التأميم على الطريقة الأمريكية

مصباح قطب / mesbahkotb@gmail.com –

عرفت معظم دول العالم، شرقا وغربا، وطوال القرن العشرين خاصة أشكالا مختلفة للتأميم، مثل نقل ملكية أجانب أفرادا أو حكومات إلى ملكية الحكومة القائمة بالتأميم، أو جعل شركات خاصة وطنية ملكية عامة أو قطاع عام، أو تأميم شركات خدمية للطيران أو السكك الحديدية أساسا بغرض إنقاذها، أو التأميم المرحلي، أو لأسباب أيديولوجية الخ… لكن لم يحدث أن شهدت دول العالم مثل هذا النوع من التأميم الذي يحدث مع عمليات تطبيق تيك توك الصيني في السوق الأمريكي، والذي يوشك أن يتم بممارسة ضغوط شتى على الشركة الأم الصينية المالكة له، لنقل ملكية عملياته بأمريكا في النهاية من الأجنبي/ الصيني، إلى الأمريكي المتمثل في شركة خاصة هي أوراكل، وقد أخذت العملية زخما بإعطاء ترامب موافقة مبدئية لأوراكل بهذا الخصوص، ولو أنها موافقة مراوغة أيضا ربما بهدف مزيد من الضغط على أعصاب الجانب الصيني. كان قد سبق ذلك تهديد بوقف العمليات في أمريكا وبالأبعاد، وبمنح مهلة تعسفية لبيع التطبيق إلى مايكروسوفت أولا ثم إلى اوراكل، والمبرر في كل الحالات هو حماية الأمن القومي ومعلومات الأفراد.
منذ سنوات قليلة فقط كانت كلمة تأميم مذمومة سياسيا بالذات بعد أن ارتفعت راية العولمة الأمريكية وانتصرت وارتبط التأميم في الأذهان بالنظم الشمولية أو الشيوعية، ولم يكن احد ليتصور أن يأتي يوم تقوم فيه اكبر دولة عولمية في العالم بعملية تأميم فعلية لشركة أجنبية مثلما يحدث الآن مع تطبيق (تيك توك) وهي عملية وصفتها صحيفة «جلوبال تايمز»في مقال الشهر الماضي بأنها ليست سوى سرقة علنية.
يستخدم التطبيق 100 مليون مستخدم أمريكي، مما نبه السلطات إلى ضرورة وقف هذا المد وزيادة الضغط على المالك ومقره بكين للتخلي عن مصالحه التجارية وملكيته الفكرية بسعر بخس.
أثار الأمر انتقادات واسعة عبر المحيط الهادئ، ومنذ يومين قرر الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف موحد إزاء الضرائب التي يحب فرضها على شركات تكنولوجيا المعلومات الأجنبية ( أمريكية أساسا) ومراقبة حصصها السوقية، وتأثيرها على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وحظر بعضها كليا أو جزئيا إذا اقتضى الأمر، ولا يمكن فهم تلك الجرأة من الاتحاد الأوروبي والذي كان مترددا طويلا في محاسبة عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين ضريبيا أو تنظيميا، مخافة رد الفعل الأمريكي، إلا في ضوء قيام ترامب باتخاذ هذا الموقف حيال شركة أجنبية /صينية / بعيدا عن أي سند قانوني أو أي قاعدة في تجارة الخدمات الدولية. منطق أوروبا بالتأكيد هو : حلال على أمريكا وحرام علينا؟ .
صحيح أن عمالقة الشبكات الاجتماعية الأمريكان لا يحظون بفرصة عادلة في السوق الصيني، لكن ترامب لم يناقش القضية من هذا المنظور، لأنه يعرف أن إدارة حوار في ظل النظام التجاري الدولي الراهن سيفضي في النهاية إلى مكاسب صينية لا يريد أن يقدمها .
تراهن الشركات الصينية الآن على توسيع نطاق جهود البحث والتطوير للتغلب على منافسيها الأمريكيين بحيث يصبح المستهلكون والشركات الأمريكية على نحو متزايد معتمدين على إمدادات التكنولوجيا من الصين أو على منافع متبادلة لا يمكن التضحية بها «. مطروح صينيا أيضا اللجوء إلى محكمة التجارة الدولية الأمريكية.
وستبقى المفارقة الكبرى والتي تتمثل في قول خبير صيني : «لطالما صورت حكومة الولايات المتحدة نفسها على أنها حامية حمى حقوق الملكية الفكرية والمتصدية لانتهاكات الصين في هذا المجال، وها نحن نرى عدم احترامها حقوق الملكية الفكرية عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع شركة صينية.