«المنجز الإبداعي» في زمن كورونا

د. عزة القصابية
منذ بداية عام 2020 ونحن نعيش في دوامة انتشار فيروس «كوفيد-19» الذي اجتاح العالم سريعا دون هوادة، وفي البداية تخيل البعض أنه بمجرد إطلالة الصيف وارتفاع درجات الحرارة فإن نجمه سيأفل وتتهاوى أذنابه وسلالاته التي احتار العلماء في تصنيفها وتفسيرها.
هناك من قال: إنه عبارة عن غاز مصنع مدته لا تزيد في الهواء الطلق عن ثلاثة أشهر، وأنه سيتوارى ويذوب مع ذرات الهواء الخارجي بعد انقضاء الفترة المحددة له.
ولكن ما حدث هو خلاف ذلك، استمر هذا الطاعون في الانتشار، وتزامن ارتفاع أعداد المصابين والوفيات مع توقعات (بيل جيتس) مؤسس شركة مايكروسوفت في العالم، الذي أكد أن كورونا لن يفارق الأرض قبل أن يموت ثلثا سكان الكرة الأرضية! وتأثر الاقتصاد العالمي، وأعلنت بعض الشركات والمراكز التجارية الكبرى إفلاسها! وساهم ذلك في تسريح مئات الموظفين والعاملين من حول العالم و ظهور حالات الفقر والجوع والتشرد.
وكردة فعل، تسابقت المراكز العلمية في البحث عن عقار لهذا الفيروس الفتاك الذي بات يقضي على الأخضر واليابس، ثم بدأت المعامل والمختبرات في تصنيع العقار القاهر لكورونا، وفي كل مرة، هناك من يؤكد أن العلاج المعجزة في مرحلة الاختبار السريري، ثم لا يلبث أن تنقطع أخبار ذلك اللقاح، حتى نسمع عن محاولة أخرى لاكتشاف عقار جديد، وأنه في مرحلة التجريب والاختبار، وهكذا دواليك!
ومن الطبيعي أن يتأثر المبدعون في العالم، من الكتاب والفنانين بما يحدث حولهم من مآسٍ وخيبات أمل، و تردي أوضاع اقتصادية واجتماعية وثقافية، كون الأديب والمثقف ابن عصره، وهذا ليس بجديد فهناك روايات خالدة في مسيرة الأدب والفن، تأثرت أحداثها بتاريخ الأوبئة مثل: رواية (الطاعون) للكاتب الفرنسي الجزائري البير كامو، وبعيدا عن الفلسفة الوجودية التي يؤمن بها البير كاميه، فإن روايته هذه تحدثت عن أحداث وشخصيات كانت تعيش في مدينة وهران الجزائرية، وكانت تعاني من الطاعون في أربعينات القرن الماضي.
وهناك أكثر من رواية ساهمت الأوبئة في نسج أحداثها وبناء شخصياتها، متأثرة بالأحداث المأساوية التي تزهق ملايين الأنفس، قبل أن يكتشف لها علاج يكون قادرا على إنقاذ البشرية، وعلى سبيل المثال ألف جوزيه ساراماغو رواية (العمى)، وهذه الرواية تصف مدينة أصيبت بكاملها بالعمى، وهذا أثار الذعر والفزع في السكان، وتدخلت السلطات للسيطرة على الفوضى وتهدئة الناس، ولكنها لم تتمكن من التوصل لحل، وبدأ الوضع يزداد سوءًا، عندما يسيطر المتطرفون والغرباء على منافذ الغذاء والدواء! فضلًا عن الكثير من الروايات والقصص التي تضمنت حبكاتها موضوع الوباء، مثل: رواية (الحب في زمن الكوليرا) للكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز، والتي تصف تفشي داء الكوليرا بين المسافرين أثناء قيام بطل الرواية فلورنتينو ورفيقه برحلة بحرية.
كما أن هناك الكثير من الروايات العالمية التي جعلت (الأوبئة) موضوعًا محوريًا لها، مثل: رواية (الهوصار على السطح) لجان جيونو، ورواية (نميزيس) لفيليب روث، ورواية (يوميات عام الطاعون) لدوفو، ورواية (الوليمة في أثناء الطاعون) لبوشكين.
في الأدب العربي كتبت الكثير من الأعمال الإبداعية الروائية والقصصية، مثل: رواية (إيبولا 76)، للروائي السوداني أمير تاج السر.
وتتحدث الرواية عن شخص يعاني بعد إصابته بفيروس إيبولا الذي اكتسح إفريقيا في منتصف سبعينات القرن الماضي.
ولما كان الأدب والثقافة نتاج المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن المبدع ظل شاهد عيان على أوضاع وأحوال ملايين البشر، وما يحدث اليوم في كوكب الأرض من أزمات وكوارث طبيعية وحروب ودمار ومجاعات، كفيلة بإنتاج الكثير من الأعمال الإبداعية الإنسانية.
لذلك فإن المبدع كثيرا ما يبحث عن الوسيلة المثُلى للتعبير عن الأزمات والمآسي التي يقف أمامها الإنسان حائرا، وهو غير قادر على تغييرها، ولكن في الوقت نفسه، أفرزت تلك الأزمات أعمالًا أدبية ومنجزات ثقافية وفنية، تصف حياة الناس في ظل انتشار الأوبئة، المتحققة والتي يصعب على العالم قهرها.
وعادة بعد الكوارث والأزمات تختفى بعض الأنشطة وتتغير مراكز القوى العالمية، وتطفو على السطح طبقة على حساب أخرى، فقوى الأوبئة والكوارث الطبيعة أشد فتكا من الأسلحة التي يخترعها الإنسان.
وتساهم الإبداعات الأدبية والفنية في رصد المعاناة الإنسانية، وهذا بدوره قد يولّد تيارات فنية وأدبية يمكن أن تحدد ملامح الأعمال الإبداعية في زمن الأمراض والأزمات والحروب، لكن ماذا بعد كورونا؟ ما الاتجاهات الأدبية والفنية المتوقعة؟ خاصة أنه بدأت في الآونة الأخيرة تظهر أعمال أدبية وفنية متأثرة بالوضع التراجيدي الذي يجتاح البشرية، والذي ينال من الغني قبل الفقير، ومن البالغ قبل الصغير، ومن الرجل والمرأة على حد سواء، لذلك فإنه من المتوقع أن تخرج العديد من المدارس الفنية والأدبية التي تتزامن مع المنجز الإنساني خلال فترة الجائحة وما بعدها.