الضحك في باريس “7 ـ 10”

إبراهيم عبدالمجيد
سافرت إلى بلاد كثيرة، ولم يكن يخلو السفر من الضحك. لكن أكثر بلد ضحكت فيه كانت باريس. ذكريات كثيرة كتبتها في كتابي “أين تذهب طيور المحيط؟”. لكنَّ كثيرًا من المواقف المضحكة لم أكتبها في الكتاب؛ لأني كنت فيه معنيًّا بالأفكار والحوارات والمكان نفسه ومحاولة تجسيده.
أول زيارة لباريس كانت في مايو عام 1992 بمناسبة معرض الكتاب بدعوة من معهد العالم العربي للاشتراك في ندوة عن الرواية المصرية كان وراءها الكاتبان الكبيران بدر الدين عرودكي وفاروق مردم بك. كان معي إدوار الخراط وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وجميل عطية إبراهيم وإبراهيم أصلان. كان الدكتور ثروت عكاشة معنا ليشارك في افتتاح معرض الكتاب كشخصية هامة.
كنا أنا وأصلان في فندق رويال كاردينال ، بينما صنع الله الذي سبقنا بيوم في فندق بعيد، وإدوار الخراط في فندق آخر قريب منا وانضم إلينا في اليوم الثاني بهاء طاهر الذي كانت معه زوجته قادمين من سويسرا، لكنهما ذهبا إلى فندق آخر بعد ليلة وصولهما التي قضياها معنا في الفندق نفسه. كنت أعرف أنه بمجرد وصولي إلى الفندق لن أبقى دقيقة واحدة؛ لأن جسمي يطلب المشي في شوارع وميادين باريس التي قرأت عنها ورأيتها في الأفلام. فندق رويال كاردينال يحمل رقم (1) في شارع المدارس (ري ديزيكول)، ونزلت فيه أكثر من مرة بعد ذلك، آخرها منذ ثلاثة أعوام وكانت معي زوجتي تيسير سمك التي منحني حبها الله بعد وفاة زوجتي الأولى بست سنوات في زيارة اختيارية مني لباريس، حيث كنت مدعوًّا إلى ألمانيا وإسبانيا بسبب صدور روايتي “في كل أسبوع يوم جمعة” بالألمانية، وروايتي “لا أحد ينام في الإسكندرية” بالإسبانية. ولم يكن ممكنًا وأنا أحمل (الفيزا الشنجن) إلا أن أمر على باريس وأقابل الأصدقاء.

في أول مرة تلك وصلت الفندق فخلعت ملابسي ودخلت إلى الحمَّام لأخذ (دشًّا) وأغير ثيابي وأنزل إلى الشوارع أمشي فقدماي تريدان الانطلاق. قبل الدخول إلي الحمَّام إذا بالباب يدق. فتحت فوجدت أمامي جميل عطية إبراهيم القادم من سويسرا والذي وصل قبلنا ونزل في الفندق نفسه. كان ممَّن تمت دعوتهم أيضًا كما ذكرت. فرحت به جدًّا، فهو من أحب الناس في الدنيا إلى نفسي. قلت له أن ينتظر دقائق سأستحم وأرتدي ثيابي، فقال لي “بسرعة علشان أعزمك في مطعم طعمية حلو قوي”. ضحكت وقلت له “يا جميل، «أنا سايب الطعمية من خمس ساعات.. خدني مطعم “فروي دي مير- فواكه بحر أو حتى بيتزا إيطالي أو بقية إسباني يا جدع”. قال لي “طيب فين أصلان؟”، قلت “في الغرفة اللي جنبي”، قال لي “طيب أنا عنده إلى أن تستحم وترتدي ثيابك”. انتهيت من الحمام وارتديت ثيابي وأخذته مع أصلان ونزلنا نمشي.
أخذنا جميل من شارع المدارس فهو يعرف باريس وزارها من قبل إلى سان ميشيل، وأمضينا وقتًا طويلًا جميلًا، وعدنا ننام سعداء في الفندق. طبعًا لم آكل فلافل. أراني مطعمًا في سان ميشيل ليهودي مصري، لكني أجَّلتُ الفلافل ليوم آخر وإن صحبنا إلى مطعم مصري أكلنا كريب فيما أذكر. كان إدوار الخراط أكثر من شابٍّ وهو يمشي معي أو معي وإبراهيم أصلان على نهر السين. كنت بالفرنسية القلية الباقية معي من أيام التعليم الثانوي أشرح بعض الأمور لإبراهيم أصلان حين نكون معًا دون إدوار الخراط، خاصة أن جميل لم يعد إلى المشي معنا بعد أول ليلة. كتبت عن هذه الرحلة في كتابي “أين تذهب طيور المحيط؟” ولا حاجة لإعادة ما كتبتُ، لكن الضحك كان سيد جلساتنا في مقهى النجمة الذهبية المقابل للفندق -تغير اسمه الآن- وكذلك في المشي. في مطار أورلي عند العودة، طلب مني إبراهيم أصلان أن لا أفارقه فهو يريد شراء بعض الأشياء. مشينا قليلًا في السوق الحرة ولم أجد أصلان جواري. ارتبكت. هل ضل الطريق؟ السوق الحرة كبيرة. عدت إلى مكان الانتظار الذي كنا نجلس فيه، فوجدته. سألته ماذا حدث؟، فقال لي “دخلت محلًّا يبيع راديو ومسجلات، ولم أجدك جواري فارتبكت، سألت البائع دو يو سبيك إنجليش؟، فقال” ييس” ، فصافحته قائلًا “فيري جود فيري جود”. وعدت إلى مكاني».

عن مسألة اللغة الفرنسية؛ كان الضحك الأكبر كذلك في الزيارة التالية لفرنسا عام 1994 في إطار برنامج عنوانه الجميلات الأجنبيات، Les Belles Étrangères وهو برنامج عن الترجمة والأعمال المترجمة باعتبارها الجميلات الأجنبيات عن البلد الذي تُترجم إليه الأعمال، وهو معنى فيه من الفتنة والغواية والخيانة أيضًا، كان السفر بتخطيط الكاتب والمترجم ريشار جاكمون الذي كان يشغل منصب المسؤول الثقافي في المركز الفرنسي بالقاهرة، وقام بالكثير من الأعمال للتقريب بين الثقافة الفرنسية والعربية. كنا وفدًا كبيرًا مكوَّنًا من إدوار الخراط – إبراهيم أصلان – بهاء طاهر – لطيفة الزيات – سلوى بكر –نبيل نعوم من فرنسا حيث يعيش –محمد البساطي – جمال الغيطاني – أحمد عبد المعطي حجازي – ومحمد عفيفي مطر – عبد المنعم رمضان وأنا. كانت ثاني مرة أزور باريس والثالثة لأوربا بعد زيارتي للاتحاد السوفييتي عام 1990، في هذه الرحلة التقيت لأول مرة بصفاء فتحي الشاعرة والمترجمة والمخرجة المصرية المجددة المغامرة في كل ما تكتب أو تترجم أو تصنع من أفلام قصيرة والمقيمة في باريس، والتي صارت بعدها باريس بالنسبة لي تعني وداعة وطيبة وثقافة ومصرية صفاء فتحي. وصار بيتها كعبة لي ولغيري من المصريين، وسهراتنا معًا في المقاهي ومع زوجها باتريك لاف أو اختصارًا بات لاف المثقف الرائع والباحث في منظمة التعاون الدولي وأحاديثنا الجميلة في الفنون والآداب ودرايتها الكبيرة بالأخوال المصرية والعربية. لقد صارا روح أي رحلة أقوم بها إلى فرنسا حتى اليوم.

هنا سأتحدث عن الضحك مع اللغة الفرنسية. أخذت محمد البساطي ومحمد عفيفي مطر وإبراهيم أصلان نمشي إلى غير هدف في شوارع باريس. لقد نزلنا هذه المرة في فندق راسباي في منطقة راسباي. كنت أعرف أن الثلاثة لا يعرفون اللغة الفرنسية ولا حتى الإنجليزية، إلا قليلًا جدًّا، وأنا أعرف الإنجليزية جيدًا، وأتذكر كما قلت أيام الدراسة للغة الفرنسية، وأعرف أن كثيرًا جدًّا من الكلمات الإنجليزية هي عينها بالفرنسية، لكن مع اختلاف النطق. صاروا يمشون معي، وحين نرى محل أحذية، أقول لهم بالفرنسية “شوسيريّ. يعني محل جزم “. أتعمد أن أضغط على الحرف الأخير إلى أسفل لأظهره فرنسيًّا. إذا رأيت بقالًا، أقول لهم: “جروسيريّ” وأضغط على الياء إلى أسفل فتبدو فرنسية. محل حلواني، أقول: “باتيسيريّ”. صيدلية أقول لهم “فارماسيّ” وفي الأحوال أضغط حرف الياء الأخير. أقرأ لهم أسعار البضائع التي في «الفتارين» بالفرنسية فأقول مثلًا “كاتر فان سانك”. يسألونني يعني كام؟ أقول “خمسة وتسعون” أو “سون سواسونت ديس”، فيسألونني يعني كام؟ أقول لهم “مائة وسبعون” . هكذا، حتى أتينا أمام محل جزارة وقلت لهم “بوشيريّ” جزَّار، فإذا بالبساطي يقول «لي ما هي اللحمة قدامنا أهه»، فضحكت وقلت له “والجزم كانت قُدَّامكم والحلويات والبقالة والأدوية والأسعار مكتوبة بالأرقام يا متعلمين يابتوع المدارس”، وأخذنا في الضحك. جاء يوم كنت مسافرًا فيه إلى مدينة ليون لأساهم في ندوة أدبية عن روايتي الصادرة وقتها بالفرنسية أعني (البلدة الأخرى). بالمناسبة سافرت إلى أكثر من بلد من أجل الحديث عنها وحفلات توقيع لها. ذهبنا إلى حي البيجال نهارًا أنا والبساطي ومحمد عفيفي مطر ومعنا المترجمة التي كانت ترافقنا واسمها يامينا وهي جزائرية الأصل؛ لشراء بعض الأشياء من محلات قالت يامينا إنها هناك أرخص. طبعًا البيجال بالليل حي الملاهي الليلية. كان عليَّ أن أعود دون تأخير لسفري إلى ليون في قطار الساعة الثالثة في اليوم نفسه. تأخرنا وشعرت بالقلق. في الثانية قررت أعودة بحسم وعادوا معي. بينما نمر من باب المترو لم ينفتح لي بعد أن وضعت فيه التذكرة. كانوا هم قد عبروا قبلي ووقفوا ينتظرونني. للهفتي وقلقي أن يفوتني القطار لم أفكر لماذا لم ينفتح باب المترو بعد وضعي التذكرة في مكانها. رفعت ساقي وخطوت من أعلى الباب، فإذا بامرأة ترتدي بالطو تتقدم بسرعة مني وتقول بالفرنسية: “أَرتيه”، بمعنى توقف. توقفت واقتربت منها زميلة لها ترتدي معطفًا أيضًا، يبدو أنه زي العمل. نظرت في التذكرة، فإذا بها مستعملة، فطلبت مني الباسبور. انزعجت المترجمة يامينا، وقالت “غرامة كبيرة، وربما بوليس.. ربنا يستر” وخاصة أني أخبرتها أن الباسبور في الفندق ونسيت أحمله معي. طلبت منها أن تخبرها أني كاتب مصري ومدعوٌّ هنا من وزارة الثقافة، ولأني متعجل للسفر إلى ليون فعلت ذلك دون أن أدري، وأني أعتذر. قالت لها يامينا هذا الكلام، لكنها صممت على الإجراءات القانونية. انتبهت أن معي تذاكر صحيحة في جيب الجاكيت من الناحية الأخرى، وأني كنت اشتريت مجموعة عشر تذاكر معًا لاستخدامها (باكيت). لقد تصورت من التسرع أن التذكرة المستخدمة من قبل وكانت في جيبي المقابل غير مستعملة. هنا حدثتها أنا بفرنسيتي المنسية، فقلت لها “أنا روائي مصري مدعو هنا من وزارة الثقافة الفرنسية، ومعي باكيت التذاكر الصالحة ها هو، أخطأت واستخدمت واحدة غير صالحة؛ لأني مسرع، ويجب أن أعود إلى الفندق في راسباي، وآخذ حقيبتي إلى محطة القطار قبل الثالثة، والساعة الآن الثانية والربع، وأنا أعتذر لكِ ولفرنسا وباريس التي أحبها”. خاطبت المرأة زميلتها، وسمعت كلمة (اكسيبسيون)، فعرفت أنها طبعًا مرادف ل(إكسيبشن) بالإنجليزية، وتعني استثناء فقلت «الحمد لله عدت على خيرّ». لم تكن المشكلة في الغرامة لكن في عدم وجود باسبور معي وهذا يعني وقتا سيضيع وستفوتني الرحلة إلى ليون. أخذت المرأة الفرنسية مني تذكرة سليمة وضعتها في بوابة الدخول وعبرتُ بين دهشة البساطي وعفيفي مطر، فقال البساطي ليامينا “يعني إنتي المترجمة ماعرفتيش تخلصيه، وهو يتكلم فرنساوي أحسن منك”. ضحكت يامينا وقلت أنا “يا بساطي، والله الست خافت على اللغة الفرنسية، فقالت خليه يغور من قدامي”. وضحكنا.
ذهبت إلى ليون، وكان البساطي مقررًا له السفر إلي جنيف مع أحمد عبد المعطي حجازي في الوقت نفسه في إطار البرنامج أيضًا. عدت بعد يومين، فوجدت البساطي يمشي أمام الفندق، فسألت “ماذا حدث؟! ألم تسافر؟!”، قال “نسيوا يعملوا الفيزا”. لم تكن الفيزا الشنجن قد ظهرت بعد. سألته “وماذا فعلت؟”. كان معظم الوفد يتفرق في ندوات على البلاد. قال لي “عمّال أمشي قدام الفندق طول النهار رايح جاي ولا أغادر الرصيف”.