أي منهجية لها قادرة على طرح البدائل الفلسفية بدت كما لو أنها تختبر اشتغالات مضللة في ألعاب اللغة، بدلاً من الاشتغال على طرح خيارات داخل التفكير الوجودي للوضع البشري ومشكلاته.
في تقديرنا أن تحويل العلاقات مع العالم إلى ألعاب داخل اللغة هو نتيجة تتصل في جوهرها بالنسبية الثقافية التي أسست لها الأصول الفلسفية للحداثة.
ذلك أن إهمال التفكير في الثوابت الأخلاقية وغياب البحث في الأطر البشرية القديمة لظاهرة الأخلاق كالأديان، هو الذي جعل من النسبية الثقافية في أصول فلسفة الحداثة أكثر عرضةً للهجوم الذي شنته فلسفة ما بعد الحداثة، وفي حجاجها المنطقي حيال إعادة الاعتبار في كل ما يتصل بعلوم الإنسان، ومن ضمن هذه العلوم علم الأديان، بما أن العلاقة بين الإنسان حيال العلوم الإنسانية تخضع بالضرورة إلى نظرة ذاتية تتصل بالصيرورة لا القطيعة، كما في علوم الطبيعة والحياة.
لقد فتحت التفكيكية أفقاً آخر لاحتمالات ودلالات اللغة التي يمكن أن تتغير بتغييرها حياة الإنسان، لكن باقتصارها على التفكيك المستمر واللامتناهي وضعت نفسها حيال سؤال المنهج. ولهذا فإن عالم اليوم الذي تذرر فيه جزء أساسي من الفلسفة في مناهج العلوم، ستصبح التفكيكية فيه أكثر اغتراباً من أي وقت مضى.
قد يبدو التفكيك المتصل بإعادة التركيب من أجل اختبار طبيعة المفردات وعلاقاتها هو الجزء المهم في فلسفة التفكيكية اليوم.
وإذا ما بدا اليوم أن المشتغلين بالفلسفة أقل فتنةً بالتفكيكية، فإن فتنتها في الثمانينات التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، بلغت من السطوة إلى حد وضع حداً لنقاش فلسفي بين الفيلسوفين الفرنسيين الكبيرين جاك دريدا وكلود ليفي ستراوس غلب فيه دريدا ستراوس إلى درجة صمت فيها الأخير في نهاية النقاش.
أدت فلسفة دريدا إثر انتشارها في الولايات المتحدة، إلى الاحتفاء بجاك دريدا واستضافته في جامعة فرجينيا بمناسبة العيد رقم 200 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من ردود فعل هذه الحلقة أن تماس جاك دريداً في دوران خطابه التفكيكي مع مقاربة مشككة في مبدأ الهوية الصناعي للولايات المتحدة بدا معها أن الهوية الوضعية الوطنية للولايات المتحدة في أفق التفكيك كما لو أنها احتمال ثانوي في نقائض فلسفة دريدا!