تقرير : التصعيد العسكري في مأرب يهدّد بتعطيل العملية السياسية

صنعاء- “عمان”- جمال مجاهد تعالت التحذيرات اليمنية والدولية من خطورة التصعيد العسكري بين قوات “أنصار الله” والقوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، واقتراب القتال من مدينة مأرب (مركز المحافظة) التي تعدّ آخر معاقل الحكومة (المعترف بها دولياً) في شمال البلاد، مع ما يترتّب على ذلك من تداعيات على مسار الصراع والعملية السياسية. وتشهد محافظتا مأرب والجوف المتجاورتان معارك عنيفة باستخدام مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة، بالتزامن مع غارات جوية مكثّفة تشنّها مقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية، ما أوقع مئات القتلى والجرحى والأسرى في صفوف الطرفين. وتتكوّن محافظة مأرب، التي تقع على بعد 173 كيلومتراً شمال شرق صنعاء، من 14 مديرية تغطّي مساحة قدرها 17405 كيلومترات مربّعة، وهي محافظة غنية بالموارد الطبيعية، منها النفط والغاز والمعادن، وهو ما يجعلها واحدة من أولى النقاط الساخنة للحرب الحالية. كما تتّصف المحافظة بوفرة الأراضي الزراعية الخصبة وموارد المياه الجوفية. وتقع مصفاة النفط الرئيسية في اليمن والتي تديرها “شركة صافر لعمليات الاستكشاف والإنتاج” في مأرب، حيث تعتبر المحافظة المنتج الرئيسي للغاز الطبيعي المسال في البلاد، والذي كان يصدّر عبر مرافق بلحاف في محافظة شبوة المجاورة إلى أن تصاعدت حدّة الحرب عام 2015. كما أن أكبر محطّة طاقة كهربائية تعمل بالغاز في اليمن موجودة في مأرب. المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن جريفيث حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أنه “إذا سقطت مأرب، سيقوّض ذلك آمال إنجاز عملية سياسية شاملة للدخول في مرحلة انتقالية تقوم على الشراكة والتعددية”. وشدّد على أنه “لا ينبغي التقليل من شأن الأهمية السياسية لمأرب، إذ سيكون لتحوّل المسار العسكري في مأرب آثار مضاعفة في ديناميات النزاع في اليمن”. وأشار جريفيث إلى أن الوضع في مأرب “يدعو للقلق لأسباب عديدة. فالخسارة في الأرواح عالية جداً والخطر الحقيقي محدق بمئات الألوف من النازحين والمحتاجين”، لافتاً إلى أن مأرب “لعبت في هذه الحرب دور الملاذ الآمن للنازحين من مناطق أخرى في اليمن الذين أتوا إلى مأرب سعياً للأمان. وأي معركة هناك سوف تكون آثارها مأساوية وتجبر هؤلاء النازحين على النزوح مجدّداً عن ديارهم”. وخلص إلى أن “ما من مكان يعكس أهمية خيار السلام أكثر من مأرب المحافظة التي تقع شرق صنعاء حيث يستمر الاقتتال العنيف لا بل يتصاعد على حدودها خاصةً على حدودها مع محافظات الجوف وصنعاء والبيضاء”. من جهتها عبّرت وزارة حقوق الإنسان (في الحكومة الشرعية) عن “إدانتها واستنكارها لاستمرار أنصار الله بمهاجمة محافظة مأرب، واستهداف أحيائها المكتظّة بالسكان بالصواريخ الباليستية، في ظل صمت الهيئات الدولية المعنية بحماية وتعزيز حقوق الإنسان في العالم”. ودعت في بيان مجلس الأمن الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة “التداعيات الخطيرة التي تشكّلها العمليات العسكرية على حياة اليمنيين في مأرب، واتخاذ الإجراءات العاجلة للحيلولة دون ارتكاب إبادة جماعية ومجازر بحق السكان المحليين وأبناء القبائل”. وقالت الوزارة “خلال سنوات الحرب احتضنت مأرب قرابة مليوني نازح من مختلف المحافظات ووفّرت لهم الأمان والحياة اللائقة، واستقبلت مدارسها ومشافيها أبناء النازحين بصدر رحب، فيما لا تزال تشكل إحدى أهم المحطّات الجاذبة للرأسمال الوطني الباحث عن فرص للاستثمار”.وأكدت أن “استهداف محافظة مأرب من قبل أنصار الله يعدّ استهدافاً للدولة اليمنية بكافة مؤسّساتها، ويعرّض 2.5 مليون مواطن يمني للمخاطر المحدقة”.واعتبرت أن “المبالغة في استخدام مصطلح الإنسانية من قبل المجتمع الدولي في الحديدة، واللجوء للصمت فيما تتعرّض له مأرب يعدّ ازدواجاً فاضحاً في استخدام وتطبيق القانون الدولي الإنساني والحقوقي”. نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن (في حكومة أنصار الله) الفريق جلال الرويشان شدّد من جانبه على أن “معركة تحرير مأرب جزء من معركة تحرير كل شبر من اليمن”. وقال في تصريح “مسؤوليتنا تحرير جميع الأراضي اليمنية والمياه الإقليمية أياً كان حجم الضغوط السياسية والدبلوماسية، وأي عدوان على أهداف حيوية في مأرب أو غيرها سيقابل بالمثل”. ويوجد في محافظة مأرب 126 مخيّم للنازحين، وأكبرها مخيّم الجفينة في مدينة مأرب، والذي يضم أكثر من 6 آلاف عائلة نازحة. أما عدد السكّان في مأرب قبل الحرب فيعتقد أنه بلغ حوالي 313 ألف شخص. وأصبحت مأرب أيضاً ملاذاً آمناً للعديد من المسؤولين والمؤسّسات التابعة لحكومة هادي التي تشعر بالقلق في العاصمة المؤقّتة عدن التي يسيطر عليها “المجلس الانتقالي الجنوبي”. وكان وزراء خارجية كل من ألمانيا والكويت والسويد والمملكة المتحدة عقدوا اجتماعاً مشتركاً في الـ 17 من سبتمبر الجاري مع وزراء وممثّلين من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وفرنسا وروسيا والممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي، على هامش انعقاد الجمعية العامة الـ 75 للأمم المتحدة، أعربوا خلاله عن قلقهم الشديد حول استمرار هجوم “أنصار الله” في مأرب، والذي يعرّض السكان والنازحين هناك لخطر جسيم، الأمر الذي يهدّد بتعطيل عملية السلام التابعة للأمم المتحدة. وناقشت “المجموعة الدولية” الحاجة الملحّة إلى وقف التصعيد العسكري وإحراز تقدّم سياسي في اليمن، مؤكدة دعمها الكامل للمبعوث مارتن جريفيث، ولجهوده لتسهيل الاتفاق بين الأطراف اليمنية على “الإعلان المشترك” حول وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، والتدابير الإنسانية والاقتصادية واستئناف العملية السياسية الكاملة والشاملة.