مرفأ قراءة.. تأملات إدوارد سعيد في النقد الثقافي!

إيهاب الملاح

  • 1 –
    بعد 16 عاما من صدور الترجمة العربية للجزء الأول منه، يصدر أخيرًا الجزء الثاني من كتاب المفكر والناقد الراحل إدوارد سعيد المعنون «تأملات حول المنفى» (عن دار الآداب البيروتية) بتوقيع المترجم الأردني محمد عصفور.
    لقد صدر للكتاب للمرة الأولى باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2000، وفي بريطانيا عام 2001. وكتبت هذه المقالات على مدى فترة تقارب الخمسة وثلاثين عامًا، منذ أن كان إدوارد طالبًا في جامعة كولومبيا الأمريكية، وحتى قبل سنوات قليلة من رحيله في 2003.
    واختار مترجم الجزء الأول؛ ثائر ديب، 22 مقالة أدبية ونقدية وثقافية متنوعة أتم ترجمتها في 2003 وصدرت طبعتها الأولى عام 2004 في 384 صفحة من القطع المتوسط؛ وهي المقالات التي يصفها بأنها «تعد تحفة في فن المقال»؛ وتمثل فكر سعيد بأكمله وتبيّن مراحل تطوره. لقد ظل إدوارد سعيد لما يزيد على ثلاثة عقود أكبر المروجين لأفكار ميشيل فوكوه والنقد الثقافي ما بعد الماركسي (سيخص إدوارد سعيد فوكوه بمقالين ربما كانا الأهم اللذين كتبا عن ميشيل فوكوه وأفكاره ونقده أيضا)، واكتسب سعيد بفضل مقالاته التحليلية الجدلية المتميزة هذه جمهورا أوسع في قارات العالم أجمع.

  • 2 –
    أما الجزء الثاني الصادر أخيرًا فيقع في 352 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 24 مقالًا أدبيًّا وثقافيًّا أقرب إلى التخصص الجمالي والنقدي منها إلى المقالات العامة؛ من أبرزها: العقل والإحساس، وبين الصدفة والحتمية: كتاب الإستطيقا للوكاتش، وكونراد ونيتشه، وﭬﻴﻜﻮ عن ضبط الأجساد والنصوص، المعارضون والمستمعون والمناصرون والمجتمع، دفقات من المعنى، فوكو وخيال القوَّة، تمثيل المستعمَرين: محادثو الأنثروبولوجيا، في مواجهة العالم، دور الوهم في صنع الأمم، من الصمت إلى الصوت والعودة منه: الموسيقى والأدب والتاريخ، صراع التعريفات… ومقالات أخرى.
    وبهذا تكتمل الترجمة العربية أخيرًا لهذا الكتاب المثير من أعمال إدوارد سعيد؛ وعنه يقول المترجم الأردني محمد عصفور «إن هذه الباقة من الأبحاث الأدبية والثقافية التي طالما انتظرناها من البروفيسور إدوار سعيد تعيد تأكيد ما ليس فيه أدنى شك؛ ألا وهو كون سعيد الناقد الأكثر تأثيرًا وتألقًا في زمننا هذا. وتقدم هذه المجموعة إثباتا أكبر على مدى مساهمة العقل النقدي الملتزم في مخزون القيم والأفكار والأفعال الأساسية في حياتنا».
    وتأتي هذه الباقة الرفيعة من المقالات الأدبية والثقافية التي يستكمل بها إدوارد معالجاته البديعة لعددٍ من الموضوعات، والقضايا، والشخصيات، والظواهر الأدبية والإبداعية والجمالية، من منظور ثقافي (الدراسات الثقافية) كان إدوارد أحد رواده المؤسسين.
    برغم اختلاف الموضوعات وتنوعها وانتقالها بين حقول ومجالات معرفية متداخلة، تتجلى دعوى سعيد المنهجية التي صاغها في كتابات سابقة له، ويعمقها في هذا الكتاب، ومفادها أن إنتاج الصورة “الذهنية” وتسويقها كان دائما جزءًا من هدف سياسي، وأن الأرشيف الثقافي؛ أي أرشيف ثقافي، بمختلف بنوده وعناصره أسهم بشكل أساسي في تحديد ملامح مشروع التوسع الاستعماري وصيانته وتعزيزه.
    ولهذا يصعب أن نفهم كامو أو جيد أو كونراد أو كيبلينج أو حتى ديكنز وأوستين في معزل عن الجغرافيا السياسية للإمبراطورية الفرنسية أو البريطانية. ويعتقد إدوارد سعيد أن هذا التناول لا يختزل النصوص الإبداعية بل، على العكس من ذلك، يكشف عن عمق إحاطتها بالتجربة التاريخية، ومداخلاتها في مسار هذه التجربة.

  • 3 –
    ذاعت شهرة الجزء الأول لمقالاتٍ بعينها؛ مثل مقالة “تحية إلى راقصة” التي كتبها إدوارد سعيد عن ذكرياته وتحليله لما أسماه ظاهرة تحية كاريوكا، ومقاله الشهير عن الترجمة الإنجليزية لرواية الزيني بركات لجمال الغيطاني، وعن نجيب محفوظ وقاهرة الأربعينات.. إلخ. يعرِّف إدوارد بنفسه طبيعة هذه المقالات التي يقول إنه كتبها خلال ما يزيد على ثلاثة عقود ونصف:
    «تمثل هذه المقالات، المكتوبة على مدى فترة تقارب الخمسة وثلاثين عاما، بعضًا من الثمار الفكرية التي نجمت عن تدريسي ودراستي في واحدة من المؤسسات الأكاديمية؛ هي جامعة كولومبيا في نيويورك. فقد وصلت إلى هناك في خريف 1993 خريجا جامعيا طري العود ولا أزال هناك، وأنا أكتب هذه السطور، أستاذًا في قسم الأدب الإنجليزي والأدب المقارن. وعلاوة على هذه الشهادة المقتضبة على رضاي العميق عن مثل هذه المدة الطويلة في هذا المكان -كون الجامعة الأمريكية بصورة عامة هي اليوتوبيا الأخيرة الباقية بالنسبة لهيئتها التدريسية وكثير من طلابها- فإن نيويورك هي الواقعة التي تلعب دورا مهما في ذلك الضرب من النقد والتأويل الذي قمت به، والذي يمثل فيه هذا الكتاب نوعا من السجل أو المدونة».
    أما مقالات الجزء الثاني فهي أكثر تحديدًا وتخصصًا وبعدًا عن الموضوعات العامة والمباشرة بالسياق الثقافي العربي؛ أغلبها إن لم يكن كلها يدور في فلك الثقافة العالمية، وفي دائرة التأسيس النظري؛ المعرفي والنقدي، لبعض أشهر الأسماء في القرن العشرين؛ ميرلوبونتي، ولوكاتش، وفيكو، من أعلام الاستطيقا والنظرية النقدية في الثقافة الغربية؛ وسيتوقف إدوارد سعيد وقفة خاصة لدى اسم ميشيل فوكوه ناقد السلطة والمعرفة، والمفكر صاحب التأثير الطاغي في الدراسات الثقافية، وتحليل الخطاب في القرن العشرين.
    سيبرز إدوارد بجلاء تأسيسية مفهوم «المعرفة» كما رسمه وحدده فوكوه في أعماله الكبرى، يقول إدوارد إن من الأفكار الجامعة الكبرى الموجودة من البداية إلى النهاية في أعمال فوكوه فكرة المعرفة ذاتها (savoir ) فقد درس أصلها، وتشكيلها، وتنظيمها، وأشكال التحول أو الثبات فيها، وظل دائما سريع الاستجابة لوجودها المادي الضخم، ولتعقيداتها المتشعبة، ولمكانتها في نظرية المعرفة ولأصغر تفاصيلها.
    وفي مقالته الأخرى عن فوكوه المعنونة «فوكوه وخيال القوة» لن يتحفظ سعيد في إبداء إعجابه أبدا بالبناء الفكري والنظري السامق لأعمال منظر وناقد المعرفة والسلطة؛ سيقول عنه إنه يتألق بصفته صاحب رؤية في مجال السلطة، وبما يستدعي لدى القارئ طيفا كاملا من الاستجابات التي لا تشهد بالضرورة بصواب ما يقول، بل بوجود بدائل من النظر لا تدعمها كتبه أو تدحضها، بل تستثيرها وتمنحها الحيوية.
    وعبر صفحات الكتاب ومقالاته، تتجلى عقلية سعيد المتوهجة المولعة بالتحليل والتفكيك وإعادة الربط والقراءة وملء الفجوات، وإنتاج تأويلات غاية في الروعة والجاذبية والإدهاش، هي بالفعل مجموعة من الأوراق المتناثرة التي يربطها خيط رفيع غير مرئي، بطلها المؤلف ذاته.
    لقد أصبح هذا اللون من الخطابات النظرية والنقدية الذي أخذ على عاتقه تعرية الأيديولوجيا الاستعمارية خطابا مؤثرًا وفعالا في العالم أجمع، بفضل مجموعة من أبرز الأسماء والمنظرين من ذوي الأصول الآسيوية والإفريقية؛ وبدون شك كانت كتابات إدوارد سعيد عن «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»، وغيرها رأس حربة في هذا الاتجاه، إنها فتحت الأبواب المغلقة أمام هذا الخطاب بما جعل منه عنصرًا تكوينيا أساسيا في المشهد الثقافي المعاصر في العالم كله، وجعل لاسمه دلالة مزدوجة، هي: خطاب ما بعد الاستعمار، وخطاب نقض الاستعمار على السواء.

  • 4 –
    مؤلف الكتاب هو الناقد والمفكر الراحل إدوارد سعيد (توفي في 24 سبتمبر 2003) أحد أهم وأشهر مثقفي العالم ومفكريه في النصف الثاني من القرن العشرين، ساهم في صياغة معطيات الفكر العالمي، وفي تأسيس خطاب «ما بعد الاستعمار» والدراسات الثقافية تاليًا، منطلقًا من إيمانه العميق بالإنسان والحرية والمساواة بين البشر. وله مؤلفات مشهورة ترجمت إلى أغلب لغات الدنيا، لكن أشهرها على الإطلاق كتابه الباهر «الاستشراق» الصادر عام 1978 الذي سرعان ما أصبح حجر الزاوية في مجموعة من الكتابات سبقته ولحقته سوف تشكل مجتمعة رصيدًا للمنشغلين بالعلاقة بين السياسي والثقافي إجمالًا، والإمبريالية والثقافة تحديدًا، وتؤسس اتجاهًا نقديًّا بارزا سيعرف باسم «نقد ما بعد الاستعمار»، وتطوراته اللاحقة فيما يعرف الآن بـ «النقد الثقافي».