الجابري والفراهيدي ..تقدير طويل

محمود الرحبي

من يقرأ مشروع المفكر محمد عابد الجابري، وهو مشروع طويل ناهز الثلاثين كتابا، كل كتاب منه بمثابة رؤية تحليلية متكاملة تمتاز بالجدية وبعد النظر. وكان من أهمها رباعيته (نقد العقل العربي) افتتحها بمجلد “تكوين العقل العربي” الذي شكل فتحا غير مسبوق في بنية التفكير العربي. وكان الجابري ينظر في مشروعه إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي نظرة تقدير كبيرة وذلك بفضل عبقريته التي أتاحت للعقل العربي فتوحات جديدة على أكثر من مستوى. تلك العبقرية التي يوعز إليها الجابري السبب في تقعيد وانبثاق مجموعة من القوانين ساهمت في (تكوين) العقل العربي وخاصة في جانبه البياني. حيث أن المكانة التي حظي بها الخليل بن أحمد عند الأستاذ الجابري، لا تقل عن تلك التي حظي بها كل من ابن خلدون وابن رشد. وقبل التطرق إلى تلك المكانة وطبيعتها، سنعرج قليلا على أهم (ميكانيزمات) حياة الخليل، تلك التي ضمنت له الفرادة والنبوغ على مر العصور.
كان ابن المقفع يقول: إن الخليل بن أحمد الفراهيدي “عقله أكبر من علمه” وهذا استنتاج في غاية الأهمية، إذا استحضرنا قناعة إلى أن علم الفراهيدي كان قد تميز بالغزارة والتعدد والاسترفاد من مختلف ينابيع المعرفة في عصره، حيث أنه كان يقضي جل وقته في القراءة والاستقراء والتجريب، أي أنه بكلمة واحدة كان مشغولا بإنتاج معرفة جديدة لم يسبقها إليه أحد وفي أكثر من مجال. وقد ألف عشرات الكتب في هذا السياق، ما وصلنا منها، رغم قلته، يمكنه أن يعطينا صورة ناصعة عن إمكانياته وفرادته، فلو مثلا ركزنا فقط على كتابه المعجمي “العين” -وهو أول معجم في العربية- لوقفنا أمام قدرة عجيبة تكاد تكون لامحدودة، إلى جانب ذكاء المنهج وتجريبيته العالية، حيث بدأ الخيل بأعمق الحروف الحلقية وهو العين فسمى الكتاب بها، ثم تدرج إلى أن وصل إلى حرف الميم الشفاهي وهو آخر الحروف، كما أنه قسم الكلام إلى مهمل ومستعمل، فتخلى عن المهمل وثبت الألفاظ المستعملة، وقد قام من أجل ذلك بجمع (12305412 لفظا) إن الخليل يشبه بذلك الجابري نفسه، حفيده المغربي البعيد، زمنيا ومكانيا. فالجابري عرف عنه كثرة القراءة، وسعة الاطلاع، وقد رأيته في الطائرة مرة في رحلة طويلة إلى المغرب عبر المملكة الأردنية، وكان جالسا أمامي مباشرة، لم أكلمه لأني كنت طالبا، ولأنه منكب على كتاب يقرأه طوال وقت الرحلة في الفضاء التي اقتربت من ثمان ساعات على الطيران الملكي الأردني، وكان على الدرجة العادية، أتذكر أنه كان فيها بعض الطلبة من اليمن وفلسطين والسودان، كانوا يدرسون في مختلف الجامعات المغربية. كانت عينا الجابري لا تغادران الكتاب إلا للحظات قليلة، ضرورية، أتذكر أن أحدهم طلب منه قلما، فأخرجه له من جيبه وأكمل قراءته. وهو ما ذكرته زوجته التي كانت تطبع له بالآلة الكاتبة معظم كتبه، وذلك في فيلم وثائقي قامت به أخيرا قناة الجزيرة الوثائقية عن الجابري وأهم المحطات في حياته. وحين نعود إلى مقولة ابن المقفع عن الخليل، سنتذكر مقولة أخرى رديفة، وهي أن العقل هو الوعاء الوحيد الذي كلما ملأته يتسع، بينما الأوعية الأخرى كلما ملأتها تضيق. فلا بد أن ابن المقفع يعني ذلك، أي أن عقل الخليل يتسع أكثر كلما ملأ علما ومعرفة، لذلك فإن عقله سيكون أكبر من علمه كما أكد ابن المقفع. كذلك نستدعي في هذا المقام مقولة للإمام الشافعي يقول فيها: إن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئا. وكان الفراهيدي والجابري قد أعطيا كل حياتهما للعلم، فلم يعطهما العلم إلا بعضا منه.
فقد كان الخليل زاهدا في الدنيا، مهملا لمظهره ومتقشفا حتى في مأكله. يكتفي بالخبز الأسود أحيانا، حتى أنه حين أرسل له الوالي رسولا يدعوه لكي يربي أبناءه اعتذر وأخرج له كسرتين من الخبز الحافي، قائلا له طالما أن مثل هذا الزاد متوفر فلن أحتاج لأحد.
كما أن الجابري والفراهيدي – وهذا من المصادفات العجيبة- قد عاشا نفس العمر تقريبا، حين مات الفراهيدي في عمر الثلاثة والسبعين، ومات الجابري في الرابعة والسبعين.
ولكن ما الذي يجعل الجابري يقدر الفراهيدي كل هذا القدر؟
في الحقيقية إن الجابري مدين للفراهيدي كثيرا، وأستطيع أن أجزم على عجالة بأنه لولا الفراهيدي لم يكن الجابري يستطيع أن يكتب رباعيته الضخمة التي ميزته كمفكر كبير، وهي رباعية (نقد العقل العربي) ومن يقرأ هذا المشروع سيرى حضورا عضويا للفراهيدي إلى الدرجة التي يمكن فيها القول، بدون كثير تردد، أنه لا يمكن لهذا الكتاب أن يتقدم خطوة واحدة لولا إنجازات الخليل بن أحمد الفراهيدي.