العالم العربي والاستفادة من تجارب الآخرين

إميل أمين كاتب مصري –

تستدعي تداعيات الأحداث في المنطقة العربية في الفترة الأخيرة التساؤل العميق عما ينتظر المنطقة، سلما أو حربا، كرها أو طوعا، سلاما أو خصاما، بعد عقود طوال من حالة من التكلس والتحجر، بل وما يمكن أن نسميه الجمود الأرثوذكسي السياسي غير المقدس.
جاء التقارب العربي – الإسرائيلي منذ كامب ديفيد وحتى الساعة، بحثا عن مسارات ومساقات جديدة، خارج نطاق المألوف والمعروف من المعارك والموت والدمار، وبحثا عن حلول ناجعة من خارج الإطار التقليدي، ذاك الذي يحصر الرؤى في لونين لا ثالث لهما هما الأسود والأبيض فقط لا غير.
ولعله من المؤكد أن هناك تجارب أممية سابقة ينبغي النظر إليها، والعالم العربي يخطو خطواته نحو عالم جديد، يحب البعض أن يطلق عليه الشرق الأوسط الجديد، تجارب لا سيما القريب منها، وبدون الغوص في التاريخ الإنساني القديم، وإن كان كلاهما لا ينفصلان في واقع الأمر.
السؤال الرئيس المطروح الآن على الألسنة:»هل الكراهية والبغض، العداوات والخصام، قدر مقدور في زمن منظور، مرتبط بالشرق الأوسط وبالعالم العربي بنوع خاص ؟
يذهب بعض الصوفيين إلى القول إنه ما من قدر مقدور في زمن منظور، وإن إرادة المرء إذا خلصت النوايا، يمكنها أن تقود العالم إلى مصائر مغايرة، وربما هذا ما عرفته أمم وشعوب سابقة منذ مئات وربما آلاف السنين.
يقول الحكيم الصيني « كونفوشيوس «، إن كسب معركة واحدة بالسلم، افضل من كسب ألف معركة بالحرب «، ولعل الإغريق القدماء قد خبروا مدى صدق هذه الرواية من خلال الحروب التي طالت بين أسبرطة وأثينا، والتي تعرف باسم «فخ ثيوسيديدس»، غير أن الكل هناك وفي نهاية أزمنة الحروب، كانوا يجدون السلم افضل وانفع وأرفع لهم من سفك الدماء، ومن هنا انطلقت المعاهدات لتعقد ولتدوم، ورغم أن الحياة لم تكن أبدا صفاء زلالا، أو سخاء رخاء، إلا أن عقودا من السلام حلت على العالم القديم، بعد أن تأكد الجميع أن الحرب ليست هي الطريق المحبوب أو المرغوب المؤدي إلى التعاون والتعايش والحياة المشتركة الآمنة المستقرة، والنماء المستمر. عرف الشرق الأوسط بدوره، وفي القلب منه العالم العربي في الفترة من القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر حروبا وغزوات، كانت مريرة إلى أقصى حد ومد، ونعني بها الحروب التي اطلق عليها العرب حروب الفرنجة، وأسماها البعض من الأوروبيين الحروب الصليبية.
كانت تلك الفترة تاريخيا حقبة من أسوأ حقب التاريخ عبر الألف سنة الماضية، ولا تزال ومن أسف شديد تمثل نبعا للكراهية، وجبا للمرارات الماضية، ينهل البعض منه متى شاء لهم أن يفعلوا.
عبر مائتي عام من التناحر والتشارع بين العرب والفرنجة، سالت دماء كثيرة، وأحرقت مدن، وتشرد مئات الآلاف، وفي نهاية المشهد اقتنع الجميع بأن الحرب لن تكون الحل، وانه من طبيعتها الكر والفر، انتصار هنا، وهزيمة هناك، انتكاسة هنا ومكسب هناك، ولهذا وقر في ذهن الجميع انه ما من حل إلا عقد المعاهدات السلمية والوصول إلى صيغة تسمح للكل بالعيش الواحد، وذلك من خلال آليات يمكنها أن تحل الإشكاليات المعقدة التي عرفتها تلك الفترة الزمنية.
بعد حوالي أربعة قرون أخرى أي بحدود القرن السادس عشر، كانت الشعوب الأوروبية تعيش حربا طاحنة ضروس بينها وبين بعضها البعض.
في ذلك الوقت كانت الممالك الكبرى هي المهيمنة والمسيطرة، لاسيما من قبل الإنجليز والفرنسيين والألمان، والتي عطفا على العداوات والمكايدات السياسية التقليدية، كانت غارقة حتى أذنيها في الصراعات الدوجمائية العقدية.
ضربت الخلافات العقائدية أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، وعرفت أوروبا، كما ستعرف بعض دول عالمنا العربي الحزين لاحقا، أفكار القتل على الهوية، أي الموت جراء معتقداتك الإيمانية والدينية، وقد دامت المعارك الطاحنة نحو ثلاثة عقود واكثر، غير انه في النهاية كان المسار مغايرا..ما الذي جرى؟
أدرك الأوروبيون قبل أربعة قرون أن إشكالية الخلافات العقائدية لن تكون الحروب أداة حلها، فالعقائد دوجمائات ومطلقات لا تقبل القسمة، ولا تستسيغ سياسة المواءمات، ولهذا ذهب بهم التفكير إلى طريق جديد، طريق قاد إلى عقد معاهدة ويستفاليا سنة 1648، تلك التي أرست فكرة احترام الدول لحدود بعضها البعض، والتعامل بكرامة بين الشعوب والأمم، وتحديد الحدود، ووضع نماذج استرشادية لحل أي خلافات يمكن أن تنشأ، وقد عرفت أوروبا تاليا أياما وسنين عرفت في الأدبيات السياسية الأوروبية باسم « الأيام الجميلة» أو«الحقبة الجميلة»، حيث غابت الحروب عن سماوات أوروبا وحلت فترة ازدهار، وتفرغ الأوروبيون للحرث والزرع، والصناعة والتجارة، ومن هنا راكموا ثروات جعلت قلب العالم القديم في يد الأوروبيين، وقبل أن تكتشف الولايات المتحدة الأمريكية أو يتعاظم شأنها.
ولأن الإنسان هو الإنسان، والإنسانية تكاد تكرر أخطاء الماضي من دون وعي جيد بدروس التاريخ وأحاجي الماضي، فقد انفرط العقد الويستفالي مع حربين عالميتين كبريين، كانت الأولى بنوع خاص سببا مباشرا في انطلاق الثانية، لا سيما وان الشروط المجحفة لاتفاقية فرساي، قادت الألمان لاحقا إلى التمرد عليها، والشعور بالغبن تجاهها، لتنطلق الحرب العالمية الثانية في عام 1939 ولتستمر حتى عام 1935، ولتنتهي باستسلام الألمان، ومن ثم تقسيم العالم إلى معسكرين شرقي وغربي. على أن الدرس الذي نذكر به انفسنا هو أن الأوروبيين الذين تطاحنوا وتشاحنوا، وهلك منهم الملايين، قدر لهم في منتصف الخمسينات، أي بعد عقد واحد من الحرب الكونية، أن يتلاحموا لا أن يتزاحموا، وان يتراحموا، لا أن يقسوا بعضهم على البعض، ومن هنا كانت فكرة الاتحاد الأوروبي، وقد نشأ من أجل حياة ارحب وافضل للأجيال الأوروبية القادمة، الأمر الذي نجحوا فيه نجاحا كبيرا جدا. هل يمكن للعالم العربي أن يعي الدرس المتقدم؟
يقول البعض: لقد جربنا الحروب والمقاطعات، وفي ظل توازنات دولية غير متكافئة لا يبدو أنها هي الحل، ولا هي السبيل إلى بناء طرق المصالحة، وعليه فلماذا لا يكون السلام هو الحل وفتح الآفاق أمام الآخر المغاير ليعدل من أوضاعه ويبدل من طباعه، ما يمكن أن يجعل طريقه للعيش الإنساني الواحد اكثر رحابة واكثر قبولا من الشعوب العربية.
من كامب دافيد إلى اليوم، تبدو هناك إرادة عربية حقيقية لخوض غمار تجربة مختلفة، وعلى الطريق يقرأون ما كتبه الآخرون في تجاربهم، والأكثر ذكاء هو من لا يدفع أكلاف تجارب التاريخ مرتين.