الثقافة العامة .. بين تقاطعات الطبقية والجندرة والعرق

أحمد بن سالم الفلاحي –

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي اليوم دورا محوريا في خلخلة مجمل الاستحكامات التي قامت عليها الطبقية التقليدية، وذلك من خلال قدرتها على «توليد» مشاهير في موضوعات مختلفة، ومع مرور الزمن تتموضع هذه المشاهير لتربك الطبقية التقليدية.
يرى البعض، من الذين يرصدون حالات التغير الاجتماعي، في بعديه الأفقي والرأسي، أن هناك ثمة تغيرا في مفهوم المركزية الاجتماعية في (الثقافة العامة) وهذا التغير يعاد إلى أسباب كثيرة، منها التراكم المعرفي الذي استطاع الإنسان أن يحافظ عليه منذ البدايات الأولى لعمر الوعي، مرورا بروافد التنوير المختلفة، وصولًا إلى ما هو عليه الحال اليوم، وهو حال تغيرت فيه الكثير من القيم الاجتماعية، والقيم المعرفية، وكثير من المفاهيم السائدة والمتوارثة كذلك، حيث ساعدت الأنظمة الحديثة في خلخلة هذا المفهوم، لما تملكه من أدوات تخاطب عصرها، من ناحية، ولما يتطلبه واقع الحال، من ناحية ثانية، فالظروف غير الظروف، والناس غير الناس، والأفكار غير الأفكار، ولذلك ألغيت الكثير من المفاهيم القديمة، والنظريات التي سادت ردحا من الزمن والتي كانت صالحة لزمانها فقط، حيث تم تجاوزها اليوم بحكم ديناميكية الحياة اليومية، حيث لم تعد لها قيمة فنية واضحة، فالظروف التي ولدت فيها لم تعد اليوم حاضرة، ولا يمكن استحضارها بالمطلق، وأصبح البديل يبعد -واقعيا- مسافات بعيدة، وجملة التحولات هذه التي تعيشها البشرية، هي اليوم مشتركة «زمكانيا» بفعل الثورة الاتصالية غير العادية، ولذلك، حتى لو كانت هناك مراجعة للمفاهيم ذاتها، فلن تجدي نفعًا في ظل هذه التغييرات والإزاحات السريعة جدا، حتى لا يكاد الإنسان يلحق نفسه لاستيعابها.
لن يكون الحديث هنا عن المفاهيم الطبقية التقليدية التي احتضنتها الثقافة القومية، أو العامة (على أساس الطبقات الثلاث: الغنية، المتوسطة، الفقيرة، أو على أساس المعرفة: أمي، متعلم، أو على أساس الجندرة: امرأة رجل، أو على أساس العرق: لون أبيض لون أسمر) مقصودًا لذاته، إطلاقا، وإنما الحديث عن مجمل التحولات في تغيير المفاهيم، وقياسها على واقع الناس اليوم، حيث يبقى رصد هذه التحولات في أي مجتمع مهم، لأنه من خلال هذا الرصد يمكن قياس مستوى هذه التحولات التي تحدث، وبالتالي مقارنتها بمجمل التغيرات التي سوف تحدث، ومعرفة إن كانت ظروف الحياة المستجدة في حياة الناس هو الفاعل الوحيد، أم أن هناك عوامل أخرى، بينية وغير منظورة، تلعب هي الأخرى دورا محوريا في الاتجاه ذاته.
لقد عرف عن الصراع الطبقي، منذ ذلك الزمن البعيد، على أنه صراع ذو أوجه كثيرة، وترتكز أكثرها على محوري مهمين، هما: المرتكز الاجتماعي، والمرتكز الاقتصادي، حيث إن هذين المحورين هما أول ما بُنيت عليه مختلف الأنشطة الاجتماعية في حياة الناس منذ البدايات الأولى لعمر الوعي الاجتماعي، حيث وجد الإنسان نفسه وسط مجتمع مكون من أسر تتفاعل فيما بينها في مختلف شؤون الحياة، كما وجد مجالات عمل مختلفة لها فضل للعائد المادي المقبوض، أو المتبادل بين أفراد المجتمع الواحد، ولذا كان لهذين المرتكزين ديمومة البقاء والتداول الـ«زماكنية» النمطية في حياة الناس، فالناس أينما ولوا وجوههم نحو المشرق أو المغرب فلا مفر من معايشة كليهما أي (الزمان والمكان)، ولذلك يعاد لهما فضل الأنشطة الإنسانية المختلفة.
من بعد التوطئة أعلاه يمكن طرح عدة أسئلة لتقريب المعنى، حيث تتمثل وتتجسد هذه الأسئلة في: هل اختلف مفهوم تصنيف الطبقات اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين عمّا كان في قرون مضت؟ كيف تحول التصنيف الطبقي من معياري إلى نوعي؟ وهل لفئة التكنوقراط دور مؤثر في هذا التصنيف؟ وهل يمكن اقتصار ذلك على مجتمع الحالة فقط، أم هو حالة كونية معروفة في كل بلدان العالم دون استثناء؟ إلى أي حد يمكن القول: إن الصراع الطبقي يساعد في إحداث نقلة نوعية في التغيرات الاجتماعية، والتنموية؟ وهل لا تزال مسميات «البرجوازية» و«البروليتارية» محافظة على نفس مسمياتها بالمعنى المادي الديناميكي، والأهم من ذلك مقاصدها، في الفهم الاجتماعي، أم أنها، كحال غيرها، لم تعد إلا مسميات تقليدية هي الأقرب إلى الذكرى؟ وهل يمكن القول إن الطبقات الاجتماعية «التقليدية» أصبحت معرّضة للتصدع، بعد أن ظهرت مقاييس جديدة لتصنيف الطبقات في المجتمعات الإنسانية؟ وختاما، إلى أي حد تلعب الـ«زمكانية» دورا محوريا في تنظيم عمليات المحاصصة الطبقية في تسريع علميات التغيرات الاجتماعية والتنموية، بما يشهده المجتمع الإنساني من تغيرات مكثفة وسريعة في مختلف مجالات الحياة؟
في زمن ما، عندما كان عدد سكان، في ما يشبه بالمدن، لا يتجاوز المئات فقط، كانت الطبقية واضحة في عدد محدود لدى السكان حيث تكون صور الفقر والغنى، وصور العرق، أو المهن، أو الجندر معايشة وملموسة، أما مع تطور المجتمعات المليونية اليوم أصبح ينظر إلى معايير الرفاهية بين الدول على أنه ذو علاقة وشائجية في تصدع الطبقات، وفي تمايزات الوعي الجمعي بينها، مقيدا ذلك أيضا بالوضع السكاني الحقيقي مقارنة بالوضع السكاني عموما في كل بلد على حدة، ففي الدول التي يزيد عدد سكانها الأصليين عن المقيمين، فهذا الوضع يفرض معايير مختلفة في مسألة تمايز الطبقات، وكذلك القول ذاته ينسحب على قلة عدد السكان الأصليين عن المقيمين في دول أخرى، كما ينظر إلى الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة، مع استقبالها لمجموعات كبيرة أيضا من المهاجرين، كمقياس مهم في مسألة تصنيف الطبقات السكانية في مجتمعاتها، ويقيم ذلك بناء على سلوك النظام في التعامل مع المهاجرين من ناحية، وفي إيجاد مجموعة من الخيارات التنموية الخاصة بالسكان الأصليين، وغير المتحققة للمهاجرين، على وجه الخصوص، وفي كلا الحالتين تبقى الطبقية حالة «خاملة» تحتاج فقط إلى شرارة ما لإيقاد نيرانها، ولعل الأحداث الأخيرة التي حدثت في الولايات المتحدة، وفي عدد من الدول الأوروبية، وما رافقها من مظاهرات مدمرة في بعض المدن، يعكس هذه الصورة تماما، ويتجاوز التسطيح الذي تحاول الـ«بروباجندا» السياسية المكرسة للحريات والديمقراطيات في هذه الدول تصديره لتحقيق مصالح أجنداتها الخاصة.
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي اليوم دورا محوريا في خلخلة مجمل الاستحكامات التي قامت عليها الطبقية التقليدية، وذلك من خلال قدرتها على «توليد» مشاهير في موضوعات مختلفة، ومع مرور الزمن تتموضع هذه المشاهير لتربك الطبقية التقليدية، ولذلك فعندما تعود إلى تاريخ أي واحد من هؤلاء المشاهير، تجده يعود إلى أسر فقيرة جدا، ولكنه في سرعة البرق أصبح من المشاهير وحجز له مكانا في مستويات هذه الطبقية، حيث الغنى والمكانة الاجتماعية، والاهتمام الرسمي والشعبي، يكاد يتجاوز بمكانته الحالية أفراد الأسر التي لها تاريخ طويل في الـ«زمكانية» الاجتماعية والاقتصادية، ويضاف إليهم في السياق نفسه مشاهير كرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية، مشاهير التقنية في المهن الفنية المختلفة، وهذه الصورة تقوّي الحكم عند النظر في آليات الحراك الاجتماعي، وهو أن هناك انزياحات مستمرة بين الطبقات، ربما هي غير محسوسة، لانشغال الناس بحياتهم اليومية، ولكن نقرأ أثرها على مجمل التغييرات الاجتماعية الحاصلة، والملموسة، حيث تنتقل هذه الفئات الطبقية بين بعضها البعض، وعوامل ذلك كثيرة: اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، حيث يحدث ذلك عبر تداخل الطبقات بعضها ببعض مشكلة بذلك سلسلة من العلاقات البنائية المترابطة، وهذا الأمر يعطي صورة عامة للمجتمع بأنه خالٍ من الطبقية، وهذا إن تم دون ضجيج أو «بروباجندا» موجهة ينظر إليه على أنه إنجاز إنساني عالي القدر والقيمة، وتعد المجتمعات التي وصلت إلى هذا المستوى من الرضا مجتمعات مثالية.
ختاما، يمكن القول إن الرأس المال البشري يعد اليوم أكبر محارب للطبقية، وذلك لعدة أسباب، منها،
أولا: إنه لم يعد حكرا على طبقة دون أخرى.
ثانيا: يعتمد كثيرا على الجهد الفردي، فلا يحتاج إلى طبقة تسانده.
ثالثا: تعزز مكانته روافد المعرفة المختلفة، وهي روافد مشاعة ولا تحتاج إلى إذن مسبق، والمسألة فقط تحتاج إلى جهد ذهني فردي.
رابعا: هناك استقلالية واضحة عن كل الروابط التقليدية، وهذا بدوره يتيح حرية فردية، تعزز من مكانة الفرد أينما حل وارتحل، وبالتالي فهذا الفرد تتاح له فرصة الحركة بين الطبقات بلا قيود.