د. زكية الرحبية: الفيزيائي الطبي هو صمام الأمان عند استخدام الأجهزة الإشعاعية أو المواد المشعة

  • باحثون جربوا علاج مرضى «كوفيد-19» بجرعة منخفضة من العلاج الإشعاعي عالية الطاقة لتقليل الالتهاب الرئوي

حوار – وردة بنت حسن اللواتية

يعد علم الفيزياء الطبية من العلوم التطبيقية العصرية التي ظهرت كنتيجة للاندماج بين علم الفيزياء والطب، لتربط بين الاكتشافات العلمية والتطبيقات العملية، ولمعرفة المزيد عن هذا العلم واستخداماته، كان هذا اللقاء مع الدكتورة زكية الرحبية أخصائية فيزيائية طبية أولى (أ) بمركز معالجة الأورام، قسم العلاج الإشعاعي، ومشرف الحماية من الإشعاع بالمستشفى السلطاني، حيث تشرح في البداية أن التقدم في العديد من مجالات العلوم الطبية سواء في مجال التشخيص أو مجال العلاج يعتمد على الاكتشافات الفيزيائية وتطوراتها، فعلم الفيزياء الطبية تطور مع التطور السريع للحاسب الآلي وعلم البرمجيات، اللذين يشكلان دعامة أساسية للربط بين الفيزياء النظرية مع التطبيقات العملية.
وللفيزياء الطبية عدة أفرع: فيزياء العلاج الإشعاعي، وفيزياء الطب النووي، وفيزياء الأشعة التشخيصية، وفيزياء الرنين المغناطيسي، والفيزياء الصحية (الوقاية من الإشعاع) بالإضافة إلى تخصصات أخرى كفيزياء أجهزة الليزر، وفيزياء الموجات الصوتية، وفيزياء الموجات الحرارية والعلاج الحراري، وفيزياء الكهرباء الحيوية (مثل تخطيط كهربائية القلب والدماغ).
وحول أنواع الأشعة واستخداماتها، تشير موضحة أن الأشعة في الفيزياء هي عبارة عن انبعاث أو نقل الطاقة على شكل موجات أو جسيمات عبر الفضاء أو وسيط مادي.
وتتضمن الإشعاع الكهرومغناطيسي مثل موجات الراديو والميكروويف والأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية وأشعة جاما، إلى جانب إشعاع الجسيمات مثل إشعاع ألفا وبيتا والإشعاع النيتروني، وكذلك الإشعاع الصوتي مثل الموجات فوق الصوتية.
أما استخدامات الأشعة فهي كثيرة جدا، حيث يستخدم الإشعاع في الطب والتعليم والبحوث والصناعة، وكذلك لتوليد الكهرباء والطاقة، بالإضافة إلى تطبيقات مفيدة في الزراعة وعلم الآثار (تاريخ الكربون) واستكشاف الفضاء والجيوليوجيا (التعدين) وغيرها من المجالات.
وأضافت: بالنسبة للطب تستخدم الأشعة في التصوير التشخيصي وفي العلاج، فمثلًا التصوير التشخيصي يعتمد على الأشعة السينية والتصوير الطبقي (الأشعة المقطعية). والتصوير بالأمواج فوق الصوتية لتصوير الأعضاء الداخلية في جسم الإنسان يعتمد على فيزياء الصوت، وكذلك استخدام الرنين المغناطيسي في الحصول على صور تشخيصية لأي جزء من جسم الإنسان، أضف إلى ذلك جهاز المنظار الذي يستخدم الضوء والليزر للتصوير وإجراء العمليات الجراحية.
كذلك الطب النووي الذي يعتمد على الفيزياء النووية باستخدام النظائر المشعة في مجال التصوير الإشعاعي. وبالإضافة إلى تطبيقات الفيزياء الطبية في مجال التشخيص فإنه يدخل أيضا في معالجة الأورام السرطانية باستخدام الأشعة المؤينة عالية الطاقة.

الجرعات الإشعاعية
وحول كيفية تأكد الفيزيائي الطبي من أن الأشعة الموجهة للمريض تكون كافية، قالت: الفيزيائي الطبي هو صمام الأمان عند استخدام الأجهزة الإشعاعية أو المواد المشعة في المستشفى، وذلك لدور الفيزيائي الطبي المهم في أقسام الأشعة، حيث يقوم الفيزيائي بعمل فحوصات الجودة لأجهزة التصوير الإشعاعي وأيضًا أجهزة العلاج الإشعاعية، ويتأكد من كم الجرعات الإشعاعية التي يطلقها الجهاز وذلك بالقيام بعدة اختبارات دورية (يومية وشهرية وسنوية) معتمدا على البروتكولات العالمية، بالإضافة إلى وجود ضابط الحماية الإشاعية أو ما يسمى بالفيزيائي الصحي، وهو فيزيائي معني بالتأكد من سلامة المكان المخصص للجهاز، بحيث لا يتعرض العاملون عليه والمرضى لأي جرعات إشعاعية غير مبررة، فهو يعمل على أن تكون هذه الأجهزة مطابقة للمعايير والمواصفات العالمية عند استعمالها على المرضى ويقوم بالتواصل مع الجهات المختصة بالحماية من الإشعاع.
وتابعت قائلة: لذا فإن الطبيب والفيزيائي يعملان معًا للوصول إلى تشخيص أو علاج فعال للمريض، وفي الوقت نفسه ألا تزيد الجرعات عن الحدود الدولية أو المحلية المتعارف عليها.
ففي الأشعة التشخيصية مثلًا الطبيب يهمه الحصول على صور إشعاعية عالية الجودة ليتمكن من خلالها قراءة الحالة المرضية وتشخيصها، أما الفيزيائي الطبي فهو معني بالجرعات الإشعاعية التي يتعرض لها المريض، ويحرص على ألا تزيد الجرعات الإشعاعية التي يتعرض لها المريض على ما يحتاجه للتشخيص، بحيث لا تفقد الصورة جودتها ولا يفقد الطبيب القدرة على التشخيص السليم.
أما في العلاج الإشعاعي يعمل الفيزيائي جنبًا إلى جنب مع طبيب الأورام لإيصال الجرعة الإشعاعية المناسبة لقتل السرطان في جسم المريض مع الحرص على تقليل الأشعة الواصلة إلى الأنسجة السليمة، وذلك يتم من خلال الفحص الدوري للأجهزة الإشعاعية بالإضافة إلى جودة الخطط العلاجية.

التوازن والوعي
وتؤكد الدكتورة زكية الرحبية أنه يجب أن يتم التوازن بين مضار وفوائد الأشعة على المريض، فمن مبدأ الحماية الإشعاعية، يمكن القول: إنه لا ينبغي اعتماد أي ممارسة تنطوي على التعرض للإشعاع ما لم تحقق فائدة كافية للأفراد المعرضين لإشعاع، وذلك لتعويض الضرر الناتج عن الإشعاع، أي أنه إذا لم تكن هناك فائدة مباشرة من التعرض للإشعاع، حتى لو كانت جرعة منخفضة، فيجب تجنبها.
وإذا كانت هناك ضرورة للتعرض للإشعاع، فيجب إبقاء جرعات الإشعاع منخفضة بقدر ما يمكن تحقيقه بشكل معقول، لهذا السبب، يجب اختيار المعدات والطرق للتأكد من أن الإشعاع المعطى للمريض كافٍ لتوفير المعلومات المطلوبة لأغراض التشخيص، أو لتحقيق الجرعة (الجرعات) المطلوبة للنسيج المستهدف للأغراض العلاجية وليس أكبر مما هو ضروري.
وقالت: يجب على الأفراد أن يثقفوا أنفسهم عن الأضرار الممكن حدوثها عند التعرض إلى كميات كبيرة من الإشعاع، ويجب أن يكونوا على دراية بتأثيراتها وخصوصا على الأطفال.
فللأسف نجد بعض الأهل من يصر على الطبيب المعالج بضرورة إجراء الفحوصات الإشعاعية سواء كان يتطلب الوضع أو لا، ومنهم من ينتقل بطفلهم من طبيب إلى آخر من أجل الحصول على فحص إشعاعي، وفي بعض الأحيان بعض الأطباء لا يسألون مرضاهم ولا أهاليهم إن كانوا قد أجروا فحصًا مسبقًا بالأشعة في وقت قريب، مما يؤدي إلى تكرار إجراء فحوصات الأشعة العادية أو المقطعية أكثر من مرة في فترة زمنية بسيطة.
وهناك من المرضى من يخفون حقيقة إجراء فحص طبي عن أطبائهم لكونهم غير مدركين لخطورة التعرض المتكرر إلى الأشعة، لأنه من الممكن حدوث سرطانات حتى مع كمية بسيطة للإشعاع، كما لا ينصح باستخدام الأشعة للحامل.

الإشعاع وجائحة كوفيد
وأشارت الدكتورة زكية الرحبية إلى أن بعض الباحثين في عدد من الجامعات والمستشفيات قاموا بتجربة لعلاج مرضى «كوفيد-19» بجرعة منخفضة من العلاج الإشعاعي عالية الطاقة للصدر بهدف تقليل الالتهاب الرئوي الذي يصيب هؤلاء المرضى ويهدد قدرتهم على التنفس من تلقاء أنفسهم، مستشهدين بأبحاث تعود إلى أوائل القرن العشرين والتي أظهرت تحسنًا في معدل البقاء على قيد الحياة يصل إلى نسبة عالية جدا في علاج المرضى المصابين بالالتهاب الرئوي.
فمثلًا في جامعة (Winship Cancer Institute of Emory University)، قام فريق بالبحث في إمكانية العلاج الإشعاعي للالتهاب الرئوي لعدد من مرضى «كوفيد-19» كمرحلة أولى.
ويتضمن العلاج جلسة إشعاعية واحدة للرئة، تليها فترة مراقبة مدتها أسبوع يتم خلالها تتبع النتائج السريرية والإشعاعية والمناعية، فأظهرت نتيجة البحث أن مرضى الالتهاب الرئوي قد تحسنوا في غضون أيام قليلة من تلقي جرعة منخفضة من الإشعاع على الصدر، وفقًا للباحثين، فإن المخاطر الكامنة في الجلسة الإشعاعية منخفضة.
وتابعت قائلة: استنادًا إلى بعض الأدلة العلمية المتاحة، فإن ضوء الأشعة فوق البنفسجية يمكن أن يقضي على فيروسات مختلفة، حيث ثبت أن ضوء الأشعة فوق البنفسجية يقضي على فيروسات كورونا الأخرى كفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية القاتلة، المعروف أيضًا باسم MERS-CoV والفيروس التاجي المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة أو السارس.
وهذا يعني أنه من الممكن استخدام الأشعة فوق البنفسجية لأغراض الصرف الصحي وتعقيم ملابس موظفي الرعاية الصحية والأغراض الشخصية والأسطح، ولكن لا يجب استخدام ضوء الأشعة فوق البنفسجية كمطهر لليدين أو مناطق أخرى من الجلد وذلك لما للأشعة الفوق بنفسجية من أضرار كبيرة جدا على الجلد.