الانتخابات الأمريكية.. حديث الساعة

عوض بن سعيد باقوير /صحفي ومحلل سياسي –

يترقب العالم شرقه وغربه أحد أهم الأحداث السياسية وهي الانتخابات الأمريكية وترقب رجل البيت الأبيض الذي سوف يقود التوجهات الأمريكية على مدى اربع سنوات. ولعل الحدث الانتخابي هذه المرة لا يركز فقط على مرشحي الحزب الجمهوري ترامب والديمقراطي بايدن وإنما على مجمل السياسات التي سوف تفرزها نتيجة تلك الانتخابات يوم الثالث من نوفمبر القادم بعد شهر وعدة أيام من الآن.

السياسة الدولية منذ قدوم ترامب إلى سدة الحكم عام 2016 وهي تسير في تقلبات كبيره لا تزال آثارها متواصلة وأصبح التوتر بين إيران والولايات المتحدة هو عنوان المرحلة، علاوة على الدعم اللامحدود للكيان الإسرائيلي وانسحاب واشنطن من معظم الاتفاقيات والمعاهدات والتي من أبرزها الاتفاق النووي الإيراني الموقع مع القوى الكبرى عام 2015 علاوة على زيادة التوتر مع فنزويلا وتواصل الحرب في اليمن وليبيا والصراع على الغاز في شرق المتوسط بين تركيا واليونان، ومن هنا فإن نتيجة تلك الانتخابات سوف تعطي المشهد السياسي الدولي جملة من المتغيرات في المرحلة القادمة.

بين ترامب وبايدن

يواجه الرئيس دونالد ترامب جملة من المشكلات الداخلية والتي تمثل الاهتمام الأساسي للناخب الأمريكي وعلى رأس تلك المشكلات جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والتي شكلت أبرز التحديات لإدارة ترامب، حيث تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من زيادة كبيرة في الإصابات والوفيات متصدرة دول العالم.
ومن هنا فإن العامل الاقتصادي يعد هو العامل الأبرز في توجهات ملايين الناخبين مع وجود هامش يتعلق بالكتل الانتخابية لكلا الحزبين خاصة لترامب.
السياسة الخارجية في الولايات المتحدة تشكل رقما هامشيا وعلى ضوء ذلك فإن توقيع عدد من اتفاقات السلام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أمريكية لن يكون لها تأثير جوهري رغم المشهد الإعلامي المثار حولها، وعلاوة على الوضع الاقتصادي فإن ترامب يراهن على توفر اللقاح قبل الانتخابات وهو أمر مشكوك فيه على ضوء تقديرات الخبراء في مجال الصحة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أن استطلاعات الرأي تعطي بايدن الأفضلية في الفوز، إلا أن ذلك لن يكون حاسما كما حدث مع المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون خلال انتخابات عام 2016 ، حيث فشلت في الفوز بالانتخابات رغم تقدمها في استطلاعات الرأي.
فيما يخص المرشح الديمقراطي جو بايدن فإن فوزه في الانتخابات قد يكون سببه هو تصاعد المشكلات الداخلية وباعتباره الخيار الموجود على الساحة الأمريكية، وهذا يعني أن بايدن يستغل الحالة الأمريكية خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي وأيضا قضايا العنصرية وأحداث قتل عدد من الأمريكيين من أصول إفريقية على أيدي الشرطة والمظاهرات التي صاحبت تلك الأحداث.
هناك مسألة أخرى سوف تكون مثار جدل كبير وهو دور البريد في مسألة التصويت عن بعد وتصريحات ترامب عن شكوكه في العملية الانتخابية بواسطة البريد خاصة إذا خسر ترامب، ومن هنا فإن المشهد الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية يبدو مشهدا مثيرا وغير مسبوق مع العدد التنازلي للانتخابات.

الصراع على السياسات

هناك البعض داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها من يتطلع إلى نهاية مرحلة ترامب بسبب السياسات التي تعد جدلية حتى مع الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، حيث انسحبت واشنطن من اتفاق المناخ ومنظمة الصحة العالمية واليونسكو والاتفاق النووي وغيرها من المنظمات، إضافة إلى فرض العقوبات على إيران بشكل انفرادي بعد رفض أعضاء مجلس الأمن، كما أن مشهد الشرق الأوسط يبدو اكثر توترا من خلال المحاولات من قبل إدارة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن المشبوهة والقفز على قرارات الشرعية الدولية، وعلى الجانب الآخر فإن نتانياهو يتطلع إلى فوز ترامب لاستكمال المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وأيضا تواصل مشهد التطبيع بين إسرائيل والمزيد من الدول العربية والإسلامية.
إذن الصراع في الانتخابات الأمريكية تنطلق من خلال تأكيد السياسات أو تغييرها اكبر من المرشحين، فبايدن ومن خلال برنامجه الانتخابي سوف يجري تغييرات واسعة على سياسات ترامب والذي يرى أنها أضرت بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية في عدد من الملفات وتراجعت هيبتها حتى داخل الأمم المتحدة علاوة على تأكيد بايدن على حل الدولتين بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إذن الصراع الانتخابي يدور على السياسات وبالتالي فسوف تكون أكثر من انتخابات أمريكية، حيث تدور أحاديث عن تدخلات محتملة في تلك الانتخابات من خارج الولايات المتحدة، كما أن هناك مسألة تصفية حسابات بين المرشحين تشمل حتى إصدار الكتب الجدلية حول ترامب خلال الفترة الأخيرة، ومنها كتاب للصحفي الشهير بوب وودورد تحت عنوان «الغضب» والذي أثار الكثير من الجدل حول فيروس كورونا والانتقادات الموجهة لترامب عن عدم إفصاحه عن انتشار الفيروس وهو الأمر الذي لم ينفه ترامب معللا ذلك بأنه لا يريد أن يثير الفزع بين المواطنين في الولايات المتحدة.

الولايات المتأرجحة

هناك تقليد ثابت في الانتخابات الأمريكية وهو أن هناك ولايات جمهورية تقف مع المرشح الجمهوري وهناك ولايات ديمقراطية تبقى مع المرشح الديمقراطي، فهناك مثلا ولاية تكساس فهي ولاية جمهورية من الصعب على المرشح الديمقراطي أن ينافس فيها وهناك ولاية كاليفورنيا أو نيويورك، فهذه الولايات هي ولايات ديمقراطية، ويبقى في النهاية عدد من الولايات المتأرجحة ويعني ذلك بأنها لم تحسم أمرها بالنسبة للمرشحين وهناك يكون التركيز .
وفي التاريخ الانتخابي الأمريكي حسمت تلك الولايات المتأرجحة نتيجة الانتخابات كما حدث مثلا بين جورج بوش الابن المرشح الجمهوري وآل جور المرشح الديمقراطي في ولاية فلوريدا، حيث حسمت أصوات تلك الولاية المتأرجحة السباق الانتخابي لصالح بوش الابن من قبل المحكمة العليا، وهناك أمثلة أخرى على هذا الصعيد.
الولايات المتأرجحة سوف تحسم السباق الانتخابي على ضوء قانون الانتخابات من خلال المجمع الانتخابي، حيث تحسم الانتخابات من خلال أصوات أعضاء المجمع الانتخابي وليس من خلال الأصوات الشعبية، وعلى ضوء ذلك فإن التركيز سوف يكون على تلك الولايات المتأرجحة مثل فلوريدا ومينوسوتا واوهايو واريزونا وميتشجان وبنسلفانيا وغيرها من الولايات المتأرجحة والتي سوف تكون حاسمة في نتيجة السباق الرئاسي والدخول إلى البيت الأبيض.
إن الانتخابات الأمريكية هي حدث عالمي وليس محليا لأن نتيجة تلك الانتخابات تنعكس على أحداث العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وعلى مجمل القضايا الحساسة كالقضية الفلسطينية والتي شهدت انتكاسة كبيرة خلال حكم ترامب، وهذه الأيام تشهد الساحة الأمريكية تجاذبات كبيرة بين الحزبين في الكونجرس حول ترشيح قاضية جديدة في المحكمة العليا وهناك صراع يومي حول تصرفات الإدارة الأمريكية حول تفشي جائحة كورونا علاوة على الانكماش الاقتصادي والمواجهة التجارية مع الصين.. كل تلك الأحداث هي مواجهة متوقعة بين المرشحين في ظل اقتراب الحسم في أهم انتخابات يشهدها العالم كل اربع سنوات.
فهل ينجح ترامب في الفوز بفترة ثانية لتنفيذ سياساته الحالية أم يفوز المرشح الديمقراطي بايدن؟ وبالتالي تشهد السياسة الأمريكية تغييرا كبيرا وهذا سوف يكون مرحلة جديدة تعيد للمشهد الدولي شيئا من الموضوعية وخفض التوتر في المنطقة.