صديق افتراضي .. ولكن!!

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
عالم الصداقة فيه ما فيه من المآسي، وفيه ما فيه من شراء الذمم، وفيه ما فيه من الاستغفال، وفيه ما فيه من «الضحك على الذقون» وفيه ما فيه من الاتفاقات في الغرف المظلمة، وفيه ما فيه من الخيانات وبيع الضمائر، عالم، بقدر ما يتوقع نصاعته، وأمانته، ومحبته، ومودته، فهو في المقابل عالم موبوء بشتى الممارسات القذرة، ومن دخله لن يكون آمنا، وكل التنظيرات التي تحول حول تشويه سمعته، لا تلبث أن تتراجع، وتبصم بالـ«عشرة» وتستغفر ذنوب ما ارتكبت في حق الدفاع عنه، إلا الاستثناءات الضيقة جدا، وهي إن عمرت، فإنها تعمر لفترة زمنية قصيرة، يكون الزمن كفيلا بقصر عمرها، حتى لا تكون استثناء آمنا، يخالف حقيقة الواقع.
الإشكالية الموضوعية في هذا الجانب، أن مجمل الممارسات الخاطئة في حق الصداقة والأصدقاء، لا تكتشف إلا في عمر متأخر جدا، ومن هنا تتوالى اللعنات على هذا النوع من العلاقات الاجتماعية القائمة بين الناس، ووجود هذه المآخذ في هذا النوع من العلاقات ليس غريبا، ولا يجب أن يكون صادما عند اكتشافه، لئن هذه هي حقيقة البشر، ولا مزايدة على ذلك، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، هو يحتاج إلى عمر إضافي من الممارسات الاجتماعية في تقلباتها المختلفة، لأن خبرة الحياة هي التي توقظ العيون الناعسة، وتنفر النفوس النائمة، وتجلي صفحات القلوب من كثير من الأتربة التي تكون طبقة عازلة بين حقائق الأشياء، وزيفها، ولماذا هي كذلك؟ لأنها، بكل بساطة، «مجاينة» وغير مرتبطة بتعهدات رسمية.
كتب أحد رواد التواصل الاجتماعي على صفحته في «تويتر»: «6000 آلاف متابع، ستة آلاف صديق مفترض، شكرًا لمتابعتكم» -انتهى النص- فاليوم أصبح من السهل الممتنع، اكتساب الأصدقاء عبر هذه الوسائل الافتراضية، فكل هذه الأرقام المكتسبة من الأصدقاء لا تمثل رقما حقيقيا على الواقع، وإذا كانت الأرقام الحقيقية، مع قلتها، تسجل هزائم غير منكورة في واقع العلاقات الاجتماعية الحقيقية، فما بالك بهذه الأرقام الافتراضية الـ«مليونية» أحيانا؟ وبقدر افتراضيتها على صفحات هذه الوسائل، فإن ما تجود به لا يغني ولا يسمن من جوع، وإنما هي أرقام لا قيمة لها كرصيد اجتماعي موكول عليه السند والمؤازرة في اللحظات الحاسمة، كما نردد دائما «الصديق وقت الضيق» وهي مقولة، أيضا، أقرب للافتراض منها إلى الواقع، لأن «وقت الضيق» ستجد نفسك ونفسك فقط تقاتل بكل السيوف، حيث لا نصير، إلا رحمة الله بك.
يقول الدكتور عبدالغني عماد في كتابه (سوسيولوجيا الهوية -جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء) ما نصه: «إن نظرة سريعة إلى الوقائع التي ينقلها التلفاز للأفراد والمجتمعات في جميع أنحاء العالم بمختلف تفصيلاتها ومواطن الإثارة والمبالغة فيها، مثل الحروب والمجاعات والمحاكمات والمطاردات، ستؤكد لنا أن التلفاز إنما ينقل لنا ما يسميه بودرياد (عالم الواقع المفرط). فالواقع الحقيق لم يعد موجدا بالفعل، بل استعيض عنه بما نشاهده على شاشات التلفاز من مشاهد وصور وأحاديث وتعليقات» -انتهى النص- والمقاربة هنا بين الأمرين أن هناك تحولا جذريا في مختلف العلاقات والممارسات، هذا التحول يلعب فيه عالم الافتراض بورقته الرابحة، وهذا الافتراض مأخوذ، كما يبدو، من عالم الواقع، لأن عالم الواقع لا يبتعد كثيرا عن عالمنا الافتراضي الجديد، وكيف ذلك؟ لأن كل تعهداتنا أمام الآخر، وجل ممارساتنا السلوكية التي نتبادلها، وأقوالنا، وأفعالنا، هي افتراضات، أو فرضيات، وليس شرطا أن تسجل حضورا مطلقا على الواقع، وهل يؤثر ذلك على مشروعاتنا الإنسانية؟ نعم، وبقوة، ولذلك ضاعت الأمانات، والمصداقيات، وما زلنا نخوّن بعضنا بعضا، وربما يعلن بعضنا بعضا، فهل هناك أكثر افتراضية من ذلك؟ وهل هناك أكثر محنة تعيشها هذه العلاقات بين الناس؟ فاقتربوا من عالم الافتراض أكثر، فلعله يكون أرحم.